تقرير حول ندوة الصحافة الكردية في دوسلدورف ضمن فعاليات “أسبوع الصحافة الكوردية”

دوسلدورف – المانيا

بحضور العشرات من المثقفين والناشطين في مجال المجتمع المدني والمهتمين بالشأن الثقافي والإعلامي الكردي، عقد تحالف المجتمع المدني الكوردي – فرع مدينة دوسلدورف ندوة ثقافية وفكرية حول الصحافة الكردية، وذلك بمناسبة مرور 128 عاماً على انطلاقة أول صحيفة كردية. وجاءت هذه الندوة ضمن سلسلة النشاطات التي أعلن عنها التحالف تحت شعار “أسبوع الصحافة الكوردية”، والتي تتضمن عدداً من الندوات والفعاليات الثقافية والإعلامية في عدد من المدن، بهدف تسليط الضوء على تاريخ الصحافة الكردية ودورها في تشكيل الوعي الثقافي والوطني.

الصحافة الكردية بين الذاكرة التاريخية والدور التنويري

افتُتحت الندوة بكلمة ترحيبية أكّد فيها منظمو الفعالية أن إحياء ذكرى انطلاق أول صحيفة كردية لا يمثل مجرد مناسبة رمزية، بل يشكل محطة مهمة لاستحضار الدور التنويري الذي لعبته الصحافة الكردية منذ نهاية القرن التاسع عشر. فمنذ صدور صحيفة “كردستان” عام 1898، شكلت الصحافة الكردية أحد أهم أدوات التعبير عن الهوية الثقافية واللغوية للشعب الكردي، كما ساهمت في تعزيز الوعي القومي والثقافي في ظل ظروف سياسية صعبة ومحاولات مستمرة لتهميش اللغة والثقافة الكرديتين.
وأشار عدد من المتحدثين إلى أن الصحافة الكردية نشأت في ظروف المنفى والشتات، لكنها رغم ذلك استطاعت أن تؤسس خطاباً ثقافياً وإعلامياً لعب دوراً محورياً في ربط النخب الفكرية والثقافية في مختلف أجزاء كردستان، وساهم في نقل المعرفة وتعزيز التواصل بين الكرد في الداخل والمهجر.

قراءة تاريخية لتطور الصحافة الكردية

وفي هذا السياق، قدّمت عضو اللجنة التنفيذية لتحالف المجتمع المدني الكوردي ورئيسة جمعية حماية المرأة السيدة نافا عارف مداخلة مهمة باللغة الكردية باللهجة السورانية الكردية، استعرضت خلالها تاريخ الصحافة الكردية وتطورها عبر المراحل المختلفة. وتناولت في حديثها بدايات الصحافة الكردية مع النشر الورقي، والظروف السياسية والثقافية التي رافقت ظهورها، وصولاً إلى التحولات التي شهدها الإعلام الكردي في العقود الأخيرة وانتقاله إلى الإعلام المرئي والرقمي.
كما أشارت إلى أن الصحافة الكردية مرت بمراحل معقدة خلال القرن الماضي، تأثرت فيها بالتغيرات السياسية في المنطقة، لكنها ظلت حاضرة كأداة ثقافية أساسية للحفاظ على اللغة الكردية وتعزيز الوعي المجتمعي.

واقع الصحافة الكردية اليوم

من جانبه، قدّم المنسق العام لتحالف المجتمع المدني الكوردي الأستاذ إبراهيم مداخلة تحليلية موسعة تناول فيها واقع الصحافة الكردية في المرحلة الراهنة، مسلطاً الضوء على التحديات البنيوية التي تواجه الإعلام الكردي، وعلى رأسها التأثيرات الأيديولوجية والسياسية التي انعكست على جزء من الخطاب الإعلامي الكردي.
وأشار إلى أن العديد من المنصات الإعلامية الكردية لا تزال تعمل ضمن أطر حزبية أو أيديولوجية ضيقة، الأمر الذي يحدّ من استقلالية الإعلام ويؤثر في دوره المهني والتنويري. وأكد في هذا السياق على ضرورة إيجاد إعلام كردي مستقل ومهني قادر على التعبير عن قضايا المجتمع الكردي بعيداً عن الاستقطابات السياسية التي تسهم في تفريق الشارع الكردي وتؤثر سلباً في وحدة الخطاب الإعلامي والثقافي.

