قراءة في كتاب

سردية الشيخ الموقَّر : محمد عيسى-9-

إبراهيم محمود

 

من يغذّي الخلافات أصلاً؟

 

” أنا امرأة في حالة تطور مستمر؛ أحاول -كأي شخص آخر- أن أتعلم من كل صراع وأستخلص العبر من كل تجربة. فالحياة لا تعرف الملل أبداً”.

أوبرا وينفري

 

هل يمكن البدء؟ من أين؟

البحث في الخلافات، يتطلب التحري عن جذورها، وربما بدقة أكثر عن الفاعل المؤثر فيها والباعث عليها.

في مجتمع محكوم بالطغيان، يُعايَن العمل السلطوي على ” صنعة ” التباينات التي تواجه الناس ببعضهم بعضاً. نحن هنا إزاء حال ” دقّ الإسفين ” صحبة ” فرّق تسد”. ثمة عراقة في هذه التدابير التفتيتية في المنطقة. إنها لعبة السلطة التي يكون همها الأكبر ليس تدارك المشكل إنما تربيته، تنميته، والحرص على تجذيره.

أليس التاريخ نفسه في نشأته مولودٌ خلافي: يؤججه الخلاف، ويشهد عليه الخلاف، ويحرّره من نفسه الخلاف؟

في المجتمع القائم على التنوع الأثني، لا أسهل من التفكير في هذا الطريق الصعب، والسعي إلى تلغيمه.

كما هو المشهود له في تاريخنا الطويل، أي تاريخ المجتمعات التي يعيش فيها الكرد محكومين بسواهم.

إزاء أي خلل في جهاز الدولة، في أي مفصل حركي فيها، في أي نشاط حكومي، وعلى قدْر وطأته، تكون العين الساهرة على إيجاد المسوّغ: الضحية، درءاً للعنف الموجهة إلى سلطة القيّم عليها.

الكرد، لا يزالون يعيشون مثل الدور المفروض عليهم: الدفع بهم ليكونوا عنيفين، والتعتيم على منبع العنف، ليُنظَر في أمرهم خطِرين على هذا المجتمع أو ذاك، حيث يجري إيواؤهم، كما لو أنهم طارئون عليه.

بصدد الخلافات التي عرِف بها الكرد تاريخياً، وفي دائرة الحركة القومية الكردية في سوريا، حزبياً، والتأكيد على الدور ” المشبوه ” المتمثل في نشاط كهذا، يجد الكردي نفسه في مواقع الدفاع، لدفع التهمة، دون جدوى، كما يظهر تاريخياً. لسبب بسيط جداً، كما أرى، وهو : بما أن هناك كردياً، وإن تنكَّر لأصله، يكون تحت الضوء، لا حبّاً به، إنما لتقييده داخلاً نفسياً، ومحاولة تجريده من قواه، ولإيحاء الآخرين ممن يتكلمون لغة السلطة، ويرددون شعاراتها، ويسخّرون أنفسهم في خدمة أهدافها الافتئاتية، أن العدو حيث جرَت تسميته.

طبعاً، في ذاكرتنا الجماعية، وفي مجمل التاريخ المتداول، ما أن يُدرَج أي كان في خانة ” العدو ” حتى يكون معادلاً لكل ما هو سيء، رديء، سخيف، وضيع، منحط، همجي، نجس، وكل مجابهة له نيلٌ لثواب مبرمج!

 

الذهاب إلى داخل البيت السلطوي

ماذا لو أننا توقفنا فيما يقال في هذا السلطوي، من يتباهى باسمه ولغته ومذهبه، وثقافته، وتاريخه؟

في الحالة هذه، سنتوقف عند هذه النقطة، ولن يكون هناك إيراد لأي قول، يخص الكردي من باب الرد، إنما هذا الناطق نفسه، في خانة السلطة أو على تخومها تابعاً، أو مأجوراً، أو…لأنه على قناعة تامة بأخلاقيتها.

