النجاة الناقصة

ماهين شيخاني
أعاتبك يا جدي…
لا لأنك كنتَ ضعيفاً، بل لأنك كنتَ متعباً أكثر مما ينبغي، ولأنك حين حملت خوفك ورحلت، توقفتَ في منتصف النجاة.
تركتَ قريتك… تركتَ “سرخت” خلف ظهرك، الجبل ،حقول العنب، رائحة التنور، أسماء الجيران، قبور الأهل، والشجرة التي كانت تحفظ ظلّ طفولتك، وهربتَ من ظلمٍ كنتَ تظنه نهاية العالم.
لكنّك يا جدي… لم تبتعد بما يكفي.
هربتَ من نارٍ لتسكن قرب دخانها، ومن جلادٍ إلى جلادٍ يشبهه، ومن سلطةٍ إلى أخرى تتقن القسوة باللهجة ذاتها، حتى وإن اختلفت اللغة.
لا فرق يا جدي… هنا أيضاً كان الإنسان الكوردي غريباً في أرضه، مُتهماً باسمه، مراقباً بلغته، ومطلوباً منه دائماً أن يعتذر لأنه وُلد كما هو.
أعاتبك… لأنك لم تكمل الطريق.
كان عليك أن تمضي أبعد، إلى ما وراء البحار، إلى بلادٍ لا تسأل الطفل: من أي قومية أنت؟ ولا تجعل اللغة تهمة، ولا الانتماء جريمة.
ليتك وصلت إلى أوروبا… إلى أي مدينة باردة هناك، كانت ستكون أدفأ من هذا الشرق المتخم بالكراهية.
ليتك تعبت أكثر قليلًا، كي لا نتعب نحن العمر كله.

أتدري يا جدي…؟ بعد عشرات السنين، كرر أحفادك الرحلة نفسها.
لكن هذه المرة، لم نهرب من خلافٍ عشائري، ولا من موسم جفاف، بل هربنا من حربٍ التهمت كل شيء.
هربنا من المدن المحروقة، من الخيام، من أصوات الطائرات، من الطرق التي امتلأت بالنازحين، ومن وطنٍ صار يطرد أبناءه واحداً تلو الآخر.
في تلك الحرب، لم يخسر الكورد بيوتهم فقط، بل خسروا أعمارهم أيضاً.
رأيتُ أحفادك يا جدي يعبرون الحدود ليلاً، يحملون أطفالهم، ويتركون خلفهم صور الأعراس، دفاتر المدرسة، والمفاتيح القديمة التي لا تفتح شيئاً في المنفى.
أحفادك الذين بقوا هنا صاروا يحلمون بأوروبا كما كان الناس يحلمون بالجنة.
وأحفادك الذين وصلوا هناك، صاروا يتحدثون لغاتٍ جديدة، ويكبر أولادهم دون أن يعرفوا شكل القرية التي خرجتَ منها ذات مساء.

“الآن في هامبورغ، يتعلم ابني كيف يشرح لمعلمه أن الكورد ليسوا قططاً ولا أتراكاً.”

هل تعلم ما الوجع يا جدي؟
أنك لو أكملت الطريق يومها، ربما كنا اليوم نعيش حياةً أخرى، بلا هذا الخوف المزمن، بلا المنافي، بلا الحروب، وبلا كل هذا التعب المتوارث كأنه لعنة عائلية.

أعاتبك… وسأبقى أعاتبك، ليس كرهاً، بل لأننا دفعنا ثمن التوقف عند أول حدود النجاة.
لقد خرجتَ من “سرخت” لكنّ روحك بقيت معلقة بين الجبال، أما نحن… فخرجنا من البلاد كلها، وما زلنا حتى الآن نبحث عن وطن لا يطرد أبناءه.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا

سامية يحيى إبراهيم، ابنة عامودا، خريجة معهد إعداد المعلمين. عملت معلمة لمدة خمسة عشر عاما، ثم تقاعدت مبكرا. تكتب الشعر منذ ما يقارب خمسة وعشرين عاما، ولها ديوان مطبوع بعنوان «صلوات الأشجار»، صادر عن اتحاد مثقفي روجآفا كردستان، إضافة إلى نصوص كثيرة غير مطبوعة،…

السويد – خاص: صدر حديثاً الكتاب الأربعون للشاعر والناقد لقمان محمود بعنوان (الحياة الكامنة خلف الكلمات)، عن دار “49 بوكس” في السويد. يقع الكتاب في (234) صفحة من القطع المتوسط، وهو استكمالٌ لمشروع لقمان محمود في مجال السرد، حيث سبقت له إصدرات عدة في هذا السياق، منها: “ترويض المصادفة” عام 2011، “زعزعة الهامش” عام 2019، “كسر…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الكرد في سوريا، بحزن وأسى كبيرين، نبأ رحيل الفنانة كولستان طاهر- سوباري، التي توفيت ليلة أمس، تاركةً وراءها حضوراً فنياً وذكريات راسخة في نفوس وقلوب أسرتها وعائلتها، وذويها، وأصدقائها ومحبي فنها.
لقد عُرفت الراحلة بصوتها المميز، وبموهبتها الفنية التي لم تقتصر على الغناء، إذ عرفتها خشبات المسرح فنانةً…

جوان سلو

كثيراً ما يوصف الأدب الإيراني بأنه أدب مختلف عن الآداب الأخرى لحفاظه على أصالته وخصوصيته وواقعيته وتمسّكه بتراثه الثريّ الخاص، إذ يجد القارئ العربي في هذه الأعمال الأدبية فضاءً ثرياً من اللغة والأفكار والأسلوب والثقافة، وقد فرض الأدب الإيراني المترجم عن اللغة الفارسية في الآونة الأخيرة وجوده المميّز بين الإصدارات العربية المترجمة، واحتلَّ من…