ماذا أفعل؟ 

محمود أوسو 

 

ماذا أفعلُ يا وطني؟
أأبقى مصلوباً على جدارِ الصمتِ
أحملُ وحدي إرثَ الشقاءِ كله
وقد سُلبت مني حتى الكرامةُ الأخيرة؟
صرتُ ظلاً يمشي بلا إرادة
غريباً في مرآتي، غريباً في دمي.

 

لم أعد أحتملُ ضجيجَ الحمقى
يملؤون الهواءَ بزعيقِ انتصاراتهم الكاذبة
وأنا… مخنوقٌ حتى حنجرةِ الموت
أبحثُ عن نَفَسٍ واحدٍ لا يخصُّهم
محرومٌ من الهواءِ كأنه ترفٌ لا أستحقه
مُهانٌ حتى نخاعِ الروح
لا لذنبٍ… إلا لأنني ولدتُ من ضلعِ الفقراء.

 

على جسدي ألفُ وشمٍ من السياط
كلُّ ندبةٍ سيرةٌ، كلُّ جرحٍ وطن
فما فائدةُ سيرةِ حياتي إذن؟
ذكرياتي؟ طفولتي؟
أرضٌ جرداءُ لا ينبتُ فيها إلا الغبار
أيامي تتساقطُ كورقِ الخريفِ الأصفر
هشةً، ميتةً، بلا صوت
لم يبقَ في قيثارتي وترٌ واحد
لأعزفَ عليه نشيداً للحياة.

 

بقيتُ غريباً… مجرداً من اسمي
من هويتي، من لغتي، من حقي في الحلم
قالوا لي: أنتَ لا تنتمي لهذا التراب
رغمَ أن جذوري أعمقُ من جباله
محرومٌ من الغناءِ وأنا ابنُ الحناجرِ الحرة
لا أقدرُ أن أمارسَ طقوسَ الفرح
كما تمارسُ الطيورُ طقوسَ التحليق.

 

صنعوا للكلمةِ قفصاً من حديد
لشعبٍ لم يعشقْ في حياتهِ غيرَ الحياة
رسموا لنا خطوطاً حمراءَ بدمائنا
وأعلنوا الطوارئَ بحجةِ الأعداء
وكلُّ الأعداءِ… أنا.
عقلي أنا، قلبي أنا، حلمي أنا.

 

يغسلون عقولَنا كلَّ مساء
بنبيذِ العارياتِ على الشاشات
ويبنون المآذنَ كصواريخَ نحو السماء
أفيوناً جديداً… لكي نبقى جُهلاء
لكي نظلَّ نُصلي للخوف
ونسجدُ للجوعِ، ونركعُ للوهم.

 

ماذا أفعل؟
أأكسرُ القفصَ بجناحٍ مكسور؟
أم أغني في صمتٍ حتى ينشقَّ صدري؟
أم أتجهُ نحو الشمسِ وأحترق
وأكتفي بكفنٍ من خيوطِ ضوئها
بلا هويةٍ، بلا اسمٍ، بلا قبر؟

 

أخبرني يا وجعَ البلاد
هل للموتِ معنى إذا كانت الحياةُ موتاً أصلاً؟
وهل للبقاءِ فائدةٌ
إذا كان البقاءُ هو الموتُ البطيء؟

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حِينَ يضيق الواقعُ بأهله، ويشتدُّ وَطْءُ الظلم على الشعوب، لا يبقى للإنسان سِوى صَوته الحُرِّ يرفعه في وجه القهر، فتنبثق الكلمة مِن رَحِم المُعاناة لتغدو سلاحًا لا يقلُّ أثرًا عن السَّيف.

في تاريخ الأدب، تبرز أسماء قليلة استطاعتْ أن تتحول إلى ضمير الأُمَّة ولسانِ الشعب. ومِن بَين…

صبحي دقوري

لم يفشل النقد العربي في استيعاب سليم بركات لأن نصّه صعب فحسب، بل لأن مشروعه الأدبي كلّه يفضح حدود الأدوات التي اعتاد النقد العربي أن يعمل بها. فالمسألة، في جوهرها، ليست أزمة نصّ غامض أمام قارئ مرتبك، بل أزمة جهاز نقدي كامل حين يجد نفسه أمام كتابة لا تدخل في قوالبه، ولا تستجيب لمفاتيحه…

فواز عبدي

هاتفني صباح هذا اليوم ليخبرني أن كلبه قد هرب. وحين سألته عن السبب، قال:

إنك تعلم كم كنا نعتني به، وندللـه.. لقد صار كأحد أفراد عائلتنا ولا نستطيع مفارقته.. إننا..

قاطعته:

لا أعلم إن كان لديك كلب. وعلى حد علمي فإنك كنت تكره الكلاب..

قال: صحيح. ولكن بعد عودتي من الخليج، وبعد أن أتممت هذا البناء، طلب الأولاد…

صبحي دقوري

تتقدّم البشرية اليوم نحو منعطف لا يشبه ما سبقه إلا في الظاهر. فمنذ الثورة الصناعية الأولى، والإنسان يخاف من الآلة، ويظن في كل مرة أنها جاءت لتسلبه عمله ويده ولقمة عيشه. غير أن ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي أعمق من مجرّد دخول آلة جديدة إلى المصنع أو المكتب. نحن لا نواجه آلة تحمل…