الغموض النفسي بين محمد خضير وإدغار ألان بو

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 يُعَدُّ الغُموض النَّفْسي أحد أهم المساحات التي يلتقي فيها الأدبُ بالفلسفةِ وعِلْمِ النَّفْسِ ، إذْ يَتحوَّل النَّص الأدبي إلى مِرْآةٍ دقيقة للرُّوحِ البشرية في لحظاتِ اضطرابها وخَوْفِها وتأمُّلها في المجهول .

 وفي هذا السِّياق يَبْرُز اسمان من بيئتين ثقافيتَيْن مُتباعدتَيْن جُغرافيًّا ، لكنَّهما مُتقاربان فَنِّيًّا : القاص العِراقي محمد خضير ( وُلِدَ في البصرة 1942 ) ، أحد أبرز مُجدِّدي القصة العربية الحديثة ، والكاتب الأمريكي إدغار ألان بو ( 1809 _ 1849 ) الذي رسَّخ تقاليد السرد النَّفْسي والغرائبي في الأدب العالمي.

 بين هَذَين الكاتبَيْن تتشكل تجربة أدبية ثرية تقوم على استكشافِ الأعماقِ المُظلمة للنَّفْس الإنسانية ، حيث يُصبح الغُموض أداةً مَعرفية للكشفِ عَنْ هَشاشةِ الإنسانِ أمام ذاته والعَالَمِ ، ولَيْسَ مُجرَّد أُسلوب فني .

الغُموض النَّفْسي في الأدب لا يعني الإبهامَ أو التعقيد ، بَلْ يُشير إلى حالة من التوتر الداخلي في الشخصية ، تتجلَّى عبر السردِ واللغةِ والصُّورة . إنَّه ذلك الشُّعور الذي يَجعل القارئَ يقف على حافةِ الإدراك ، حيث تتداخل الحقيقةُ بالوَهْم ، والواقعُ بالحُلْم ، والعقلُ باللاوَعْي . هذا النَّوع مِن الغُموض يتجاوز الأحداثَ الظاهرة ليغوص في البُنية العميقة للوعي الإنساني .

محمد خضير يبني غُموضه النَّفْسي عبر فضاء رمزي هادئ ظاهريًّا ، لكنَّه مشحون بإيحاءات وجودية ، حيث تتداخل الأزمنةُ والأمكنة في نسيج سردي يُثير الأسئلة أكثر مِمَّا يُقَدِّم الإجابات .

 في أدبِ إدغار ألان بو يتجلَّى الغُموض النَّفْسي بوصفه عَالَمًا داخليًّا مُضطربًا . شخصياتُه غالبًا ما تعيش حالات من الهوس والقلق والذَّنْب ، فتتحوَّل القصة إلى رحلة داخل العقلِ ذاته .

 ويُعَدُّ من أوائل الكُتَّاب الذين جعلوا النَّفْسَ البشرية مركز الحدث الأدبي . ففي قصصه يتراجع العَالَمُ الخارجي ليُصبح مُجرَّد خلفية ، بَينما يتصدر الصراعُ الداخلي المشهدَ . وشخصياتُه ليستْ أبطالًا تقليديين ، بَلْ كائنات مأزومة تعيش في مُواجهة مُستمرة معَ خَوفها الداخلي .

يَتجلَّى هذا بوضوح في قصصه التي تقوم على فكرة الذَّنْبِ والهوس ، حَيث يَتحوَّل العقلُ إلى مسرح للصِّراع بين الرغبة والضمير .

 وهو يعتمد على تقنيات سردية دقيقة : الراوي غَير المَوثوق ، والتوتر المُتصاعد ، والوصف التفصيلي للحالات النَّفْسية . والنتيجةُ هي عَالَم أدبي يكتنفه الظلامُ والقلق ، لكنَّه يَكشف في الوقتِ ذاته عن طبيعة الإنسان حين يُحَاصَر بذاته .

 يُقَدِّم محمد خضير تجربة مختلفة في التعامل مع الغُموض النَّفْسي . بَينما يميل إدغار ألان بو إلى توتر درامي حاد ، يتَّجه محمد خضير إلى بناء عَالَم تأمُّلي هادئ ظاهريًّا . قصصه لا تعتمد على الصدمة أو الرُّعب ، بَلْ على الإيحاءِ والرمزية والتكثيف اللغوي .

 في نُصوصه يَتحوَّل المكانُ إلى كِيان حَي يُشارك الشخصيةَ في قلقها الوجودي . المدينةُ ، والأزِقَّة ، والبُيوت القديمة ، والأشياء اليَومية ، كُلُّها تَحمل دَلالات نَفْسية خَفِيَّة . ويُصبح الزمنُ في قصصه غَير خَطي ، إذْ يتداخل الماضي بالحاضر ، والذكرى بالواقع ، في بُنية سردية تَعكس تعقيدَ الوعي الإنساني .