الإعلام واللغة الكردية

كما تطرقت النقاشات إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في تطوير اللغة الكردية وتعزيز حضورها الثقافي، حيث أكد المشاركون أن الإعلام يشكل أحد أهم الأدوات في الحفاظ على اللغة ونقلها إلى الأجيال الجديدة، خصوصاً في ظل واقع الشتات الذي يعيش فيه ملايين الكرد في أوروبا.
وأشار عدد من المشاركين إلى ضرورة الاستثمار في الإعلام الكردي بوصفه حاضنة ثقافية ولغوية، والعمل على تطوير محتوى إعلامي غني باللغة الكردية، بما يسهم في تعزيز حضورها في الفضاء الثقافي والإعلامي المعاصر.

اللهجات الكردية وإشكالية الخطاب الإعلامي

ومن بين القضايا التي حظيت بنقاش واسع مسألة التعدد اللهجي في اللغة الكردية، حيث أشار عدد من الحضور إلى أن هذا التنوع يمثل ثراءً ثقافياً مهماً، لكنه يطرح في الوقت ذاته تحديات أمام بناء خطاب إعلامي موحد قادر على مخاطبة مختلف شرائح المجتمع الكردي.
ودعا بعض المشاركين إلى تعزيز التمازج والتكامل بين اللهجات الكردية المختلفة، ولا سيما بين الكرمانجية والسورانية، من خلال الإعلام والإنتاج الثقافي المشترك، بما يسهم في تعزيز التواصل الثقافي بين الكرد في مختلف مناطقهم.

مداخلات الحضور وإغناء النقاش

وقد شهدت الندوة مداخلات عديدة من قبل عدد من المثقفين والناشطين المشاركين، الذين ساهموا في إثراء النقاش وتوسيع محاوره. فقد قدّم العلامة المتنور فايق ديلو مداخلة أشار فيها إلى الدور التاريخي للصحافة الكردية في تشكيل الوعي الثقافي لدى المجتمع الكردي، مؤكداً أن الصحافة كانت دائماً إحدى الأدوات الرئيسية في حماية الهوية الثقافية.
كما تحدث الأديب سري أيهان من شمال كردستان عن العلاقة الوثيقة بين الأدب والصحافة الكردية، موضحاً أن الصحافة لعبت دوراً مهماً في احتضان الإنتاج الأدبي الكردي وإيصال صوت المثقفين إلى المجتمع.
بدورها أشارت الناشطة زهرة إسماعيل إلى أهمية الإعلام في دعم قضايا المجتمع المدني وتعزيز دور المرأة في العمل الإعلامي والثقافي، فيما تحدث الناشط سليمان عن ضرورة تطوير الخطاب الإعلامي الكردي بما يتناسب مع التحولات الرقمية التي يشهدها العالم.
كما قدّم الناشط إبراهيم شيخ بوزان مداخلة تناول فيها أهمية تعزيز استقلالية الإعلام الكردي، في حين أشار الناشط إسماعيل بيكابور إلى أهمية الاستثمار في الإعلام الكردي في المهجر ودوره في نقل قضايا المجتمع الكردي إلى الرأي العام الدولي.
ومن جانبها تحدثت الناشطة كوجر هورماني من جنوب كردستان عن دور الإعلام في تعزيز التواصل الثقافي بين أجزاء كردستان المختلفة، بينما أكدت الناشطة بناس علي من حلبجة – إقليم كردستان على أهمية اللغة الكردية في الإعلام وضرورة تطوير المحتوى الإعلامي الكردي بما يعزز حضورها الثقافي.

إدارة الندوة وتحويلها إلى جلسة حوارية

وقد أدار الندوة الأستاذ ريبر هبون، الناطق الإعلامي باسم التحالف ورئيس تجمع المعرفين الأحرار، حيث تولى تنسيق محاور النقاش وتوزيع الوقت بين المتحدثين والمداخلات. وتميزت إدارة الندوة بإتاحة مساحة واسعة للحوار بين الحضور، الأمر الذي حوّل الندوة إلى جلسة نقاشية تفاعلية تبادل خلالها المشاركون الآراء حول واقع الصحافة الكردية ودور الإعلام في تطوير اللغة الكردية وتعزيز حضورها الثقافي.

