الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود
اليوم، يصادف ذكرى رحيل الفنانة الكردية عيشه شان (Eyşe Şan)؛ تلك الفنانة التي لا يزال صوتها، المنبعث من حقبة إذاعتي يريفان وبغداد، يتردد صداه في آذان الكثيرين. وقد ألّف الكاتب والباحث ومُعدّ البرامج، كاكشار أوريمار، كتاباً عنها بعنوان «الأميرة بلا تاج ولا عرش» (Prensesa bêtac û text)، وهو العمل الأكثر شمولاً حول حياتها حتى الآن. وقد تحدثنا معه حول حياة عيشه شان، ومسيرتها الفنية، وسمات شخصيتها.
-هل يمكنك إطلاعنا على حياة عيشه شان؟ وما هي أبرز المحطات فيها؟
كانت ولادتها في مدينة آمد (ديار بكر) عام 1938. وكان والدها، عثمان، فناناً معروفاً من فئة «الدنغبِيج» (وهم منشدو التراث الكردي)، بينما تنحدر والدتها، أليف هانم، من عائلة كردية مرموقة في أرضروم. ولهذا السبب، كانت عيشه شان تتحدث كثيراً عن أصولها وتراثها، وكانت تفتخر بهويتها الكردية أيما فخر.
منذ طفولتها، تفتحت ذائقتها الفنية مدفوعةً بشغفها لغناء «الكلام» (الأغاني التراثية الكردية)؛ وهو شغفٌ أوقده في نفسها صوت والدها. وكثيراً ما كانت تقول: «دخلتُ عالم الفن لأن أغاني والدي لم تكن تُؤدى بالشكل المطلوب من قِبل ’الدنغبِيج‘ الآخرين. فعندما كان والدي يغني أغنية ’ليلي بيمال‘ (Lêlê Bêmal)، كنت أقف مبهورةً خلف باب غرفة الضيوف في منزلنا. لو كانت جدران بيت والدي في آمد قادرةً على الكلام -لو كانت تملك عيوناً وآذاناً- لأدركتم حقاً ما أعنيه…”
ومنذ مستهل عام 1963، بدأت عيشه شان في الوصول إلى جمهورها عبر إذاعة غازي عنتاب (عنتاب). في وقت لاحق، وبعد انتقالها إلى إسطنبول، لفتت “عيشه شان” (Eyşe Şan) أنظار المجتمع الكردي من خلال أسطوانات موسيقية، تضمنت كل واحدة منها ما بين أغنيتين إلى أربع أغانٍ باللغتين الكردية والتركية. وفي ظل أجواء سادها الخوف من إنكار وجود الأمة الكردية، كان سماع صوتها أشبه بنداء المؤذن؛ إذ أيقظ الناس من سباتهم مع بزوغ الفجر ليعلموا بحقيقة واقعهم. كان صوت عيشه شان بمثابة أمٍ تنادي أبناءها: “هبوا من نومكم وانظروا حولكم بتمعن؛ فالأعداء يحاصرونكم ويضيقون الخناق عليكم عاماً بعد عام. أنا صوت الغناء، وأنا محبةٌ للغة الكردية… فيا أيها الكرد، افهموا غايتي…”.
ولا ينبغي لنا أن ننسى أن تقييم أي فعل أو حدث يجب أن يتم في سياق الظروف والإمكانات المتاحة في ذلك الزمن. فنحن نتحدث عن حقبة في كردستان الشمالية، حيث غابت الموارد التقنية ووسائل الاتصال تماماً، كما كانت الحركة السياسية مقموعة؛ فلم يكن هناك نضال مسلح، ولا أي نشاط قوي وفعال لمواجهة السياسات العنصرية التي انتهجها الكماليون. في تلك السنوات، مثّل صوت عيشه شان آمالاً جديدة وعظيمة، آمالاً دافئة كدفء الشمس؛ فالحياة على الأرض لا تستقيم بدون الشمس.
وبالنظر إلى ظروف تلك المرحلة في كردستان وتركيا، فقد كانت هذه البداية بمثابة رسالة قوية للصحوة، وعاملاً محفزاً لثورة سياسية وثقافية.