بالنسبة لمحمد جمال باروت، لحظة قراءة كتابه المذكور سالفاً، يُلاحَظ نوعُ الجهد المبذول في وضعه، وما يعنيه ذلك من الشعور بثقل المهمة التي أسندها لنفسه، والتلاعب بالتواريخ والأسماء لإبراز عدم أهلية الكرد، من خلال قادتهم وزعمائهم وساستهم، على أن يكونوا ممثلي أنفسهم، أو جديرين بأن يتكلموا بتاريخ يعنيهم، حيث نقرأ في أكثر من مكان مثل هذه العبارة” الانقسام.. الانشقاق” وتعميق هذا الخندق “47 ”

لنتحدث على الصعيد العام عربياً، وبشهادة كاتب وروائي معروف، في سردية مقروءة ومرهقة:

( في سجني أدركت الحقيقة في صوت المذيع البطولي، مزمجراً حول الحرية، في عواطف قصائد سليمان العيسى الهائجة والمعميات القومانية لمطاع صفدي وصوفية الموت في إنشاء ميشيل عفلق الذي كان يريد أن يخرج العربي الكامن في داخلي بالجلد في زنزانات التعذيب، في إنسانية أغاني عبدالوهاب البياتي الذي كان يريد أن يحول جماجم أعدائه إلى منافض للسجائر، وهي جملة مأخوذة على أي حال من ماياكوفسكي الذي اختار الانتحار عندما اكتشف عبث صرخاته، في عنقاوات بدر شاكر السياب وآلهته التموزية وهو يشتم في قصائده رجلاً بسيطاً مثل حسن الركاع أو عاملاً أمياً مثل شخنوب الناهض من موته ويمدح عبدالكريم قاسم في السلطة ويشتمه بعد سقوطه. هناك أدركت معنى الكلمة التي نكتبها ونظافة الفعل الذي نمارسه مثلما أدركت أنه ما من سذاجة أكثر بؤساً من سذاجة الذين تعميهم أوهامهم الإيديولوجية عن رؤية الوجه الحقيقي للحياة…

بعد انقلاب 1968، أقام البعثيون واحدة من أقسى الدكتاتوريات في تاريخ المنطقة كلها.) ” 48 ” .

وما يأتي بلسان روائي معروف، وباحث فلسفي مقتدر وما بعد حداثي كتابات ٍ، وبعثي سابق سورياً، ومدّاح صدامّي عراقياً، وهو يتحدث عن حزبه الذي انتمى إليه في سوريا، ويخنع لذاك، أي لسلطته الصدامية:

( إن هذا الحزب، الذي ولدت أفكاره في مناخ الحرب العالمية الثانية، ونمت مثله خلال معارك الاستقلال، والتحرر من التبعية، قد حمل لواء الثورة، ثم حمل لواء الثورة المضادة… هذا الحزب، الذي اجتمعت له في فترة ما خلاصة العناصر الشابة المؤمنة والمثقفة، غدرت بها قياداته، واستغلتها أيما استغلال، ثم مزقت مطامع هذه القيادات وحدة الحزب، وحرفته تدريجياً عن خط الثورة العربية إلى أن أصبح في الصف المناقض لها تماماً. ص 6

وأما البعث المدني في سوريا، فقد بقي قبل آذار وبعدها، وخلال مختلف تطورات الأوضاع هناك حتى يومنا هذا، هزيلاً كماً وكيفاً، وأضعف من أي تجمع آخر وجناح آخر، كما قلنا، في الحزب وخارج الحزب.ص 301

وتمجيد العراق: لقد خاض العراق معركة القضاء على عزلته، ضد مختلف أنواع حماة هذه العزلة.ص 404- وهو اليوم أمل الثورية العربية كلها.ص 411.) ” 49 ”

وفي شهادة باحث ومترجم ضليع” لنذكّر بترجمته لكتاب فيخته: خطابات إلى الأمة الألمانية”، وهو يقول:

( بعد 1970، أصبح البعثيون بلا  بعث والبعث بلا بعثيين: أيديهم مصبوغة بالدم والعار يتسابقون إلى القتل والظلم والركوع أمام مهماز الجزمة. ولكن البعث العربي يظل رسالة خالدة أؤمن بها لأنها وحدة حرية وتقديس مطلق للإنسان)” 50 ” .

وما يفيدنا به مؤرخ لتلك المرحلة، مركّزاً أولاً على دور الذاكرة في أتون تاريخه العاصف:

( الذاكرة هي المرجع الأول، والأساس لهذه الأحداث المسرودة. فأنا لا أكتب تاريخاً بالمعنى العلمي أو الأكاديمي لهذه الكلمة، وإنما أسرد أحداثاً عشتها فاعلاً ومنفعلاً ومراقباً.) .

وما هو لافت بقوله الواضح، وهو يتحدث عن ( الدور التخريبي لعبدالحميد السراج في سورية ضد أحرارها.) ” 51 ” .