استمرار الفعاليات ضمن أسبوع الصحافة الكردية

وفي ختام الندوة، أكد منظمو الفعالية أن هذه الندوة تمثل إحدى محطات “أسبوع الصحافة الكوردية” الذي أطلقه تحالف المجتمع المدني الكوردي، حيث من المقرر تنظيم فعاليات وندوات أخرى خلال الأيام المقبلة، بهدف تسليط الضوء على تاريخ الصحافة الكردية ومناقشة مستقبل الإعلام الكردي في ظل التطورات التكنولوجية والإعلامية العالمية.
كما شدد المشاركون على أهمية استمرار مثل هذه المبادرات الثقافية التي تفتح المجال أمام الحوار بين المثقفين والناشطين الكرد في المهجر، وتسهم في تعزيز دور المجتمع المدني في تطوير الإعلام والثقافة الكردية.

واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن الصحافة الكردية كانت ولا تزال إحدى الركائز الأساسية في حماية الهوية الثقافية الكردية، وأن تطويرها يمثل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الصحفيين والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني، من أجل بناء إعلام كردي حديث ومستقل قادر على التعبير عن قضايا المجتمع الكردي ومواكبة التحولات العالمية في مجال الإعلام والمعرفة.

19.04.2026

 

الموقع الرسمي

  • باللغة الكوردية

https://www.kurdishcivil.info/

  • باللغة العربية

https://arabic.kurdishcivil.info/

  • البريد الإلكتروني

kurdishcivil2026@gmail.com

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين

 

مدينة كوباني المعروفة أيضًا لدى الفرنسيين باسم Kobané ظلت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى في أواخر العهد العثماني منطقة ريفية غير منظمة، يقطنها سكان أكراد بدو ومزارعون ينتمون إلى عشائر متعددة كانت تتحرك في السهول الممتدة شرق الفرات، ولم تكن هناك مدينة حضرية قائمة أو مركز إداري منظم قبل تدشين محطة سكة حديد بغداد التي أنشأتها الدولة العثمانية برعاية…

تلقى موقع “ولاتي مه” فيلما قصيرا بعنوان “الكرسي” للمخرج والفنان الكوردي أكرم سيتي، الذي يسعى من خلال هذا العمل إلى تقديم تجربة إنسانية عميقة بأسلوب بصري بسيط ومؤثر.

الفيلم، وهو عمل صامت، لا يعتمد على الحوار المباشر، بل يترك للصورة والإحساس مهمة إيصال رسالته، في محاولة للوصول إلى وجدان المشاهد بعيدا عن الخطابات التقليدية….

عبد الجابر حبيب

 

“أن تروي غزال الأرضَ بدمها ذروةُ كرامةٍ، أمّا حجبُ صلاةِ الجنازة عنها، فسقوطٌ في النذالة”

 

في العتمةِ…

تآكلَ الضوءُ ببطءٍ يا غزالُ

وتدلّتِ الروحُ من حافّةِ الصبر،

غصناً يابساً لا ماءَ فيه

لا يداً تمتدّ إليه،

جدرانٌ صامتة،

تُصغي طويلاً…

وتنحني الخطى على حافّةِ الانكسار.

 

آهٍ وألفُ آهٍ يا غزالُ

هناكَ…

انفجرَ الجسدُ

حين هبطتِ النارُ…

حين انحنى الترابُ على الوجع،

حين تُركَ معلّقاً بين الأنفاسٍ

حين أُغلِقَتِ…

صبحي دقوري

 

ليس رولان بارت ناقدًا أدبيًا بالمعنى المدرسي المألوف، ولا هو فيلسوفًا بالمعنى النسقيّ الصارم، بل هو كائنٌ فكريٌّ وُلِد عند ملتقى اللغة والرغبة والرمز والتأويل. وُلد في شيربورغ سنة 1915، ورحل في باريس سنة 1980، وترك وراءه أثرًا لم يقتصر على النقد الأدبي، بل امتد إلى السيميولوجيا، وتحليل الثقافة، ونظرية الصورة، وطرائق القراءة الحديثة…