صبري رسول
تضعك شمس عنتر في قلب الحدث، فيشعر القارئ أن القصّة تجري معه، أو حدثت قريبا منه وفي محيطه، إلى أن يصل به الأمر أن يشعر أنّ الكاتبة تروي الحكاية له، القصة التي حدثت للتوّ.
النّصوص هي سيرة أهل الجزيرة، سيرة مدنها وأزقتها وقراها. هي سيرة النّاس في أزمنة الحرب، سيرة النّساء والشّهداء.
وبخلاف قصصها السّابقة، التي كانت تبدو بسيطة، أحداثها ولغتها، التي لم تكن تتميّز بالعمق مع بغياب التّحسينات الكتابية واللغوية، تبدو هذه المجموعة الصادرة عن دار الزّمان حديثاً، نالت الحظوة بالاهتمام، بلغتها السّردية، وأسلوب المعالجة، فقد تجاوزت هنا البساطة الحكائية لتقدّم سرداً أكثر تطوراً، اعتماداً على جمل قصيرة جميلة، مع التركيز على الكثافة اللّفظية والشّعورية وكأنّها تريد أن تلفت الانتباه إلى تجربتها الجديدة: «نساءٌ يحملن تاريخاً أطول من البنادق، أطفال يعرفون شكل الدّبابة قبل شكل المدرسة، وشعب لا يطلب النّصر، بل الحقّ في أن يبقى.ص39\ حين تعجز العائلة عن مواجهة الخارج، تُحوِّل ضعفها إلى سلطة علينا»ص46
في بعض الأحيان نرى المباشرة التقريرية واضحة في السّرد، لكنه لا يؤثر على جمالية النّصّ أمام اللغة السّردية الذي يحفل به في الوقت نفسه، وهذا تطور إيجابي في أسلوب الكتابة. صحيح أنّ غالبية الأفكار القصصية تعالج هموماً يومية تتعلق بأمور سياسية، كالحرب والمعارك والمواقف، إلا أنّها تأتي في إطار سردي يطغى عليه الهمّ الإنساني عامة وهموم المرأة ونكباتها بفقدان الأحبة والأمان والسّلام. « وكأنّ حفيظة خاصمت الكلام، فتراجع لسانها إلى قعر حلقها، لا تحرّكه إلا لدفع اللقمة التي تبتلعها بصعوبة.ص65\ سقط على شتلات الزريعة التي كانت تنتظر الماء، فاذا بها تُسقى دماً».ص50
الجمل السّردية القصيرة ذات الكثافة اللغوية تخلق توترا لدى القارئ، تجعله يعيش اللحظة، كأنّ القصّة كُتِبت له، وعنه، فيتماهى مع السّرد، ((الأمهات اصطففنّ كأشجار مكسورة، بعضهنّ أُعيد إليهنّ التابوت مملوءاً، وبعضهنّ أُعيد إليهنّ الصّمت.)ص18\ أحفادي ينامون بلا عشاء، وأنا أعدّ أنفاسهم كي لا يضيعوا في الليل.ص73
أعتقد أن هذه المجموعة لم تكن بحاجة إلى المقدمة التي كتبها د. رضوان باديني. المجموعات الشّعرية والقصصية لاتحتاج إلى المقدمات، لقد كانت هذه العادة دارجة في فترة الثمانينات والتسعينات، كان يقوم كاتب آخر له بصمة في الساحة الادبية بكتابة المقدمة للمجموعة الاولى لكاتب جديد يدخل فضاء الكتابة بغرض تعريف القراء بالكاتب الجديد، قد تكون المقدمة ضرورية للدّراسات والابحاث والتّرجمة، لبيان طريقة العمل والمنهج، أما المقدمات للنّصوص النّثرية والشّعرية فتسلب حقّ القارئ في اكتشاف خبايا الإبداع، وتؤثّر على رأيه قبل القراءة.
الإبداع السّردي القصصي ليس كأيّ إبداع، يختلف عن الشّعر والرّواية إنه يفرض على الكاتب\ة المبدع\ة اقتناص اللّحظة الشّعورية التي يحسّ بها كلّ الناس لكنهم لا يستطيون الإمساك بها، ومواضيع تخصّهم لكنها تفرّ من أصابع الوقت وتغيب عن يني الإنسان العادي فيصوغها الكاتب في قالب سردي وبلغة تختلف لغة عامة النّاس، في قصة كذبة النجاة، تسقط فتاة برصاص غادر، لكنها لاتموت، على سرير في المشفى تتذكر امها، أباها، وآخرين، كأنهم جالسون معها:
«في تلك الليلة، لم تنم كانت تدرّب نفسها على الوحدة، وتتعلّم لغة جديدة: لغة من بقي مُقيّداً بحزن أبدي»…ص69
سأقف عند قصة «التراب المخدوع»، فيها امرأة تريد الذهاب إلى المقبرة لدفن ابنها، ستمسح جبينه، وتدفن معه خاتم الخطوبة، وتأخذ حفنة من تراب قبره لتشمّها كلما اشتاقت إليه. الصدمة كانت عند استلامها الاسم وليس الجثمان، هذه المرأة تشعر بحزن هائل، حتى جسد ابنها الشهيد غاب عنها،
نساء كثيرات شيّعن أبنائهن، لكن بعضهن استلمن التوابيت، ولا يعرفن ما بداخلها، وأخريات استلمن الأسماء فقط، لا يعرفن مصير الأبناء، «الأمهات اصطففنّ كأشجار مكسورة، بعضهنّ أُعيد إليهنّ التابوت مملوءاً، وبعضهنّ أُعيد إليهنّ الصّمت».ص18
اللحظات الزمنية على المقبرة تضاهي سنوات عجاف، تُحرق أعمارهن وفرحتهن، ويفقدنَ الثّقة بالأخبار التي يسمَعْنها.
«عدن إلى البيوت وقد كبرن عشرين سنة، وأطفأن عشرين شمعة في قلوبهن، وتعبت آذانهن من عشرين ألف كذبة».ص20، فالمجتمع لم يعد يثق بالأهداف والمبررات التي من أجلها يُساق الشباب إلى ميادين الموت، فحتى الدفن الكريم لم يحظى به الشّهداء. هذه الحالة تكررت كثيرا، وبعد سنوات سمعت الأمهات أن أبناءهن أحياء وليسوا شهداء.
القصة رغم خفوت السّير السّردي تمثل معالجة فنية لواقع مرير أحرق النسيج الاجتماعي، وهدم الثقة بين أفراد المجتمع والسلطة المفروضة على الواقع.
ورغم وجود ملاحظات في الاستهلال القصصي والخواتيم التي يمكن بسهولة تخطيها إلا أن المجموعة الخامسة هذه جديرة بالقراءة ، حيث أسلوب المعالجة مختلف ويتّسم بالرشاقة في كثير من الجمل السّردية القصيرة التي تضفي جمالية على السّرد. الريح تعوي في الأزقّة المهدّمة، تحمل رائحة البارود ممزوجةً ببكاء مكبوت.ص55\ «الخوف إن خرج من العينين، يراه الجنود».ص78
والقصص تتميّز بالمواضيع الإنسانية التي تلامس وجدان القارئ والإنسان، وترصد اللحظات المثيرة المُحزنة.