تفكيك السلطة الأبوية بين نور الدين فرح وجيمس بالدوين

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

     لَيست السُّلطة الأبوية مُجرَّد علاقة عائلية بين أبٍ وأبناء، بل هي بُنية رمزية وثقافية وسياسية تمتدُّ جذورها في اللغةِ والمُجتمع والعُرف والاقتصاد والدَّولة. وحِينَ يتناول الأدبُ هذه السُّلطةَ، فإنَّه لا يكتفي بوصفها نظامًا اجتماعيًّا، بلْ يكشف آلياتها العميقة في إنتاجِ الخَوف والطاعة والعُنف والاغتراب. ومِن هُنا تأتي أهمية التجربة الأدبية لكلٍّ مِن الروائي الصومالي نور الدين فرح الذي يكتب بالإنجليزية ( وُلد 1945)، والروائي الأمريكي جيمس بالدوين ( 1924_ 1987).

     يلتقي الكاتبان _ رغم اختلاف الجُغرافيا واللغة والسياق الحضاري _ عند مشروع إنساني واحد: تفكيك الأب بوصفه رمزًا للهيمنة، وكشف التشققات الأخلاقية والنَّفْسية التي تُخلِّفها السُّلطة الذكورية في الفردِ والمجتمع.

     كتب فرح من قلب التجربة الأفريقية المُمزَّقة بين الدكتاتورية والعشيرة والسُّلطة الذكورية، بينما كتب بالدوين من قلبِ التجربة الأمريكية السوداء التي أنهكتها العُنصرية والعُنف الدِّيني والتمييز الطبقي. أدركا أنَّ السُّلطة السياسية تبدأ غالبًا من داخل البَيْت، وأن الطُّغيان الكبير يجد صورته الأُولَى في الأبِ المُستبد، أو في المجتمع الذي يَمنح الذَّكَرَ حقَّ التحكم في مصائرِ الآخَرين.

     إنَّ قراءة أعمال فرح وبالدوين لَيست مُجرَّد قراءة أدبية، بلْ هي قراءة في معنى الحرية الإنسانية، والكَيفيةِ التي تتحوَّل بها العائلة أحيانًا إلى مؤسسة قمع، ويتحوَّل فيها الحُب إلى خَوف، والطاعة إلى شكل من أشكال الموت البطيء.

     في أعمال فرح، لا يظهر الأبُ باعتباره فردًا فقط، بلْ باعتباره امتدادًا للعشيرةِ والسُّلطةِ السياسية، فالمجتمعُ الصومالي الذي يُقَدِّمه فرح مجتمع تحكمه التقاليد الصارمة، حيث تُختزَل المرأة في الطاعة، ويُختزَل الابنُ في الامتثال. والأبُ هُنا لَيس شخصًا، بلْ مؤسسة كاملة.

     ويُصبح الانتماءُ العائلي نوعًا مِن الأسْرِ الوجودي. الشخصياتُ تعيش تحت وطأة الرقابة الأخلاقية والاجتماعية، ويُصبح الجسدُ مَيدانًا للسَّيطرة. المرأةُ تُراقَب باسمِ الشرف، والطفلُ يُشكَّل وفق نموذج ذُكوري صارم، وأيَّة محاولة للخروج من هذا النسق تُعَدُّ خيانة للجماعة.

     أمَّا بالدوين، فيتناول السُّلطةَ الأبوية من زاوية مختلفة، لكنها لا تقلُّ قسوةً. يَظهر الأبُ بوصفه رَجل دِين مُتسلطًا يستخدم الخِطابَ الدِّيني لتبرير عُنْفِه واستبدادِه. والأبُ يُمارس سُلطةً مُزدوجة: سُلطة الرَّجل، وسُلطة المُقَدَّس. لذلك يُصبح التمردُ عليه أكثر تعقيدًا، لأنَّ الابن لا يواجه شخصًا فقط، بلْ يُواجه بُنيةً أخلاقية كاملة تُقْنعه بأن الطاعة فضيلة، وأن الرغبة خطيئة.

     وهكذا يكشف الكاتبان أن السُّلطة الأبوية لا تعتمد على القوة الجسدية وحدها، بلْ على إنتاج الشعورِ بالذنب والخوف. إنها سُلطة تَجعل الإنسانَ يُراقب نَفْسَه بِنَفْسِه، ويقمع رغباته الداخلية خشية العِقاب الاجتماعي.

     مِن أبرز الأمور المُشتركة بين فرح وبالدوين أن الجسد في أعمالهما لَيس مُجرَّد حُضور بيولوجي، بلْ مساحة للصراعِ السياسي والأخلاقي. فالسُّلطةُ الأبوية تسعى دائمًا إلى السيطرةِ على الجسدِ: كيف يتحرَّك؟، كي يُحِبُّ؟، كيف يَرغب؟، كيف يُعبِّر عن ذاته؟.

