كولن ولسون: الكاتب الذي فتّش عن الإنسان الضائع

صبحي دقوري

ليس كولن ولسون من أولئك الكتّاب الذين يُقرَؤون على عجل، ثم يُطوَى ذكرهم مع ما يُطوَى من أسماءٍ صنعتها ضجةٌ عابرة أو لحظةٌ ثقافية طارئة، بل هو من ذلك الصنف النادر الذي يدخل إلى القارئ من باب القلق، ويقيم في ذهنه من جهة السؤال لا من جهة الجواب. وأحسب أن قيمة هذا الرجل لا تُقاس بعدد كتبه وحده، ولا بما ناله من شهرةٍ مبكرة، بل بما أثاره في النفس الحديثة من إحساسٍ حاد بأن الإنسان، مهما اتسعت حوله أسباب الحضارة، قد يظل غريبًا عن نفسه، بعيدًا عن جوهره، سجينًا في عالمٍ مريحٍ من الخارج، خاوٍ من الداخل.

ظهر كولن ولسون في منتصف القرن العشرين ظهورًا يكاد يشبه العاصفة الفكرية. كان شابًّا من بيئةٍ متواضعة، لم يأتِ إلى الثقافة من أبوابها الرسمية المذهّبة، ولم تصنعه الجامعات كما تصنع بعض الكتّاب المطمئنين إلى شهاداتهم ومناهجهم، وإنما صنع نفسه بنفسه، وخرج إلى العالم بقوة القراءة والتأمل والعناد الذهني. وحين أصدر كتابه الشهير “اللامنتمي”، لم يكن قد قدّم مجرد عرضٍ لأفكارٍ فلسفية أو قراءاتٍ أدبية، وإنما قدّم صورةً لإنسان العصر وهو يقف على حافة المعنى، متسائلًا: لماذا أشعر أنني لست منسجمًا مع هذا العالم؟ ولماذا تبدو الحياة اليومية، على كثرة ما فيها من حركة، فقيرةً في حقيقتها إلى الروح؟

إن الفكرة المركزية عند ولسون هي فكرة الإنسان الذي يرفض الاكتفاء بالسطح. فالناس، في رأيه، يعيش أكثرهم في مستوى منخفض من الوعي؛ يأكلون ويعملون ويتعبون وينامون، ويحسبون أنهم أدركوا الحياة لأنهم مرّوا بأيامها، مع أن المرور بالشيء ليس فهمًا له، والاعتياد عليه ليس امتلاكًا لمعناه. ومن هنا كان “اللامنتمي” عنده ليس مريضًا اجتماعيًا، ولا متشائمًا بطبعه، بل هو إنسانٌ أحسّ، في لحظة صفاءٍ أو ألم، أن الوجود أكبر من هذه العادة اليومية التي تبتلع الروح وتبلّد الحواس.

ولقد اقترب ولسون من الوجودية، ولكنه لم يقف عند حدودها السوداء. فهو لم يرضَ بذلك اللون من الفكر الذي يجعل الإنسان كائنًا مطروحًا في عالمٍ أبكم، لا غاية فيه ولا رجاء، ثم يعدّ اليأس نوعًا من الشجاعة الفلسفية. كان ولسون يرى أن هذا المذهب، على ما فيه من نفاذٍ إلى أزمة الإنسان الحديث، قد بالغ في تمجيد العدم، وأهمل طاقات الإنسان الكامنة. ولذلك حاول أن يقدّم تصورًا آخر، لا يُنكر المأساة، ولكنه لا يستسلم لها؛ تصورًا يقول إن الإنسان يستطيع أن يرتفع بوعيه، وأن ينتصر على التبلّد، وأن يفتح في نفسه أبوابًا من الإدراك تجعله أوسع من ظروفه وأكبر من رتابته.

وهنا تكمن فرادة كولن ولسون: إنه لم يكن كاتبًا للشكوى، بل كان كاتبًا للانبعاث. كان يرى أن الإنسان لا يهلك لأنه قليل الحيلة فقط، بل لأنه يرضى بالقليل من نفسه. وهذا حكمٌ شديد الدلالة؛ لأن أكثر الناس لا يسقطون في الفراغ دفعةً واحدة، بل يتدرجون إليه حين يتصالحون مع الفتور، وحين يقبلون أن يعيشوا بنصف روح، ونصف انتباه، ونصف إحساس. فالحياة، عند ولسون، لا تفقد معناها لأنها خاليةٌ منه أصلًا، بل لأن المرء يفقد القدرة على التقاط ذلك المعنى، كما يفقد البصرُ المرهق القدرة على رؤية الأشياء الواضحة.

ومن يقرأ ولسون يرى أنه لم يكن مفكرًا أكاديميًا منضبطًا بالحدود الجامدة، بل كان عقلًا جوّالًا، يتنقل بين الأدب والفلسفة وعلم النفس والجريمة والتصوف والظواهر الغامضة. وقد عاب عليه بعض النقاد هذا الاتساع، وقالوا إنه بدّد نفسه في موضوعاتٍ كثيرة. غير أن هذا الاعتراض، وإن كان له وجهٌ من الصحة، لا ينبغي أن يحجب وجهًا آخر من الحقيقة: فالرجل كان يطلب الإنسان حيثما وجده، في الرواية كما في الفلسفة، وفي التجربة الصوفية كما في التحليل النفسي، وفي السلوك المنحرف كما في لحظات العبقرية. كان يبحث عن السرّ الذي يجعل الكائن البشري أدنى من نفسه أحيانًا، وأعلى منها أحيانًا أخرى.