حين بدأت عيشه شان مسيرتها الفنية، كانت القضية السياسية الكردية في الشمال تواجه سياسة ممنهجة من الإنكار والصهر القسري؛ إذ أطلق الكماليون حملة شرسة تهدف إلى القضاء التام على كافة السمات الاجتماعية والثقافية والسياسية للشعب الكردي.
وبعد فقدانها لوالدها وهي في التاسعة من عمرها، وعجز والدتها عن إعالة الأسرة بمفردها، اضطرت عيشه شان إلى تعلم مهنة الخياطة. ومع ذلك، كانت تسعى سراً للقاء فنانين يمتلكون فهماً عميقاً للموسيقى والإيقاع؛ ومن بينهم “حسيني” (Husinî) الذي كان يعمل مع “جلال غوزلسس: أي الصوت الجميل بالتركية. المترجم” (Celal Guzelses). كانت عيشه شان تزوره سراً لتتعلم فن الغناء، بمرافقة آلات موسيقية مثل آلة وترية هي”الجمبش” (cûmbûş). علاوة على ذلك، ترفع عيشه شان صوتها في وقت تقف فيه عائلتها ومجتمعها -وربما الأهم من ذلك، الدولة التركية- ضد مسعاها. تضطر عيشه شان إلى الاختباء في إسطنبول لمدة عشر سنوات لتجنب القتل على يد شقيقها. ويمكننا أن نلمس ألم المنفى في صوت عيشه شان وألحانها.
أرى في أعمال “عيشه شان” (Eyşe Şan) خلال تلك السنوات مسعىً لمقاتلةٍ، نهضت فجأةً -وسط النيران والدماء- عقب انهيارٍ وهزيمةٍ في ساحة المعركة، لترفع راية المقاومة وتصرخ: “نحن موجودون؛ ولا يمكنكم محو وجودنا”.
-ما هي خصائص فن “عيشه شان”؟ وكيف كانت شخصيتها، وكيف تجلّت هذه الهوية في أعمالها الفنية؟
حين بدأت “عيشه شان” مسيرتها الفنية، كان الكماليون يشرعون في تنفيذ مرحلة من “الصهر الثقافي” (الاستيعاب القسري) في شمال كردستان، وذلك من خلال تطوير سوق الموسيقى واستقطاب الأصوات الكردية الموهوبة. وكان “جلال غوزلسس” (Celal Güzelses) (1899–1959) رائدًا في هذا المسعى؛ ولهذا السبب لقّبه “مصطفى كمال” بـ “بلبل الشرق” (Şark Bülbülü). لم يكن هذا اللقب الذي أُطلق على “جلال غوزلسس” سوى جزءٍ من استراتيجيةٍ مدروسةٍ وطويلة الأمد. ووفقاً للموسيقي “حسني” (Husno)، فعندما سمع “جلال غوزلسس” صوت “عيشه شان” لأول مرة عام 1957، دعاها للانضمام إلى فرقته في ديار بكر، لكنها رفضت تلك الدعوة. يبدو أن حظر اللغة والأغاني الكردية ترك أثراً عميقاً في وجدان “عيشه شان”؛ لذا، وإلى جانب أدائها للأغاني باللغة التركية، غنّت أيضاً بلغتها الكردية الأم الغنية. فصوتها وألحانها كرديةٌ في جوهرها؛ وبصفتها ابنةً لـ “الدنغبِيج” (dengbêjs) -أي رواة الأغاني الكردية التقليديين- كانت على درايةٍ واسعةٍ بكنوز الأغاني الكردية، التي تضاهي في قيمتها اللآلئ والجواهر. لقد كانت امرأةً كرديةً مثقفةً، تجري في عروقها وفي كل خليةٍ من خلايا جسدها إرثٌ فنيٌّ استمدّته من تقاليد “الدنغبِيج” والفن الكردي الكلاسيكي. ومع اكتسابها الشهرة كمغنية، لم تفقد هويتها ولم تنجرف وراء إغراءات الشعبوية السطحية؛ بل سعت فقط لتكون صوتاً لفنّ شعبها ولغته. في حين لم تحظَ أغانيها باللغة التركية باهتمام يُذكر، جلبت لها أغانيها الكردية شهرة واسعة، لم تقتصر عليها فحسب، بل شملت أيضاً شركات الإنتاج الموسيقي التي تعاونت معها. ظلت عيشه شان ثابتة على موقفها، ولم تخلف يوماً الوعد الذي قطعته على نفسها.