ونبرة المفارقة في قول آخر، مؤرخاً في الذي يُنبَذ هنا وهناك بسلوكه، وهو يلقّبه بالأستاذ:

( عن سورية، هذا الكيان السياسي باسم سورية أو الجمهورية العربية السورية، لم يكن معروفاً حتى عام 1912،وهو العام الذي ولد فيه الأستاذ ميشيل عفلق.) ” 52″

وفي اعتراف نائب أمام نظرائه:

(يا سادة، إننا نتخبط في جهل مريع، لا أقصد الجهل الموجود في المدن فقط بل الجهل المنتشر في القرية والبادية، فأسأل وزير المعارف..: أين العدل بين القرية والمدينة في المدارس؟ أين العدل بين القرية والبادية في التعليم الزراعي؟ ولا أريد أن أطيل في هذا الموضوع فكلنا يعلم أننا لا نجد شيئاً من هذا العدل…) ” 53 ”

وفي الذي أفصح عنه باحث أجنبي

( في استهلاله: إن مما لا يمكن إنكاره أن الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية قد لعبت دوراً في تاريخ سوريا السياسي والاجتماعي والاقتصادي في القرن العشرين.

وتالياً: قبل انتشار ظاهرة القومية في العالم الإسلامي كانت أهم المجموعات القومية مثل العرب والأتراك والفرس والأكراد متسامحة إلى حد ما في سلوكها تجاه بعضها البعض..) ” 54 ”

إنه تاريخ طويل، حيث الأمثلة ذات الصلة لا تنتهي في هذا الحيّز ” 55″

ويمكن أن أقتبس قولة محمد طلب هلال ، الذي كان رئيس شعبة الأمن السياسي في محافظة الحسكة- الجزيرة- وعضواً في حزب البعث العربي الاشتراكي، إذ بدءاً من المدخل، يقول من باب الأنفة والتعالي القومي العروبي التمجيدي( هذه القطعة من وطننا الغالي التي حاكت لها الأيام ما حاكت ودس لها تعاقب الزمن ما دس حتى أصبحت بما ابتليت به من إهمال وغدر وتآمر ما هي عليه الآن من فوضى عنصرية ونزاع طائفي ووضع قبلي متخلف ومسرحاً لبقايا قوميات مندثرة أكل الدهر عليها وشرب..) ” 56 ” .

ومن المفيد جداً، الإشارة إلى العمل الملحمي الاجتماسي لحنا بطاطو، في مكاشفته البنية الذهنية للبعث في سوريا، وماذا أنتجت هذه البنية أفكاراً وأفرخت علاقات، ودشّنت لميثولوجيات الأصل الغابر في التاريخ، وغذّت المخيال الجماعي لرموزه بالعنف الطائفي وسواه،

كما في تناوله لموضوعة “البعثيّة في جوانبها الريفية والفلاحية”، حيث كان عنوان القسم الثالث من الكتاب (  تحليلاً للجوانب الريفية والفلاحية في عقيدة حزب البعث وسياساته، فحزب البعث لم يكن مغرياً للبرجوازيين أو لأبناء العائلات السياسية القديمة، فكانت الخلفيات الريفية هي العنوان الأبرز لكوادره الأولى والذين تزعموا الحزب لاحقاً، كما يميز بين ثلاث مراحل طبعت تاريخ حزب البعث في سوريا، المرحلة الأولى من البدايات حتى تسلّم البعث السلطة في عام 1963، وتمتد بعض خصائصها حتى عام 1966، والمرحلة الثانية التي كان الصراع المستمر بين تيارات البعث عنوانها الأبرز والتي امتدت من حركة 23 شباط عام 1966 واستيلاء حافظ الأسد على السلطة في 16 تشرين الثاني عام 1970، أما المرحلة الثالثة فتبدأ باستيلاء حافظ الأسد على السلطة. ويبيّن بطاطو الاختلافات العميقة بين هذه المراحل، ليستنتج أن بعث حافظ الأسد يختلف تماماً عن بعث المرحلتين الأولى والثانية، وهو اختلاف يصل إلى حد التناقض أحياناً) ” 57″..

