الشبكة

ماهين شيخاني

 

عاد متأخراً كعادته.

بل أكثر من كل الأيام.

كان يشرف على إصلاح المنزل الذي سيعود إليه بعد إحدى عشرة سنة من الخيبة. كل من خرج من داره رحل، تاه، غاب، أو استقر في منفاه البعيد. أما هو، فبقي عالقاً بين ذاكرة الحجر وألم الصدر.

سكن شقة في الطابق الثالث، في حارة قريبة من السوق. مكان لا يصلح إلا لمن لا يملك مكاناً يصلح له. الجدران تتعرق في الشتاء، وتتشقق في الصيف، وهو بينهما يتنفس بصعوبة. منذ أسبوع، كان يذهب جيئة وذهاباً، يتابع ترميم الجدران التي تذكرته بسنين لم تجمع أهله، بل بددتهم في الريح.

والعيد يقترب.

والأطفال في الحارة يركضون بالبالونات والملابس الجديدة.

وهو لا يملك ثمن فروجة للعيد.

الطبيب حذره: — لا تتعب نفسك… الشبكة التي في صدرك ليست للزينة.

لكنه لم يجد من يعينه، ولا من يرفع عنه كيس الأسمنت الذي يضغط على كتفيه، كما تضغط الحياة على روحه.

دخل طفله البالغ من العمر عشر سنوات.

كان قد تأخر، ليس في طريقه، بل في حلمه.

وقف على عتبة الغرفة، يمسك بطرف قميصه الممزق، ويحدق في الأرض التي لا تجيب.

قال له: — بابا… بدي دراجة. مثل أولاد الحارة.

انفجرت الكلمة في صدر الأب كقذيفة.

ليس لأنها صعبة، بل لأنها حق.

كل الأطفال يركبون الدراجات، وولده يمشي حافي القدمين خلفهم.

لم يرفع صوته. لم يبكِ. لم يثر.

قال فقط: — بعدين يا بني… بعدين.

لكن الابن كان يعرف معنى “بعدين” في قاموس الفقر: “أبداً”.

بكى.

بكى بكاءً ثقيلاً، بصوت عالٍ مزعج، كأنه يبكي كل السنين التي لم يبكها من قبل.

حاول الأب أن يسكته، أن يشرح له، أن يضع يده على كتفه الصغير. لكن اليد كانت ترتجف، والكتف كان يهتز بالبكاء.

 

خرجت الأم من المطبخ، تمسح يديها بطرف مريولها القديم. نظرت إلى الطفل، ثم إلى زوجها، بعينين متعبتين تعرفان الهزيمة جيداً.

اقتربت من ابنها، سوت شعره بيد مرتجفة، ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله عادياً: — بس يا ماما… ليس الآن .

لكن صوتها انكسر عند آخر كلمة.

عادت نحو المطبخ سريعاً، كأنها تهرب من دموعها.

ومن هناك رفعت صوتها وهي تقلب قليلاً فارغاً على نار باردة: — هذا قدرنا… نعيش الفقر يا رب… نعيش الفقر…

صمت الأب.

لكن قلبه لم يصمت.

كان يغلي.

شعر بغصة في حلقه، وثقلٍ حارق في صدره، ثم انفجر فجأة: — كفى!

سبّ وشتم، ليس أحداً بعينه، بل القدر الذي رسم لهم هذه الحياة.

ثم نهض، دخل الغرفة الثانية، وتمدد على السرير في الظلام.

انقطعت الكهرباء.

كعادتها في هذا الحي الفقير، حيث ينقطع النور كما ينقطع الأمل.

خرجت الأم بعد قليل.

كان الدواء الوحيد الذي يخفف آلام زوجها قد نفد من البيت، والصيدلية على بعد شارعين. تركت الولد نائماً في الغرفة المجاورة، وخرجت تسير مسرعة في الظلام، تحمل كيساً بلاستيكياً فارغاً وقلباً مثقلاً بالدعاء.

أما الأب، فبقي ممدداً على ظهره.

أغمض عينيه.

حاول أن يتنفس.

لكن أنفاسه كانت تأتي متقطعة، ثقيلة، كأن الهواء نفسه صار عبئاً عليه.

مد يده إلى صدره، فوق الشبكة التي زرعها الجراحون هناك.

شعر بشيء يتحرك داخله.

ليس القلب…

شيء يشبه الحسرة.

أراد أن يقوم، أن يفتح النافذة، أن يستنشق قليلاً من الهواء.

لكنه لم يستطع.

في الغرفة المجاورة، هدأ الطفل.

كان يظن أن أمه في المطبخ، وأباه في الغرفة الثانية. لم يسمع الخطوات التي غادرت، ولا الباب الذي انغلق بهدوء.

 

نام للحظات، ثم استيقظ على صمت ثقيل.

وقف الولد، أخذ شمعة صغيرة من المطبخ، وأشعلها.

سار في الظلام نحو الغرفة التي دخلها أبوه.

أراد أن يعانقه، أن يعتذر، أن يقول له إنه لا يريد دراجة… إنه يريده هو فقط.