علاوة على ذلك، تحمل أغاني عيشه شان في طياتها رسائل واضحة وذات دلالات عميقة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، وصل صوتها إلى آفاق بعيدة عبر البث الإذاعي من يريفان وبغداد. ورغم أن الجمهور لم يكن يعرف هويتها أو أصولها، إلا أن صوتها أثار في نفوس الناس مشاعر جياشة وعميقة.
ألّفت عيشه شان أغنية “Derdê Hewiyê” (معاناة الضرة) في فترة وجدت فيها نفسها في هذا الوضع؛ إذ كانت قد تزوجت من “حجي شوكت ديريكي”، وشعرت بظلمٍ شديد دفعها لرفض العودة إلى بيت زوجها، فكتبت الأغنية بقلبٍ يملؤه الألم. وهل ثمة دليلٌ أصدق على الروح الثورية والعمق الفكري لدى عيشه شان من هذا؟ لقد خلّف المجتمع الإقطاعي وطبيعة النظام الأبوي القمعي جروحاً غائرة في روحها ووجدانها؛ ومن خلال هذه الأغنية، عبّرت عن المعاناة التي طالما طبعت حياة النساء الكرديات في كردستان. ولو لم تغنِّ عيشه شان سوى “Derdê Hewiyê” و”Xezal-Xezal”، لكانت شهرتها قد بلغت الآفاق، ولحجزت لنفسها مكاناً خالداً في التاريخ.
وتنوعت موضوعات أغانيها لتشمل التراث الكردي الكلاسيكي، وقصتها الشخصية وتجاربها الحياتية، بالإضافة إلى الأغاني ذات الطابع السياسي، التي ظهرت بالتزامن مع نمو الحركة السياسية في كردستان الشمالية.
وكان صوت عيشه شان قوياً ومؤثراً لدرجة أن جهاز الاستخبارات التركي (MİT) استدعاها ذات مرة إلى مقره في أنخارا وأخضعها للاستجواب، لمجرد أنها أدّت مقطوعة من التراث الشعبي. ورغم المعاناة الشديدة والإذلال الذي تعرضت له على أيديهم، إلا أنها لم تخضع يوماً لمطالبهم. على الرغم من أنها لم تحظَ بالتقدير الذي تستحقه من عائلتها وأبناء جلدتها، إلا أنها ظلت وفيةً لنبل شخصيتها وتراثها؛ فلم تقم قط بأي عملٍ قد يجلب العار لقومها، سواء من خلال اسمها أو نتاجها الفني. كانت عيشه شان امرأةً ذات مبادئ وعزيمة صلبة، استطاعت خلال حياتها القصيرة أن تبدع أعمالاً استثنائية -حمل كلٌّ منها رسالةً عميقة- لتصبح بذلك جزءاً راسخاً في تاريخ الفن الكردي.
-في قصة حياة عيشه شان، ما الذي لفت انتباهك أكثر من غيره؟ وما هي، في رأيك، أكثر الذكريات تأثيراً أو بروزاً حولها؟
أكثر ما يؤلمني هو أنه، في حياتها، لم يدرك أحدٌ قيمتها الحقيقية. كانت كثيراً ما تقول لابنها مراد: “يا بني، أنت لا تدرك من أكون. بعد رحيلي، سيأتي إليك الكثيرون ليسألوا عن أعمالي وإسهاماتي؛ أما وأنا على قيد الحياة، فلا يكاد أحدٌ يعرف من أكون أو ما الذي حققتُه…”.
طوال حياتها، لم تبتعد عيشه شان (Eyşe Şan) يوماً عن أبناء جلدتها؛ ومع ذلك، فحتى عندما أسس الأكراد في الشمال والجنوب مؤسساتهم الخاصة، تقاعسوا عن استذكار جهودها وإسهاماتها. نحن، شعوب الشرق الأوسط، “نقتل الأحياء ونعبد الأموات”؛ إذ لم يبدأ الجميع بالاهتمام باسمها وإرثها إلا بعد رحيلها في 18 ديسمبر 1996!