     في روايات فرح، يبدو الجسد الأنثوي تحديدًا مَوضوعًا للهَيمنة. المرأةُ تُحاصَر بالأعرافِ، وتُختزَل في أدوارِ الإنجابِ والطاعة. لكنَّ فرح يمنح شخصياته النسائية قوةً داخلية استثنائية، فهي لا تُواجه السُّلطةَ بالصُّراخ فقط،بلْ بالمُقاومة الصامتة أحيانًا، وبإعادةِ تعريفِ ذاتها خارج شروط الرجل. والمرأةُ عند فرح لَيست ضحية مُطْلقة، بلْ هي ذات تبحث عن حُريتها وسط عالَم عدائي. ولهذا فإن رواياته تُمثِّل نقدًا جذريًّا للبُنية الذكورية في المجتمع الأفريقي التقليدي، دون أن تقع في التبسيط أو الشعاراتية.

     أمَّا عِند بالدوين، فإنَّ الجسد يرتبط بالهُوية الجنسية والعِرقية معًا. الرَّجلُ الأسود في المجتمع الأمريكي يعيش قمعًا مزدوجًا:قمع العُنصرية البيضاء،وقمع السُّلطة الذكورية داخل مجتمع نَفْسِه. ولهذا كانتْ كتابات بالدوين شجاعة بصورة استثنائية،لأنه لَم يكتفِ بفضخ العُنصرية،بلْ كشفَ أيضًا هشاشةَ النموذج الذكوري التقليدي.يَتحوَّل الجسدُ إلى سؤال وجودي: هلْ يستطيع الإنسانُ أن يحب بحرية دون خوف من المجتمع؟ ، وهل يُمكن للهُوية أن تتحقق خارج قوالب الذكورة المفروضة؟. وقدْ أدركَ بالدوين أن السُّلطة الأبوية لا تقتل الحريةَ فقط،بلْ تقتل القُدرةَ على الحُبِّ الصادق.

     ما يُميِّز مشروع فرح بصورة خاصة هو الرابط العميق بين السُّلطة الأبوية والسُّلطة السياسية. فالدكتاتور في رواياته يُشبِه الأبَ المُستبد، وكلاهما يقوم على إخضاع الفرد، وتجريده من صوته الخاص.

     لقدْ عاشَ فرح تجربة المنفى بسبب معارضته السياسية، لذلك جاءت رواياته مُحمَّلة بسؤال الحرية. والدَّولةُ في عَالَمه لَيست سِوى نُسخة مُكبَّرة من العائلة السُّلطوية، حيث يُطلَب من المواطن الطاعة المُطْلقة، ويُنظَر إلى الاختلاف باعتباره تهديدًا للنظام.

     وفي المقابل، يرى بالدوين أن الدَّولة الأمريكية قامتْ على بُنية أبوية عُنصرية، تَجعل الرجلَ الأبيضَ مركزَ السُّلطة والمعنى.لذلك، فإنَّ نقده للأبِ يمتدُّ تلقائيًّا إلى نقدِ المجتمع الأمريكي كُلِّه.

     لقد فهمَ بالدوين أن العُنصرية لَيست مُجرَّد كراهية لَون، بلْ هي نظام سُلطة متكامل يقوم على إخضاع الآخَر، وتجريده من إنسانيته.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبحي دقوري

ليس كتاب «هذا هو الإنسان» لفريدريش نيتشه كتاباً يخرج من رفّ الفلسفة كما تخرج الكتب المطمئنة إلى أسماء فصولها، ولا سيرةً ذاتية تمشي على مهلٍ في ممرّ الذكريات، ولا اعترافاً يطرق باب المغفرة. إنّه نصٌّ ينهض كحيوانٍ جريحٍ من غابة الفكر، ويحدّق في قارئه بعينين لا تطلبان الشفقة ولا التصديق، بل تطلبان الاستعداد للصدمة….

مقدمة الكتاب

ها هو “النوروز” يخرج أخيراً من بين رماد القرون، لا بوصفه عيداً عابراً في تقويم الشعوب، بل بوصفه ذاكرةً حيةً تمشي على أقدام التاريخ، وتحمل في عينيها نار الحرية الأولى.

وها هو الكتاب الذي كتب بالحبر والوجع، بالصوت الذي عبر الجبال طويلاً، وبالأغاني التي ظلت تنجو من الخراب كلما حاولت الإمبراطوريات أن تطفئ شمس الشرق.

لقد…

ا. د. قاسم المندلاوي

الفنان الراحل قادر ديلان موسيقار ومغن وملحن وكاتب اغان، وعازف على آلتي الكمان والفلوت، وقد تخصص في الموسيقى الشعبية الكوردية الكلاسيكية ذات الطابع الغربي. ويعد من ابرز رواد الموسيقى الكوردية الحديثة، اذ ينسب اليه تأسيس الاوركسترا الكوردية الوطنية، كما يعتبر اول موسيقار كوردي مزج بين الموسيقى الغربية والموسيقى الكوردية الشرقية…

مروة بريم

لوَّحت إنجي أويرباخر ذات الأعوام السّبعة بيدها، ظننتُ أنَّها تلويحة وداع من صغيرة، بلغَ بها الّلهو حدَّ الجنون ورفع الأدرينالين إلى مستويات خيالية، فاشتاقت لذراعين عطوفين تعيدان إليها التّوازن والسَّكن، أوشكتُ أن أُشيحَ بوجهي وأتركها لشأنها، لكنّ وميضاً لافتاً انبعثَ من عينيها قبض على قلبي بقوَّة، وأثار شريحة مولعة بالأشياء الفريدة تحتلُّ ناصيتي، وتمنح…