أليس الذي أوردنا داخلاً في الخانة الكبرى للخلافات وتبعاتها من التكالب على السلطة، وتمسيخ القيم المطلوبة لجعل المجتمع مجتمع اختلاف، وتسامح، وتقدم، وقدرة على الإسهام في الحضارة والثقافة العالميتين؟” 58 ”

في مناخ سديمي كهذا، في مجتمع هو بالاسم مجتمع، أي شكل للدولة يكون، وأي معنى للمجتمع يُسمى، وأي قيمة تاريخية مجزية، تستحق التهجئة في الثقافة وهي معدومة التنوع، مجردة من حقيقة كونها ثقافة؟

كما لو أن في صوت أدونيس الشاعر المفكر، أو المفكر الشاعر اللاقطيعي، يرد على معظم هؤلاء، وهو يقدّم شهادة اعتراف للتاريخ وأمام الجغرافية المثقلة بالشعارات، باسم الفكر ونقيضه عربياً:

( هذا الشبح الذي نسمّيه الفكر العربي المعاصر، أتَّهمه، وأنا جزء منه، بأنه عاجز جاهل. لا يعرف أحداً. لا العربي ولا غير العربي. لا يقد أن يطاول أن يطاول أحداً. لا العربي ولا غير العربي. أتهمه بأنه تابع جبان مسحوق. عبدالدجل السياسي. عبدالحزب والتحزب. عبدالرئيس والوزير. عبدالمال والمصلحة. منافق وسمسار) ” 59 ”

ذلك ما تفصح عنه ستينيات القرن الآفل، وترسيمة البعث في تلغيم المجتمع، ومحاولة وضع اليد على ” مصير الكرد ” بالتضييق عليهم في مجالات حيوية مختلفة ” 60 ”

لتبدا سردية عذابات المسمّاة بالأقليات رحلتها في ليل طغيان النظام المستبد، والتهميش لها، والكرد خصوصاً، كما هو المشهود له تاريخياً، والمحفوظ في الذاكرة الجماعية لعموم الكرد ” 61 ”

نعم، الخلافات ونتائجها الوخيمة يستحيل التعتيم عليها، والكرد مشهودٌ لهم عليهم هنا، للأسف، كما ذكرنا، والمؤثرات أشيرَ إليها، لكن بالمقابل، يستحيل تجاهل من يرمي التهم وهو أولى بالاتهام، أو كما يقال:

العنصريُّ هو من ينادي بالعنصرية، أو “يرى القشة في عين غيره ولا يرى الخشبة في عينه”..

ربما من هنا، يمكن لسردية أخرى أن تباشر حضورها، وهي تضم إليها تنوعاً،حرصاً على الحقيقة القائمة!

 

مصادر وإشارات

47- محمد جمال باروت: التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية ” المصدر المذكور، يُنظر، مثلاً في الصفحات:780-783-789-790″ عن: حرب الإخوة”-793-795 -796…إلخ.

وللتوسع في قراءة كتاب باحثنا باروت، أحيل إلى سلسلة الحلقات النقدية التي كتبها الباحث والأكاديمي الكردي محمود عباس، تحت عنوان: مصداقية الباحث العربي محمد جمال باروت مثالاً، في أكثر من موقع، ومن ذلك: موقع ” الحوار المتمدن ” وكذلك ” ولاتى مه “..

48- فاضل العزاوي: الروح الحية ” جيل الستينات في العراق، دار المدى، دمشق،ط2، 2003، ص 86-244.

49- مطاع صفدي: حزب البعث” مأساة المولد-مأساة النهاية، دارالآداب، بيروت، 1966،وقد وردت أرقام الصفحات في المتن للإيجاز.

في مجلة” آفاق عربية “، بغداد، ع11، ت2، 1989.المقال الأول له معنون بـ: مدخل في قراءة القائد التاريخي،ومن ذلك، قوله: حضور القائد يستبق كل نظرية في القيادة. حضوره هو لحظة الشروع فيما ستكون..صدفة الحب وحدها هي التي يتبقى لها سر الاسم المجهول بعد أن تُعلَن كل أسماء القائد..فيلسوف القائد يجب أن يعشق ملايين ملايين عشاقه أولاً. فمن يكتب حقاً عشق الملايين… والعِشق، العشق هو التاريخ، هو ساعة تاريخه. أنت إذن. أنت لا تدخل في قصيد القائد. لا تفردنه. لا تشخصنه. لا تسبح في يمه، لا تموج في خضمهنن. لكنك قد تتصل بموجته. قد تعلق بمرساته. فتكشف فضة الخضم في لؤلؤته. واللؤلؤة صدفة الخضم العظيم.ص 15.

50- سامي الجندي: البعث، دار النهار، بيروت، 1969،ص162 .

