كوباني في  وثائق الانتداب الفرنسي

عبدالجبار شاهين 

 

مدينة كوباني المعروفة أيضًا لدى الفرنسيين باسم Kobané ظلت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى في أواخر العهد العثماني منطقة ريفية غير منظمة، يقطنها سكان أكراد بدو ومزارعون ينتمون إلى عشائر متعددة كانت تتحرك في السهول الممتدة شرق الفرات، ولم تكن هناك مدينة حضرية قائمة أو مركز إداري منظم قبل تدشين محطة سكة حديد بغداد التي أنشأتها الدولة العثمانية برعاية ألمانية من حيث التمويل والإدارة التقنية، عام 1912 على طريق الربط بين برلين وبغداد، وقد دفع ذلك إلى ظهور تجمع سكاني حول هذه المحطة ثم تحول التدفق السكاني إلى استيطان دائم حولها.  

عند انتقال المنطقة إلى عهد الانتداب الفرنسي بعد مؤتمر سان ريمو عام 1920 أصبحت الإدارة الفرنسية مسؤولة رسميًا عن تنظيم وتوثيق المناطق المختلفة ضمن ما عرف بـ «الولايات السورية» تحت الانتداب الفرنسي» التي تشمل المنطقة الشمالية التي كانت ضمن ولاية حلب، وتظهر في أرشيفات Haut-Commissariat de la République française en Syrie et au Liban حيث يوجد Recueil des actes administratifs du Haut-Commissariat الذي يتضمن نصوصاً  تنظيمية عن الإدارة المحلية، التقسيمات الإدارية، والأنظمة الاقتصادية التي صدرت خلال سنوات 1919-1926 مما يشكل وثيقة أساسية لفهم كيفية عمل الإدارة الفرنسية في كل جزء من سورية بما في ذلك المناطق القريبة من كوباني.  

من الوثائق الفرنسية المتاحة في الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي (Fonds FRMAE 233QO) Office du Levant 1918-1946 نصوص وتقارير ومجلدات حول الإدارة السورية خلال الفترة الانتدابية، وتحتفظ هذه الأرشيفات بمراسلات مع وزارات الزراعة والتجارة والمالية التي تتضمن بيانات عن الأنشطة الاقتصادية والإحصاءات، وهذا يشمل ملفات تتعلق بالزراعة والصناعات المحلية والتجارة الداخلية والخارجية التي يعالجها الفرنسيون مع المسؤولين في دمشق واللاذقية وحلب، وهي مصادر أصلية يمكن الرجوع إليها للدراسات الاقتصادية والاجتماعية في تلك الحقبة.  

من بين الخرائط الفرنسية الرسمية التي تم إعدادها خلال فترة الانتداب خريطة «Etats du Levant sous mandat français» التي أعدها المكتب الطبوغرافي للجيش الفرنسي في الشام (Bureau Topographique des Troupes Françaises du Levant) وكانت منشورة عام 1931 وهي تصور التقسيمات الإدارية وعلى أساسها يمكن تحديد موقع كوباني ضمن ولاية حلب وتحليل موقعها الجغرافي بالنسبة لسكة الحديد والحدود التركية، وهذه الخريطة محفوظة ضمن مجموعات Gallica / Bibliothèque nationale de France (BnF) وهي جزء من السجلات الطبوغرافية التي أنتجها الفرنسيون بهدف الإدارة والاستغلال الاقتصادي.  

إلى جانب الخرائط، تظهر بعض المنشورات الفرنسية المبكرة التي تحدثت عن الاقتصاد السوري تحت الانتداب كما نشر Edmond Achard في 1922 تقريراً عن مستقبل الزراعة السورية تحت الانتداب يتضمن تقييمات أولية حول قطاعات مثل زراعة القطن والقمح والقطن في المناطق المختلفة، وهناك نشرات إحصائية معدّلة من قبل خدمات الانتداب الفرنسي تُظهر أرقام إنتاج الحبوب، الزيتون، الفواكه، والمواشي في أجزاء من الشمال السوري في عقد العشرينيات والثلاثينيات يمكن الاستفادة منها كمصادر أولية في فهم النشاط الاقتصادي في تلك المرحلة.  

