نصر محمد / ألمانيا
سامية يحيى إبراهيم، ابنة عامودا، خريجة معهد إعداد المعلمين. عملت معلمة لمدة خمسة عشر عاما، ثم تقاعدت مبكرا. تكتب الشعر منذ ما يقارب خمسة وعشرين عاما، ولها ديوان مطبوع بعنوان «صلوات الأشجار»، صادر عن اتحاد مثقفي روجآفا كردستان، إضافة إلى نصوص كثيرة غير مطبوعة، وديوان آخر جاهز قيد الطبع.
الديوان
عنوان المجموعة «صلوات الأشجار» ليس عنوانا تجميليا، بل هو بيان منهج. فالشاعرة سامية إبراهيم لا تكتب عن الشجرة، بل تكتب بها ومن خلالها. وهذا ما أشار إليه الناقد محمود عبدو في مقدمته بدقة، حين ربط الشجرة بالروح، والغابة بالمجتمع.
1. الإهداء كمفتاح نصي
«إلى مَن رسا بعيدا وترك الأبواب مقفلة، الذي تأخر عن سبيل الوردة وبنى وهما في أسارير الشوق»
تدور المجموعة كلها في فلك هذا الغياب. فهو ليس حبا عاطفيا فحسب، بل غياب وجودي؛ الرجل، الوطن، الأب، الحبيب البعيد، الذي ترك الأبواب مقفلة. لذلك تبدو النصوص كلها محاولة لفتح باب. والشجرة هنا هي من بقيت واقفة تنتظر، بينما مر الآخرون.
2. ثيمات الديوان الكبرى
أولا: الشجرة كذات أنثوية
الشجرة في الديوان ليست رمزا بيئيا، بل أنثى شرقية تختبر الفصول؛ مرة خضراء مزهرة، ومرة يابسة، ومرة تقلم، ومرة تبكي. وفي النص رقم 40 تقول الشاعرة:
«حين تبكي الشجرة العجوز أمي»
هنا يحدث التطابق الكامل: الشجرة هي الأم، وهي الذاكرة، وهي الجذر.
ثانيا: جدلية الحضور والغياب
الديوان مشغول بالذين رحلوا ولم يعودوا: القطار الذي لم يعد يمر، كما في النص رقم 81، والغرفة المغلقة في النص رقم 20، والحقيبة الخفيفة في النص رقم 99، والقبور الصغيرة التي كان يصنعها طفلا ثم صار يصنعها للطغاة في النص رقم 101.
إنه سجل خسارات، لكنه ليس نواحا، بل مقاومة بالذاكرة.
ثالثا: الطفولة والحقل
أجمل مقاطع الديوان هي تلك الريفية، القروية بامتياز: حصاد الرمل، حشر التبن، شجرة التوت، المشمش، الأكاسيا، عربة الحمار الصغير. سامية تكتب من ذاكرة مكانية واضحة: ديرك والجزيرة السورية، حيث الحقل ليس خلفية، بل هو البيت الأول.
أما النص رقم 72، عن الأب الذي مات وهو يستمع إلى أغنية في سيارته، فهو من أكثر نصوص الديوان إنسانية واكتمالا.
رابعا: الحب كصلاة
تكرار عبارة «أحبك» في المقاطع 26 و27 و28 ليس تكرارا غنائيا، فكل مرة تأتي العبارة بتعريف جديد: أحبك كزنبقة حمراء ووحيدة، كبعث، كوصلة حب بين أول عاشقين. الحب هنا طقس خلاص، وليس ترفا عاطفيا.
3. اللغة والأسلوب
ينتمي الديوان إلى قصيدة النثر بامتياز، لكنه يتجنب فخاخها.
نقاط القوة
تتميز لغة الديوان بالاقتصاد، فالجملة قصيرة، مقطعة، وتتنفس بهدوء، كما في هذا المقطع:
«بريئا يغيب طائر الرماد
يتوارى خلف جبل
يظهر»
كما تمتلك الشاعرة قدرة واضحة على بناء الصورة البصرية المتحركة، فهي رسامة بالكلمات. تقول مثلا:
«على مدار التلة غيمة
وأطفال يضحكون بينها»
وتقول أيضا:
«يرتاد القمر السماء بوجل»
هناك خوف دائم حتى من القمر، كأنه قد يصطدم بنجمة.
ومن نقاط القوة أيضا التبئير السردي؛ فكما قال محمود عبدو، تلمح الشاعرة إلى قصة داخل القصيدة دون أن تحكيها مباشرة. والنص رقم 61، عن الجدة التي تنام وهي جالسة، يختصر رواية كاملة في خمسة أسطر.
المآخذ الانطباعية
أحيانا تنزلق اللغة إلى المباشرة الوعظية أو الغموض المفرط، خاصة في المقاطع السياسية، مثل النصوص 15 و55 و92. كما أن الديوان، باحتوائه على 110 نصوص، كان يحتاج إلى تكثيف وتحرير أكثر؛ فبعض النصوص القصيرة جدا، مثل النصين 11 و30، تبدو ومضات كان يمكن دمجها لتأخذ مداها الفني.
4. البنية الروحية
لماذا «صلوات» وليس «أغاني» أو «حكايات» الأشجار؟
لأن الصلاة وقوف طويل، وصمت، وانتظار، وتوجه نحو غائب. الشجرة واقفة تصلي، والشاعرة واقفة مثلها. حتى الريح في الديوان لها وظيفة روحية، فهي تأخذ الآلام «هناك حيث تشفى»، كما في النص رقم 109.
الديوان كله محاولة لتحويل الخسارة إلى طقس جمالي؛ أن تجعل الشاعرة من الفقد صلاة، ومن الانتظار عبادة، ومن الشجرة محرابا.
خلاصة
«صلوات الأشجار» ديوان ناضج، هادئ، بعيد عن الصخب الشعري. لا يصرخ، بل يهمس. قوته ليست في الابتكار اللغوي الصادم، بل في صدقه.
تشعر وأنت تقرأه أن امرأة تجلس فعلا تحت شجرة توت كبيرة، تراقب القمر بوجل، وتكتب عن الذين لم يعودوا، وعن يدها التي تتفقد أثرها كل صباح على الورد وصنبور الماء وعين القطة، كما في النص رقم 25، وهو من أجمل نصوص الديوان وأكثرها اكتمالا إنسانيا.