51- محمد معروف: أيام عشتها 1949-1969” الانقلابات العسكرية وأسرارها في سورية “، منشورات الريس، بيروت،ط1، 2003.

تولد” مَتور” قضاء جبلة، 1921، ص 19-146. والكاتب من مواليد ” مَتور” قضاء جبلة، 1921،

52- زهير المارديني: الأستاذ ” قصة حياة ميشيل عفلق “، منشورات الريس، لندن، 1988، ص 13.

يُنظر بالمقابل، ما كتبه حازم صاغية، في البعث السوري: عفلق والأرسوزي، البدايات الأولى .

كما في المقتطَف التالي:

في 1947، بعد عام واحد على الجلاء الفرنسي عن سوريا، ولد “حزب البعث العربيّ”. كانت تلك هي الولادة الرسميّة، إذ سبقها تبشير بـ”البعث” في مقاهٍ دمشقيّة كان الطلاّب يتحلّقون فيها حول أستاذين عائدين من باريس، هما المسيحيّ الأرثوذكسيّ ميشيل عفلق والمسلم السنّيّ صلاح الدين البيطار، ومعهما دمشقيّ ثالث لم يعمّر طويلاً اسمه مدحت البيطار.

وعفلق والبيطار والأرسوزي لم يُعرفوا بودّ متبادل، وقد نُقلت عن ثالثهم عبارة شهيرة في أوّلهم تقول إنّ “الأدب خسره فيما ابتُليت به السياسة”. لكنّ الأمر كان أكثر من عبارة شاردة، إذ الأرسوزي رأى في منافسه الدمشقيّ تجسيداً للفشل ولانحطاط الهمّة والكسل الفكريّ. وبينهما قامت فوارق أعمق في عدادها أنّ المعلّم الأنطاكيّ اعتبر الجاهليّة، لا الإسلام، عصر العرب الذهبيّ، كما عوّل، متأثّراً بالأدبيّات العرقيّة الأوروبيّة، على “عنصر” عربيّ متفوّق، فقال بـ”العروبة فوق الجميع”، وهو ما لا أثر لمثله في كتابات الأستاذ المنافس.

ولئن كان عفلق مدعوّاً لأن يدلي بدلوه في أمر الإسلام، لأنّه يحتلّ ما يحتلّه في الحياة العربيّة، ولأنّه هو نفسه مسيحيّ، فقد سمّى الإسلامَ معجزة العروبة وخير ما أنتجته العرب، كما اعتبر نبيّه بطلهم الأبرز الذي كان “كلّ العرب”، فما على العرب اليوم كي يظفروا إلاّ أن يكونوا “كلّهم” محمّداً. وقد حاول “الأستاذ”، جرياً على تقليد محافظ شائع آنذاك، أن يضع الدين العربيّ في مواجهة “الإلحاد” الشيوعيّ والمتغرّب، فضلاً عن تطويعه في الصراع ضدّ “الشعوبيّين” من أعداء القوميّة وكارهي العرب ووحدتهم.

وعفلق، الذي كتب قصائد رومنطيقيّة في شبابه، استقرّت فيه تأثّرات ألمانيّة عدّة لم تتجانس، مطرّزةً بقليل التأثّرات الفرنسيّة المبعثرة، لكنّ إعجابه بوحدتي إيطاليا وألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر ظلّ يحفر عميقاً في نفسه، مثله في ذلك مثل كثيرين من أبناء جيله. وإلى تعريجه على نيتشه، ومن قبله فيخته، وربّما هيردر، اجتمعت له عموميّات ماركسيّة لا يبدو أنّها تركت عليه أثراً ملحوظاً، مع أنّه بُعيد عودته من باريس خالط أجواء الشيوعيّين السوريّين وساهم، بمقطوعات أدبيّة، في نشراتهم، لا سيّما منها “الطليعة”. لكنّ أكثر ما يدلّ على نقص الانسجام والتجانس في وعي عفلق أنّ العموميّات الليبراليّة وجدت، هي الأخرى، طريقاً إلى تفكيره. فقد نصّ، مثلاً، المبدأ الثاني من دستور الحزب على أن “حرّيّة الكلام والاجتماع والاعتقاد والفنّ مقدّسة لا يمكن لأيّ سلطة ان تنتقصها”.

53- البيانات الوزارية السورية ومناقشاتها في المجلس النيابي 1918- 1958، التحرير: د. يوسف حسين إيبش- د. يوسف قزما خوري، بيسان، بيروت، ط1، 2000، ص 396.