حين تغني “أواه يا أماه” (Hey Wax Dayê)، لا يقتصر الأمر على استحضار الآلام والمعاناة التي كابدتها عيشه شان فحسب، بل أتذكر أمي أيضاً؛ فقد كانت تذرف الدموع كلما سمعت صوتها، وتقول غالباً: “إن كل المصائب والبؤس الذي طبع حياة المرأة الكردية على مدى ألف عام، يمكن سماعه في النبرة المؤثرة والشجية لأصوات عيشه شان ومريم خان (Meryemxan)…”
وعندما تغني “باوِي سيرو” (Bavê Seyro) أو “جمبلي كورِي ميري هكاريا” (Cembelî kurê Mîrê Hekariya) بصوتها الرقيق والعذب، تتجلى أمام عينيّ أسمى صور الحب بين شخصين، وكأنني أشاهد مشهداً سينمائياً. بل إنني في بعض الأحيان، أصل إلى حالة من الانجذاب الكلي لصوتها، لدرجة أنني أفقد الإحساس بكل ما يحيط بي.
كان بإمكانها أن تكون ممثلة سينمائية استثنائية؛ لكن حين سعى يلماز غوني (Yilmaz Güney) للتعاون معها في مشروع كهذا، اعتُقل، ولم يُكتب لذلك المسعى أن يرى النور.
-ما الذي ميّز عيشه شان عن غيرها؟
لقد كانت امرأة وحيدة في هذا العالم، لكنها كانت تتمتع ببصيرة نافذة وحكمة بالغة؛ إذ كانت تدرك تماماً متى ولماذا وكيف تخطو خطواتها. ولو كان لدينا وطن حر ومستقل يُدعى “كردستان”، لما ساورني أدنى شك في أن أحد قادة أمتنا كان سيضع تاجاً ذهبياً لا يُقدّر بثمن على رأس عيشه شان. ولهذا السبب، اخترت لكتابي الذي يتناول حياة عيشه شان وأعمالها عنوان: “الأميرة بلا تاج ولا عرش”. إن أولئك الذين يمتلكون فهماً حقيقياً للفن والصوت والموسيقى والحس الفني، هم الأكثر قدرة على إدراك قيمة شخصيات مثل عيشة شان، ومريم خان، ونسرين شيروان وغيرهن؛ ومعرفة حقيقتهن وما حققنه. ويستحضر اسم عيشة شان -هذه الفنانة القديرة والخالدة- وإرثها الباقي، ذلك المثل المأثور: “لا يعرف قيمة الذهب إلا الصائغ”.
لقد كانت عيشه شان تدرك تماماً أنها لن تُنسى، وأن إسهاماتها ستُحفر في سجلات تاريخ الفن؛ لكنها كانت تعلم أيضاً أنها ستحمل معها إلى باطن الأرض الباردة الكثير من الأمنيات التي لم تتحقق، والأشواق العميقة التي ظلت حبيسة نفسها.
إن الشجاعة التي أبدتها عيشة شان، والخطوات التي اتخذتها في مراحل مختلفة من حياتها، تستحق قدراً أكبر من الاحترام والتقدير. ولن نتمكن من إنصاف جهودها الجبارة وتفانيها حق الإنصاف إلا من خلال إنتاج مسلسل تلفزيوني متعدد الأجزاء يتناول مسيرتها. ينبغي علينا أن نقدم لشخصيات مثل مريم خان، وگولبهار، وعيشه شان، ونسرين شيروان، وسوسيكا سيمو، وغيرهن، ما قدمه العرب للفنانة القديرة أم كلثوم (1904–1975).
نُشرت هذه المقابلة على موقع “السياسة الحرة الجديدة. المترجم” (Yeni Özgür Politika) في 18 كانون الأول 2020.
Piştî mirinê wê li min bipirsin’” li ser Eyşe Şanê”

التعليقات (0)