إنَّ الغُموض في أدب محمد خضير ليس مُظلمًا كما هو عند إدغار ألان بو ، بَلْ هو غُموض تأمُّلي يُشبه الضبابَ الذي يُغَلِّف المَعنى دُون أنْ يَحجبه تمامًا . فالقارئُ يَشعر بأنَّه يقترب من الحقيقة ، لكنَّه لا يُمسِك بها بالكامل .

على الرَّغْمِ مِن اختلاف السِّياق الثقافي بين الكاتبَيْن ، فإنَّ ثَمَّة تقاطعات واضحة بين تَجْرِبتيهما :

1_ التركيز على النَّفْس البشرية: كِلا الكاتبَيْن يَجعل مِن العَالَم الداخلي للشخصية مِحْوَرًا أساسيًّا للسرد .

2_ كسر الواقعية المُباشرة : لا يَكْتفيان بوصف الواقع كما هُوَ ، بَلْ يُعيدان تشكيلَه عبر مَنظور نَفْسي مُعقَّد .

3_ استخدام الغُموض كوسيلة معرفية : الغُموض ليس غايةً جَمالية فقط ، بَلْ أيضًا أداة لاكتشافِ مناطق مجهولة في الإنسان .

لكنَّ الاختلاف يَكمُن في طبيعة هذا الغُموض . عِند إدغار ألان بو ، يتَّخذ شكلَ التوتر والاضطراب والرُّعْب النَّفْسي . عِند محمد خضير ، يَظهر في صورة تأمُّلات رمزية هادئة تنفتح على مَعانٍ مُتعددة .

إنَّ الغُموض النَّفْسي لَيس حِكرًا على ثقافة مُعيَّنة ، بَلْ هُوَ تَجْرِبة إنسانية مُشتركة. ومعَ ذلك ، فإنَّ الخلفية الحضارية تُؤَثِّر في طريقة التعبير عنه .

محمد خضير يميل إلى كشف الصراع الداخلي بصورة أكثر رمزية وتأمُّلًا ، في حِين أنَّ إدغار ألان بو يعتمد على الصَّدمةِ والحِدَّةِ الدرامية . هذا الاختلافُ يَعكِس تباين الرُّؤية إلى العَالَم : رُؤية تميل إلى الإيحاءِ والتأمُّل الفلسفي ، ورُؤية تُركِّز على الصَّدْمة النَّفْسية ، وتحليلها المُباشر .

وبين ضباب التأمُّل الرمزي عند محمد خضير ، وَظِلالِ الرُّعْب النَّفْسي عِند إدغار ألان بو ، يتشكل فضاء أدبي واسع يُذكِّر بأنَّ الغُموض لَيس عَيبًا في الفَهْم ، بَلْ هُوَ أحيانًا الطريقُ الوحيد للاقترابِ مِن حقيقة الإنسان المُعقَّدة .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم اليوسف

يفتتح أكرم سيتي فيلمه القصير “الكرسي” طوال برهة يلتقط فيها المشاهد الأنفاس، عبر صمت مطبق، بطيء الإيقاع، وثقيل، حيث تدخل الكاميرا مباشرة إلى منطقة سياسية شديدة التأجج داخل الواقع الكردي، بل داخل الجرح الكردي، فالمشهد يتحرك حول كرسي واحد، بينما تتكاثف حوله ظلال السلطة والقيادة- بأشكالهما- من سمة الامتياز والابتعاد التدريجي عن القضية التي…

في حوار أجراه الكاتب إبراهيم يوسف مع الشاعر محمد شيخ عثمان وردت معلومتان خاطئتان ربما لتقادم الزمن مما يستوجب تصحيحهما للأمانة التاريخية. المعلومة الأولى تتعلق بتأسيس “جائزة أوسمان صبري للصداقة بين الشعوب”، إذ قال الشاعر محمد شيخ عثمان إنها “تأسست في أورپا”، لكن الصحيح أنها تأسست عام 1998 في بيت المرحوم أوسمان صبري في دمشق…

ا. د. قاسم المندلاوي

نقدم في هذا القسم نبذة مختصرة عن فنانين عاشا في ظروف اقتصادية وامنية صعبة ابان حكم القوميين والبعثيين في العراق، والتحقا بصفوف ثوار كوردستان (البيشمركة الابطال) دفاعا عن شعبهم الكوردي ضد الظلم والاستبداد، اللذين لم يرحما حتى الطبيعة الجميلة من اشجار مثمرة وطيور وحيوانات في جبال…

شفان الأومري

 

تَنْبَثقُ هذه المجموعة القصصيَّة من قلب البيئة الشَّعبيَّة حيث تتجلَّى بساطةُ العيش لا بوصفها سذاجة، بل كحكمةٍ يوميَّة تختفي في تفاصيل الحياة الصَّغيرة.

وقد سعى الكاتب عبر جهدٍ واعٍ ومثابرة إبداعيَّة إلى أنْ يمنحَ هذه العوالم صوتاً يُخرجُها من هامش الصَّمتِ إلى فضاء القراءة والتَّلقي.

فالحكاياتُ هنا لا تُروى لمجرد التَّوثيق، بل لتعيد تشكيل هذا العالم…