54- د. نيقولاوس فان دام: الصراع على السلطة في سوريا ” الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة :1961-1995″، مكتبة مدبولي، ط2، 1995.ص 7-18.ومن المعروف، أن فان دام، كان سفير هولندا في مصر.

55-للتوسع، يُنظَر في كتاب أيرام. لابيدس: تاريخ المجتمعات الإسلامية، ترجمة: فاضِل جتكر، دار الكتاب العربي، بيروت،ط2،  2011.

56-محمد طلب هلال، في مصدره المذكور، ص 11.

57-حنّا بطاطو: فلّاحو سورية ” أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم”، ترجمة: عبدالله فاضل- رائد النقشبندي، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، بيروت،ط2، 2015،صص261-360 .

حيث نقرأ ما يستحق القراءة ( لم تكن ” البعثية ” في تاريخ سورية الحديث قوة واحدة تفعل فعلها باتجاه واحد أو تحت تاثيرات متماثلة، بل كانت غطاء لتشكيلة من العناصر التي ينبغي، لأغراض بحثنا، التمييز في ما بينها أولاً وقبل كل شيء. في الحقيقة، لم يكن هناك حزب بعث واحد، بل ثلاثة أحزاب كانت، على الرغم من ترابطها المعقَّد ، متمايزة تماماً بقاعدتها الاجتماعية، وإطارها الذهني، واستجاباتها الطبيعية، وخصال أعضائها وقيادتها، والمصالح التي خدموها.ص 261). وما يمكن قرأته تالياً، في فقرة معنونةبـ” قائد المسيرة “( حمل بعث ما بعد عام 1970 بصمة شخصية الأسد منذ البداية..ص337).

وما يهم القارىء ديموغرافياً، وفي محافظة الحسكة، حين يقول باحثنا السوسيولوجي( أما ضعف الحزب النسبي في محافظة الحسكة عموماً فمردّه إلى العدد الكبير، من غير العرب غير المندمجين إلى هذه الدرجة أو تلك في أنحائها الشمالية الشرقية ( معظمهم من الأكراد…ص353)…إلخ.

58-للمزيد من التوسع، يمكن مراجعة كتابي: شجرة قابيل” سوريا العيش في ظل زوجة الأب” دار سطور، بغداد،ط1، 2019، في ” 700 ” صفحة ونيّف. وبدءاً من التقديم: طَرْق أبواب في منتصف الليل، صص7-50، حيث التقابل بين فعل الذاكرة الانقسامية، والتاريخ الانهدامي، بأكثر من معنى.

59-أدونيس، فاتحة لنهايات القرن” بيانات من أجل ثقافة عربية جديدة” ، دار العودة، بيروت، ط1، 1980، والمقتبس، من ” بيان 5 حزيران 1967 ” والذي نشر في أعقاب هزيمة هذا اليوم من هذا الشهر من هذه السنة المذكورة، بدءاً من مجلة ” الآداب ” اللبنانية، آب، 1967 …

59- حيث إنه في الستينيات أخرجت الحكومة السورية من الجيش كافة الضباط من أصل كردي لأسباب عنصرية، مثلاً.

للمزيد، يُنظَر حول ذلك، في كتاب: من مذكرات عصمت شريف وانلي،مؤسسة زين، السليمانية،ط1، 2014، ص 22. وقد عاش وانلي بين عامي 1924-2011، وتوفي في سويسرا، مثل نورالدين زازا.

60—على الأقل، وأنا أشير إلى :

الأقليات والأسئلة المكبوتة، تأليف جماعي،دار بترا، دمشق، ط1، 2010.

كما في قوله الباحث والمترجم السوري هاشم صالح: لا ينبغي أن نستهين بعذاب الأقليات الدينية أو القومية العرقية على مدار التاريخ. لا ينبغي أن نحتقره كما يفعل مثقفو اليمين المتطرف العربي أو غير العربي.ص104-

وما هو مقروء وموجع في كتابة شيرين الخطيب: يحصل العرب في هذه المحافظة ” الحسكة ” على تراخيص الشراء بسهولة، بعد تحقيق روتيني من قبل الشرطة والأمن السياسي…بينما تتوقف العملية إن كان المشتري كردياً..ص167…إلخ.

 

” يتبع”

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

لا تبحث عنّي…

أفين بوزان لا تبحث عنّي... لا تبحث عنّي بين غروبِ عمري .. ولا في مواسمِ عبوري .. ولا في الممرّاتِ التي اجتزتُها…