الجمال بين الطبيعة والاصطناع.. قراءة في معنى الانجذاب الإنساني

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه بميزان المختبر. إنه ينظر إليه بعينٍ مركبة، ترى فيه الصحة، والخصب، والقوة، وترى فيه كذلك الرمز والدلالة. وما كان الامتلاء في عصورٍ سالفة إلا علامة رخاء، كما أن النحافة في عصرنا علامة انضباطٍ واختيار. تغيرت الصورة، ولم تتغير الطبيعة الإنسانية في أصلها، بل تغيرت دلالات الصورة.

الجمال إذن ليس خاصيةً ثابتة في اللحم أو في العظم، بل هو علاقة بين الناظر والمنظور إليه. وما يراه جيلٌ مظهراً للكمال، قد يراه جيلٌ آخر أثراً للنقص. ولو بعث امرؤ القيس في عصرنا، لما دهشه اختلاف الأجساد بقدر ما دهشه اختلاف الذوق؛ إذ الذوق هو ابن عصره، وليس ابن الطبيعة وحدها.

أما الحب من النظرة الأولى، فليس وهماً شاعرياً كما يزعم المتشككون، ولا قدراً غامضاً كما يبالغ الحالمون. إنه لحظة التقاء بين استعدادٍ باطن وصورةٍ ظاهرة. قد تمرّ آلاف الوجوه أمام العين فلا تثير في النفس اضطراباً، ثم يمرّ وجهٌ واحد فيحدث ما يشبه الانقلاب الداخلي. ذلك لأن النفس لم تكن صفحةً بيضاء، بل كانت تحمل استعداداً، صورةً غائمة، فإذا وافقتها صورةٌ في الخارج، تمّ التعارف بينهما.

وليس في هذا ما يناقض العلم، ولا ما يتعارض مع العقل. فالعلم اليوم يتحدث عن استجاباتٍ عصبية سريعة، وعن تفاعلاتٍ كيميائية دقيقة، ولكن هذه كلها أدوات، لا تفسيراً نهائياً للمعنى. إن التفاعل البيولوجي لا يفسر لماذا اختارت النفس هذا الوجه دون سواه، كما لا يفسر لماذا يبقى الأثر أحياناً بعد انطفاء الاندفاع الأول.

وأما ميل الرجل إلى المرأة، وميل المرأة إلى الرجل، فليس نزوة عابرة تنقضي بانقضاء الشباب. إن الرغبة قد تتغير صورتها، ولكن أصل الحاجة إلى الآخر — حاجة الاعتراف، والمشاركة، والاقتران — لا ينتهي بانتهاء العمر. غير أن من السذاجة أن نتصور الميل في الثمانين كما كان في العشرين. إنما يتحول الميل من اندفاعٍ جسدي إلى ألفةٍ نفسية، ومن شهوةٍ صريحة إلى صحبةٍ عميقة. فمن فهم التحول، أدرك الاستمرار.

وحديث أم زرع — الذي يُعد من عيون الأدب العربي — ليس وصفاً جسدياً فحسب، بل هو دراسةٌ دقيقة في طبائع الأزواج والزوجات. وفيه من التحليل النفسي ما يعجز عنه كثير من معالجات العصر الحديث. فالمرأة فيه تصف زوجها بالملمس والرائحة والكرم والغلظة، لا لتقيم معرضاً للجمال، بل لتكشف عن طبيعة العلاقة. والجسد في تلك الروايات ليس سلعةً معروضة، بل مرآة للحياة المشتركة.

إن أخطر ما في عصرنا ليس اختلاف معايير الجمال، بل ادعاء أنها مطلقة. الموضة الحديثة لا تقول: هذا ذوقنا اليوم، بل تقول: هذا هو الجميل. وهنا يتحول الذوق إلى سلطة، وتتحول الصورة إلى معيارٍ قاهر. وما كان اختياراً يصبح إلزاماً، وما كان تنوعاً يصبح قيداً.

والفلسفة — إذا قامت بواجبها — لا تسلب الإنسان متعته بالجمال، ولكنها تحرره من وهم المطلق. تعلمه أن يرى أن الجمال يتبدل، وأن الذوق يتشكل، وأن الرغبة تُهذَّب ولا تُلغى.

في النهاية، لا الجمال سياسيٌّ صرف، ولا هو بيولوجيٌّ صرف. إنما هو مزيجٌ من فطرةٍ لا تُنكر، وثقافةٍ لا تُهمل. وما الحب إلا لحظة اعترافٍ متبادل: أن ترى في الآخر ما يكمل صورتك عن نفسك، وأن يشعر الآخر أنه مرئيٌّ في عينيك.

ذلك هو سرّ الانجذاب، وذلك هو معناه الإنساني.

باريس

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…