من الناحية الاجتماعية والديموغرافية، توفّر خرائط «Répartition par races et religions des divers groupements habitant les Etats sous mandat français» التي توفّرها مكتبة BnF عبر Gallica تفاصيل عن توزيع الجماعات العرقية والدينية في سورية وحضور التجمعات الكردية في مناطق مثل كوباني ضمن تخطيط سكاني عام 1935، وهذه الخرائط تقدم اطاراً رسمياً فرنسياً لفهم التركيبة السكانية في ظل الانتداب بما في ذلك حضور مجموعات مثل الأكراد والأرمن وغيرهم.  

بالنسبة لـ وصول الأرمن إلى كوباني فقد تم استقبالهم في مناطق عديدة من أقصى الشمال السوري خلال سنوات الحرب العالمية الأولى والهجرة التي أعقبت الأحداث العثمانية، وتظهر وثائق فرنسية أرمنية في سجلات الانتداب تحيل إلى قضايا اللاجئين الأرمن في سورية وحياتهم في المستوطنات الجديدة، وهناك مؤلفات فرنسية مبكرة تصف مسائل لاجئي الأرمن وتوزيعهم السكاني في دمشق وحلب والقرى المحيطة، وهي مصادر أساسية لفهم التحولات الديموغرافية في مناطق مثل كوباني بعد 1915.  

الجغرافيا الكردية لمناطق كوباني تُظهر أن التجمعات الكردية كانت ترتبط بخط سكة الحديد بشكل غير رسمي قبل التنظيم الإداري، بحيث المجتمع الكردي في الجنوب والشمال من سكة القطار كان مرتبطاً بعلاقات عشائرية وقبائل كبيرة مثل Busrawi وShahîn، واستمر هذا التقسيم الاجتماعي بحيث أن العائلة والعشيرة نفسها كانت تمتد على جانبي السكة نتيجة لاستيطانها التاريخي في السهول شمال وجنوب الخط الحديدي  وخاصة السهل الأوسع الذي يعرف بسهل يروج الممتد من جنوب مدينة أورفا إلى اغلب القرى الكردية الواقعة جنوب كوباني مثل قريتي حلنج وشيران، وهذه العلاقات العشائرية  ساهمت في استمرار وحدة ثقافية قبل أن تتبلور المدينة ككيان حضري مستقل.  

من ناحية النشاط الاقتصادي المحلي في تلك الفترة يمكن القول إن كوباني كانت تعتمد على الزراعة والحِرَف المرتبطة بها، وكانت القرى المجاورة تزرع الحبوب الرئيسية والأعلاف وتربية المواشي، في حين أن التجارة تربطها بالمراكز الأكبر في حلب واللاذقية عبر خطوط النقل البري والسككي، والوثائق الفرنسية للحكومة العليا تحت الانتداب تتضمن تقارير اقتصادية دورية حول الإنتاج الزراعي، التجارة في الحبوب، النفط الخام في الشمال السوري، الخدمات اللوجستية التي وفّرها خط s trans-Syrien كأساس للنشاط التجاري بين المدن والقرى.  

أخيرًا فإن الأرشيف الفرنسي في Archives nationales d’Outre-Mer (ANOM) يحتوي على سلاسل نشرات «Bulletin officiel des actes administratifs du Haut-Commissariat de la République française en Syrie et au Liban» وهي مجموعة دوريات إدارية وثائقية صدرت بين 1919 و1941 وتشرح القوانين والتعليمات المتعلقة بالزراعة، التجارة، الصناعة، والمالية في تلك الفترة بما يشمل المناطق الشمالية التي تضم كوباني، وهذه النشرات تُعد من المصادر الأولى لفهم الاقتصاد والمجتمع السوري تحت إدارة فرنسا بشكل رسمي ووثائقي.  

 

مراجع وثائقية فرنسية أصلية

أرشيف وتقارير رسمية أصلية:

  • Recueil des actes administratifs du Haut-Commissariat de la République française en Syrie et au Liban (Bulletin officiel 1919-1926) – أرشيف تشريعات الإدارة الفرنسية في سورية واللبنان.  
  • FRMAE 233QO Office du Levant 1918-1946 – ملفات مراسلات الإدارات الفرنسية مع وزارات الزراعة والتجارة والمالية حول إدارة سورية تحت الانتداب.  
  • Cartes «Etats du Levant sous mandat français» (Bureau Topographique des Troupes Françaises du Levant، مخطوطة 1931).  
  • Répartition par races et religions des divers groupements […] (خرائط تعداد سكاني 1935، Gallica).  
  • Archives nationales d’Outre-Mer – نشرات إدارية اقتصادية وسياسية حول سورية واللبنان في عهد الانتداب.  