فتح الباب.

رفع الشمعة.

الضوء الضعيف لفح وجه الأب.

كان ممدداً على الأرض، بجانب السرير.

وجهه شاحب، شفتاه زرقاوان، وعيناه مفتوحتان تحدقان في السقف الذي لا يرحم.

صمت الولد.

لم يبكِ.

لم يصرخ.

سقطت الشمعة من يده.

وانتشر الزيت على الأرض، واشتعلت النار في الستارة القريبة.

لكنه ظل واقفاً.

ينظر إلى أبيه.

ثم همس بصوت خافت: — بكرة يا بابا… بكرة راح أشتري دراجة.

عادت الأم بعد نصف ساعة.

كانت تحمل شريطاً من الأقراص الرخيصة، وكيساً صغيراً من الخبز اليابس.

من بعيد، رأت ضوءاً يتأرجح خلف نوافذ المنزل. ظنته الكهرباء عادت. لكنها حين اقتربت، شمّت رائحة الحريق المختنق، ورأت الدخان يتسلل من شرفة الغرفة الثانية.

صرخت. ركضت. فتحت الباب.

الغرفة كانت سوداء. الستارة احترقت بالكامل، والحريق كان قد انطفأ وحده قبل أن يلتهم كل شيء.

وفي وسط الظلام، كان ابنها جالساً على الأرض، بجانب جسد أبيه.

وجهه ملطخ بالسواد، ويداه الصغيرتان تحملان آثار حروق بسيطة لم يبكِ من أجلها.

ضمته إليها. بكَت. صرخَت.

لكنه بقي صامتاً. جامداً.

 

لم يرفع عينيه عن وجه أبيه.

قالت بصوت متهدج: — ليش ما ناديْتَ الجيران… ليش ما طلبتِ المساعدة؟

رفع عينيه إليها ببطء، وقال بهدوء مرعب:

— كان لازم أخلص دراجة بابا أول.

فتحت الأم يده المتقرحة. كانت مازالت تمسك بقطعة كرتون سميكة، رسم عليها دراجة بعناية طفولية فائقة، ووضعها تحت يد أبيه الميتة، كأنها هدية وصلت متأخرة جداً.

في صباح اليوم التالي، لم يبكِ أحد في الجنازة.

كانوا جميعاً قد استنفدوا دموعهم على أحياء لم يمتوا بعد.

 

27/6/2026

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فرهاد دريعي / ألمانيا

عزيزتي:

المسافة لم تصنع لي وطنا بديلاً، ​فقط كانت هي الأقدار حينما كتبتْ فصولاً لم أخترها، وألقت بي في فيافي غربةٍ أجرّ خلفي حقائب ممتلئة بالذكريات، وتاركاً قلبي حيثما أنتِ، يهيم في طرقات قامشلو نهاراً وفي الليل يندس تحت وسادتكِ.
​هذه ليست قصة إقصاء أو سفر، إنما سيرة روح شُرخَت، فنصفٌ يعيش مرغماً في…

أصدرت منشورات رامينا في لندن كتاب «وداعاً بير آڤدو» سيرة الطفولة للكاتب والطبيب السوري الكردي آلان كيكاني، في عمل سيري جديد يمتد على 262 صفحة، يعود فيه إلى قرية بير آڤدو، مسقط رأسه، حيث وُلد وقضى سنوات طفولته الأولى قبل أن يغادرها مع أسرته، لتظل تلك القرية حاضرة في وجدانه، وتتحول مع مرور الزمن إلى…

الكتاب الأول من تأليف العقيد افيريانوف وترجمة د.إسماعيل حصاف عن الروسية بعنوان “الكرد في الحروب بين روسيا وبلاد فارس وتركيا خلال القرن التاسع عشر، وضعه العقيد أفيريانوف قبل ١٢٥ عاما، بتكليف من رئيس أركان منطقة القوقاز العسكرية، اللواء ن.ن. بليافسكي، وصدر في مدينة تفليس عن دار نشر تابع لهيئة الأركان العامة في مقر منطقة القوقاز…

عبدالجابر حبيب

عندما حققوا معي
قال المحقق الاكبر:
ماذا رأيت؟
قلت بصراحة:
رأيتهم يضعون الوطنَ في إطارٍ ذهبيّ،
ثم سرقوا الجدار،
ومنذ ذلك الوقت،
أبحث عن ظلٍّ أتفيأ به.
******
يا سيدي.
هنا، في وطني،
الملاعقُ تأكلُ مع اللصوص،
ثم تُلقي الموعظة على الجياع.
لذلك لا يبردُ الحساء.
هذا كلُّ ما في الأمر،
أرأيت، الأمرُ لا يحتاجُ ذكاءً
*****
كنتُ كغيري
واقفاً على الرصيف.
حين قالوا: الوطنُ بخير…
اعتذرَ الرصيفُ عن التعليق.
أمّا أنا،
فأيقنتُ أنَّ الحافلةَ
لن تأتي……