محمد ابراهيم
تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه..
هذه المرة لا أتفق مع هذا المثل البتة.. بل على العكس منه تماماً..
أن أسمع بحامد بدرخان وأحلم بلقائه ذات يوم..
من هنا نبدأ.. حيث المكان قامشلو.. الزمن ثمانينيات القرن الماضي من الألفية المنصرمة. حيث اللقاءات المتكررة في بيت الشاعر إبراهيم اليوسف، والذي كان يعجّ في كل مساء بمجموعة من الأدباء والسياسيين يتناولون مواضيع في الأدب والشعر والسياسة. كان يلفت انتباهي، وبشكل غير عادي، تكرار اسم الشاعر حامد بدرخان، الذي كان لامعًا في تلك الحقبة من الزمن، سيما لدى النخبة المثقفة، من خلال أشعاره واختياره اللغة السلسة والسهلة التي يظهر من خلالها مدى ثقافته، تلك الثقافة الاشتراكية. كانت قصائده تحمل الطابع الإنساني، حيث يمزج في قصائده بين الرمز الإنساني الأممي والرمز القومي الكردي. كيف لا، وهو ابن جبال كردستان تلك.
لم يخطر في بالي أن ألتقي به، بل كان مجرد خيال أو حلم، أكثر منه إلى الواقع، إلى أن تحقق فيما بعد.. يا إلهي… هل أصدق نفسي؟ في أواخر الثمانينيات، وفي إحدى مناسبات عيد العمال، أتى الشاعر حامد بدرخان إلى القامشلي ليقضي أوقاتًا في ربوعها..! تجري العادة في الربيع، وخاصة في عيد العمال العالمي- في أول يوم من أيار، أن ينظم الناس رحلات إلى عين ديوار والأماكن الطبيعية في ربوع ديريك وما حولها. -وسأتحدث عن تلك الرحلات بالتفصيل في مقالات قادمة-. لم تكن زيارته تلك هي الأولى، بل سبقها زيارة قبلها بأعوام..
لقائي به كان في بيت الشاعر إبراهيم اليوسف. لم أصدق نفسي، بل أكاد أجزم أنني كنت أكاد أطير فرحًا. صورته لم تفارق مخيلتي إلى هذا اليوم: حاجباه المتداخلان، نظراته تشبه نظرات بازٍ كردي يحلّق في فضائه الواسع، أعالي الجبال. كان يتحدث بهدوء حديث من يثق بنفسه إلى أبعد الحدود. كان حديثه الشيّق يمنعني من مقاطعته أو حتى الحديث معه. كان يتحدث عن أمور كثيرة: عن العائلات التي التقى بها في الجزيرة، وتحدث عن الشعر والأدب، وعن علاقاته الشخصية بكبار الشعراء أمثال: ناظم حكمت، عزيز نيسين، وكذلك الشاعر والأديب الفرنسي لويس أراغون. تحدث عن سجونه في تركيا.. أحسست أنني أعرف كل ذلك عنه، لأن سيرته كانت قد سبقته. فسيرته كانت معروفة، كما سيرة جكرخوين، التي كانت، ولا تزال، معروفة لدى جلّ الكرد.

في مثل هذا اليوم 30.6.1996 رحل عن عالمنا بصمت. فمن هو حامد بدرخان؟
حامد بدرخان (1924 – 1996)
شاعر سوري كردي، يعدّ من الأصوات الأدبية البارزة في القرن العشرين، تميز بتعدد لغاته وتجربته الثقافية والسياسية المركبة.
ولد في ناحية الشيخ حديد في منطقة عفرين شمال سوريا، وهي البيئة التي شكّلت بدايات وعيه، قبل أن يغادر مع عائلته إلى تركيا وهو صغير لأسباب اجتماعية. اسمه الحقيقي عند الولادة: حميد حسي خضر. وقد غيّر اسمه لاحقا إلى حامد بدرخان لأسباب أمنية بعد عودته من تركيا. أثناء تواجده في تركيا، درس الأدب التركي في جامعة إسطنبول، كما اطّلع على الثقافة الأوروبية، حيث تعلّم الفرنسية في أحد معاهدها، وكتب بها كثيرًا من أشعاره. خلال تلك المرحلة، انخرط في العمل السياسي اليساري وعمل في الصحافة التركية، ما أدى إلى تعرضه للاعتقال أكثر من مرة، بسبب نشاطه السياسي. اتسمت شخصيته بحدّة فكرية وقلق وجودي واضح. عاد إلى سوريا عام 1947 هاربا من الملاحقة، لتكون بداية جديدة لحياته الأدبية.
تميز حامد بدرخان بكتابة الشعر بلغات عدة منها:
الكردية
العربية
التركية
الفرنسية.
يعد من رواد قصيدة النثر في سوريا إلى جانب أسماء بارزة في هذا المجال، حيث جمع في شعره بين الحس الوجودي والهم السياسي، والتجربة الذاتية العميقة.
يمكننا القول، بخلاصة: إن حامد بدرخان شاعر متعدد الثقافات، عاش بين المنفى والعودة، وكتب بلغات مختلفة، فجمع بين التجربة الكردية والسورية والإنسانية في صوت شعري خاص. لكنه -وللأسف- ظل أقل شهرة مما يستحق، رغم عمق تجربته وعلو قامته.
له مجموعات شعرية كثي رة بالعربية والكردية. أتذكر الآن مجموعتين من أعماله هما: على دروب آسيا و ليلة هجران.
على دروب آسيا
ليلة هجران
صدرت أعماله الكاملة عام 2010. كان من المفترض أن يكتب إبراهيم اليوسف مقدمة أعماله -كما كنت أعلم- لكنني فوجئت باسم شخص آخر..! تواصلت مع الأستاذ إبراهيم -ليس من باب الفضول، بل مستفسرا- فقال ملمحا: نعم، كان من المفروض… لكن حدث أمر آخر بعد سفري إلى خارج الوطن. عرفت أنه لا يريد الخوض في الموضوع. أفكر كثيرا في جملته أحيانا لأستخلص، ما لا أريد قوله.