منشورات تحليلية فرنسية مبكرة حول الاقتصاد:

  • Edmond Achard, L’avenir agricole de la Syrie (دراسة عن الزراعة السورية تحت الانتداب).  
  • Atlas de géographie économique de la Syrie et du Liban – خرائط اقتصادية توزع القطاعات الاقتصادية تحت الانتداب.  

يمكنكم الوصول إلى هذه الوثائق الأصلية عبر Gallica أو Archives diplomatiques الفرنسية أو Archives nationales d’Outre-Mer في باريس وأكس-أن-بروفانس، وتتضمن هذه المصادر بيانات مباشرة حول وضع كوباني ضمن الإدارة الانتدابية، النشاط الاقتصادي الزراعي والتجاري، وأثر التقسيم العشائري الكردي حول سكة الحديد.

 

ملاحظة : تجدون مرفقاً لهذه الرسالة صورة للخريطة من الأرشيف الفرنسي الذي طلبت منهم مع الموافقة على النشر لأغراض غير ربحية  مع ذكر أسم المصدر : 

 

bnf.fr / Bibliothèque nationale de France » ou « Source gallica.bnf.fr / BnF

 

فرنسا 

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

دوسلدورف – المانيا

بحضور العشرات من المثقفين والناشطين في مجال المجتمع المدني والمهتمين بالشأن الثقافي والإعلامي الكردي، عقد تحالف المجتمع المدني الكوردي – فرع مدينة دوسلدورف ندوة ثقافية وفكرية حول الصحافة الكردية، وذلك بمناسبة مرور 128 عاماً على انطلاقة أول صحيفة كردية. وجاءت هذه الندوة ضمن سلسلة النشاطات التي أعلن عنها التحالف تحت شعار “أسبوع الصحافة…

تلقى موقع “ولاتي مه” فيلما قصيرا بعنوان “الكرسي” للمخرج والفنان الكوردي أكرم سيتي، الذي يسعى من خلال هذا العمل إلى تقديم تجربة إنسانية عميقة بأسلوب بصري بسيط ومؤثر.

الفيلم، وهو عمل صامت، لا يعتمد على الحوار المباشر، بل يترك للصورة والإحساس مهمة إيصال رسالته، في محاولة للوصول إلى وجدان المشاهد بعيدا عن الخطابات التقليدية….

عبد الجابر حبيب

 

“أن تروي غزال الأرضَ بدمها ذروةُ كرامةٍ، أمّا حجبُ صلاةِ الجنازة عنها، فسقوطٌ في النذالة”

 

في العتمةِ…

تآكلَ الضوءُ ببطءٍ يا غزالُ

وتدلّتِ الروحُ من حافّةِ الصبر،

غصناً يابساً لا ماءَ فيه

لا يداً تمتدّ إليه،

جدرانٌ صامتة،

تُصغي طويلاً…

وتنحني الخطى على حافّةِ الانكسار.

 

آهٍ وألفُ آهٍ يا غزالُ

هناكَ…

انفجرَ الجسدُ

حين هبطتِ النارُ…

حين انحنى الترابُ على الوجع،

حين تُركَ معلّقاً بين الأنفاسٍ

حين أُغلِقَتِ…

صبحي دقوري

 

ليس رولان بارت ناقدًا أدبيًا بالمعنى المدرسي المألوف، ولا هو فيلسوفًا بالمعنى النسقيّ الصارم، بل هو كائنٌ فكريٌّ وُلِد عند ملتقى اللغة والرغبة والرمز والتأويل. وُلد في شيربورغ سنة 1915، ورحل في باريس سنة 1980، وترك وراءه أثرًا لم يقتصر على النقد الأدبي، بل امتد إلى السيميولوجيا، وتحليل الثقافة، ونظرية الصورة، وطرائق القراءة الحديثة…