وليس من العدل أن نحاسب كولن ولسون بمعايير الصنعة الفكرية الصارمة وحدها، لأن أثره لم يكن أثر الفيلسوف النسقي الكبير، بل أثر الكاتب الذي أيقظ في قرّائه الرغبة في التفكير. وهذه منزلة لا يُستهان بها. فقد يوجد فيلسوفٌ محكم البناء، دقيق المصطلح، ثم لا يوقظ في قارئه شيئًا، ويوجد كاتبٌ أقل انتظامًا في المنهج، ولكنه يشعل شرارةً تبقى في النفس زمنًا طويلًا. وولسون من هذا الطراز الثاني؛ طراز الكتّاب الذين يحملونك على مساءلة نفسك، لا على حفظ أفكارهم فقط.

وإذا أردنا أن نلخص رسالته في عبارة واحدة، جاز لنا أن نقول: إن الإنسان أكبر من الحياة التي اعتادها. وهذه العبارة، على بساطتها، هي لبّ مأساة العصر الحديث. فنحن نعيش في زمنٍ كثرت فيه الوسائل وقلّت الغايات، وتضاعفت فيه المعرفة التقنية، من غير أن يتضاعف معه المعنى. فالإنسان الحديث قويٌّ في سيطرته على الأشياء، ضعيفٌ في سيطرته على روحه. يعرف كيف يقطع المسافات، ولكنه لا يعرف دائمًا إلى أين يمضي. يملك أسباب الراحة، ولكنه يفتقر إلى أسباب الامتلاء الداخلي. ومن هنا تأتي أهمية كولن ولسون؛ لأنه أعاد التذكير بأن أزمة الإنسان ليست في الخارج وحده، بل في نوع وعيه، وفي مقدار حضوره داخل نفسه.

ولسنا مضطرين إلى الاتفاق معه في كل ما ذهب إليه، ولا إلى التسليم بكل ما كتب، ولكننا نستطيع أن نعترف له بهذه الفضيلة الكبرى: أنه لم يرضَ للإنسان أن يكون آلةً ماهرة أو جسدًا مستهلكًا أو عقلًا محصورًا في الضرورات اليومية. لقد دافع، بطريقته، عن حق الإنسان في السمو، وعن حاجته إلى لحظات الامتلاء الروحي، وعن قدرته على تجاوز الضيق الذي تفرضه العادة والآلية والابتذال.

لذلك يبقى كولن ولسون كاتبًا مهمًّا، لا لأنه أجاب عن الأسئلة النهائية، بل لأنه رفض أن تُقتل هذه الأسئلة تحت ركام الحياة اليومية. وفي زمنٍ يعتاد فيه الناس الصخب حتى ينسوا فراغهم، تبدو كتابته دعوةً إلى اليقظة؛ يقظة العقل، ويقظة الروح، ويقظة الإنسان في وجه كل ما يحوّله إلى كائنٍ يمرّ بالحياة ولا يعيشها.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

لا أدري لماذا أصاب أحياناً بهوس قراءة الروايات، يغدو الأمر غيـر مبـرّر بمنطق معيّـن، رواية “حاكمة القلعتين” للكاتبة السوريّة لينا هوّيان الحسن، أجلستني في مكاني أكثر من أربع ساعات متواصلة لأقرأها. أيّ جو غريب هذا الذي تطفح به الرواية؟ وأيّة عوالم غريبة تجتاح هذا السرد؟ مائتي صفحة والحلقات متسلسلة، والحبكة مهندسة، لم…

حسين أمين
في خطوة تعكس تحولات اجتماعية متسارعة فرضتها الظروف الاقتصادية والإنسانية، أعلنت قرى منطقة عفرين عن إلغاء عادة تقديم ولائم الطعام خلال مراسم العزاء، بالتوازي مع دعوات مجتمعية متزايدة لتخفيف المهور وتيسير تكاليف الزواج.

وجاء هذا القرار، الذي بدأ تطبيقه من قرية بلاليلكو قبل أن يعمّ مختلف قرى المنطقة، بناءً على توافق مجتمعي وتصريحات…

أحمد بلال

تلعب أدوات الإنتاج ووسائل الحياة الحديثة دورًا مهمًا في تشكيل عادات الشعوب وتقاليدها. ومع تطور وسائل النقل، وأساليب التنظيم الاجتماعي، تغيّرت الكثير من الممارسات التي كانت راسخة في المجتمعات الريفية، ومنها عادات العزاء والضيافة. ويُعدّ ما شهدته منطقة عفرين – جبل الأكراد مثالًا واضحًا على هذا التحول.

العادات القديمة قبل ظهور خيمة العزاء

في الماضي، كان…

عبدالجابر حبيب

 

ـ النصوص بين السخرية والوجع والذاكرة

في مجموعة “حارس المدفأة” لا يقدّم الكاتب قصصاً تُحكى بقدر ما يخلّف آثاراً تُلمَس؛ كأن كل نص ليس سوى بقايا احتراقٍ داخليّ، جمرٌ لم ينطفئ بعد، لكنه لم يعد قادراً على الاشتعال الكامل. إننا أمام كتابة تثق بالندبة لا بالحكاية، و لا تعوّل على الحدث، وإنما على ما يتركه…