صدور كتاب “النوروز” بنسختين العربية والكوردية، للدكتور عدنان بوزان.

مقدمة الكتاب

ها هو “النوروز” يخرج أخيراً من بين رماد القرون، لا بوصفه عيداً عابراً في تقويم الشعوب، بل بوصفه ذاكرةً حيةً تمشي على أقدام التاريخ، وتحمل في عينيها نار الحرية الأولى.

وها هو الكتاب الذي كتب بالحبر والوجع، بالصوت الذي عبر الجبال طويلاً، وبالأغاني التي ظلت تنجو من الخراب كلما حاولت الإمبراطوريات أن تطفئ شمس الشرق.

لقد صدر كتاب “النوروز” بنسختيه العربية والكوردية، في عملٍ تاريخي وسياسي وثقافي شامل، من القطع المتوسط، ضمن سلسلة فكرية تسعى إلى إعادة قراءة المنطقة من داخل ذاكرتها العميقة، لا عبر السرديات الرسمية التي صاغتها السلطات المنتصرة فوق ركام الشعوب.

هذا الكتاب ليس مجرد دراسة عن عيدٍ شعبي، ولا محاولة فولكلورية لاستعادة طقسٍ موسمي؛ بل هو رحلة طويلة في طبقات الوعي الإنساني، وفي العلاقة المعقدة بين النار والإنسان، بين الأسطورة والسياسة، بين الهوية والمقاومة، وبين الربيع بوصفه فصلاً طبيعياً، والربيع بوصفه لحظة انبعاثٍ تاريخي للأمم التي حاول الزمن طمسها دون أن ينجح.

في هذا العمل، لا يظهر النوروز كاحتفالٍ معزول عن سياقه، بل كقضيةٍ حضارية كبرى؛ كمرآة لذاكرة الشرق القديم، وكجسرٍ يصل الميثولوجيا بالتاريخ، والشعوب بحقها في البقاء.

إنه كتاب يحاول أن يقرأ النوروز من جذوره الأولى في ميزوبوتاميا، مروراً بتحولاته الدينية والثقافية، وصولاً إلى حضوره السياسي المعاصر بوصفه رمزاً للهوية والحرية ومقاومة أنظمة القمع والإنكار.

لقد سعيت في هذا الكتاب إلى تجاوز القراءة السطحية التي اختزلت النوروز في الرقص والأزياء والأغاني، والاقتراب أكثر من جوهره الفلسفي والإنساني؛ من النار التي لم تكن مجرد شعلة للاحتفال، بل رمزاً للمعرفة في مواجهة العتمة، وللتمرد في وجه الطغيان، وللقدرة العجيبة التي تمتلكها الشعوب على النهوض من رمادها كلما ظن العالم أنها انتهت.

إن الحديث عن النوروز، في جوهره، هو حديثٌ عن الإنسان الشرقي حين يدافع عن حقه في الوجود، وعن الشعوب التي حوربت بلغتها وذاكرتها وأغانيها، لكنها ظلت تشعل النار كل عام، وكأنها تعلن للعالم:

“يمكن للخراب أن يبتلع المدن، لكنه لا يستطيع أن يطفئ الفكرة.”

هذا الكتاب أيضاً محاولة لفهم العلاقة التاريخية بين الكورد والنوروز، بعيداً عن الخطابات العاطفية الضيقة، وبمنهجٍ يسعى إلى الجمع بين التحليل السياسي والبعد الثقافي والعمق الحضاري.

فالنوروز لم يكن يوماً حدثاً احتفالياً فحسب، بل تحول عبر التاريخ إلى لغةٍ للمقاومة، وإلى مساحة رمزية حافظت من خلالها الشعوب على حقها في التعبير عن ذاتها، حتى في أكثر الأزمنة قسوة.

ولأن التاريخ الحقيقي لا يكتب من فوق عروش السلطة، بل من داخل معاناة البشر، جاء هذا العمل ليكون شهادة فكرية على مرحلةٍ طويلة من الصراع بين محاولات المحو والإبادة، وبين إرادة البقاء.

إنه كتابٌ عن النار التي انتصرت على الرماد، وعن الذاكرة التي نجت من النسيان، وعن الإنسان الذي ظل يبحث عن الشمس حتى في أكثر العصور ظلمة.

إلى كل من يرى في النوروز أكثر من عيد…

إلى كل من يؤمن بأن الحرية تبدأ من الوعي، وأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها لا تموت…

إلى كل من يحمل في داخله شيئاً من نار الشرق القديمة…

أهديكم هذا الكتاب.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ا. د. قاسم المندلاوي

الفنان الراحل قادر ديلان موسيقار ومغن وملحن وكاتب اغان، وعازف على آلتي الكمان والفلوت، وقد تخصص في الموسيقى الشعبية الكوردية الكلاسيكية ذات الطابع الغربي. ويعد من ابرز رواد الموسيقى الكوردية الحديثة، اذ ينسب اليه تأسيس الاوركسترا الكوردية الوطنية، كما يعتبر اول موسيقار كوردي مزج بين الموسيقى الغربية والموسيقى الكوردية الشرقية…

مروة بريم

لوَّحت إنجي أويرباخر ذات الأعوام السّبعة بيدها، ظننتُ أنَّها تلويحة وداع من صغيرة، بلغَ بها الّلهو حدَّ الجنون ورفع الأدرينالين إلى مستويات خيالية، فاشتاقت لذراعين عطوفين تعيدان إليها التّوازن والسَّكن، أوشكتُ أن أُشيحَ بوجهي وأتركها لشأنها، لكنّ وميضاً لافتاً انبعثَ من عينيها قبض على قلبي بقوَّة، وأثار شريحة مولعة بالأشياء الفريدة تحتلُّ ناصيتي، وتمنح…

آناهیتا حمو. باريس

آريا ورسالة الإنسانية إلى العالم
في هذا الصباح الباريسي الجميل، أشرقت أخبار الأمل والفرح في القلوب. فقد وصلت رسالة سلام من حفيدةٍ للمنفى، تلك الشابة التي نشأت بعيداً عن مدينتها الأم قامشلو، لكنها حملت وطنها في قلبها أينما ذهبت. لم تسمح للمنفى أن يتحوّل إلى جدارٍ من العزلة أو الضعف، بل جعلت منه طاقةً…

صبحي دقوري

تمهيد: كاتب جاء من الهامش فصنع مركزًا

في حياة الأدب أسماء تأتي من العواصم، تحيط بها الصحف والمجلات والمقاهي والجامعات، وأسماء أخرى تأتي من الأطراف البعيدة، من مدنٍ كأنها تقف على حافة الخريطة، فإذا بها تقلب معنى المركز والهامش معًا. وسليم بركات من هذا النوع الثاني.

جاء من الشمال السوري، من القامشلي، من تلك الأرض الكردية…