حبر الولاء – قصة قصيرة

اكرم حسين 

في صبيحة صيفية أشرقت فيها الشمس كجمرة ذائبة فوق مدينة النورين، والسماء صافية كمرآة لا تعكس إلا زرقة لا يشوبها اي شيء . سكنت المدينة هدوءها المعتاد ، إلا قاعة المؤتمرات التي تموج بالوجوه التي أتعبتها السهرات وأرهقتها الكلمات، وجوه حفرت في صفحات الكتب ما تبقى من عمر، وجاءت من أقاصي المحافظة تحمل في حقائبها أمنيات أن يكون هذا العام مختلفاً.

جلس سامي الراوي  على الطاولة  الخشبية، يطرق إصبعه على الميكروفون كعادته، حركة تكررت ألف مرة فأصبحت طقساً. عرفه الحاضرون: صوته الهادئ كنسيم المساء، نظراته الثاقبة كسيف مغمد، مؤلفاته التي لا تزال عالقة في ذاكرة المقاهي والمكتبات. كان يدير الجلسة بحيادية تبعث على الإعجاب، لا يميل ليمين ولا يسار، يستمع للجميع ويبتسم للجميع، كأنه يعلم أن الكلمة وحدها هي ما تبقى حين يتلاشى كل شيء.

وفي الصفوف الخلفية، كان موالي نعسان،  يهمس في هاتفه بصوت خفيض. رجل بلغ الخمسين، لم يشاهده أحد في أمسيات الشعر، ولم يعرف له كتاب على رفوف المكتبات ولا في فضاءات التواصل. لكنه كان يحيي هنا وهناك، يصافح هذا ويربت على كتف ذاك، كمن يزرع بذوراً في تربة لا يدري متى تنبت. كان يعرف أسماء الجميع، ويعرف نقاط ضعفهم ونقاط قوتهم، يحفظ التواريخ والمناسبات كأنه سجل ناطق.

جاء موعد الترشح للهيئة المسؤولة. تقدم سامي بورقته كعادته، دون ضجيج ولا مناشدة، وضعها في المظروف كمن يودع سراً لا يفشيه لأحد. أما موالي ، فتقدم واثقاً، يعرف أن قائمة طويلة من الأسماء ستصوت له، وابتسامة عريضة لا تفارق محياه، كمن يقرأ النتيجة قبل أن تكتب.

بدأ التصويت. كانت الصناديق الزجاجية تبتلع البطاقات البيضاء، واحدة تلو الأخرى، كأفواه صامتة لا تنطق إلا بالعدد. الوجوه: بعضها متوتر، وبعضها غير مبال، وقليل منها يبتسم ابتسامة من يعرف النتيجة قبل أن تظهر، كأنهم يتابعون فيلماً شاهدوه مراراً.

عندما فتحت الصناديق، وعدت اللجنة الأصوات، خيم صمت ثقيل كغيمة رعدية. ثم أعلنت النتيجة:

موالي نعسان: تسعة وأربعون صوتاً.

سامي الراوي : خمسة أصوات.

سقط قلم من يد أحد الحاضرين، دوّى وقعه كطلقة في القاعة. ارتسمت على وجه سامي دهشة خاطفة كبرق في ليل صيفي، سرعان ما تلاشى خلف ابتسامة رقيقة كخيال ضوء. نظر إلى الأوراق المبعثرة أمامه، ثم إلى موالي  الذي كان يتلقى التهاني كأنه فاز بجائزة نوبل، يتبادل المصافحات ويعد بالوعود التي لا تنفذ.

انحنى سامي  نحو جاره على الطاولة، وقال بصوت لا يسمعه إلا هو:

“ربما نسيت أن أكتب اسمي على أغلفة كتبي بحبر الولاء.”

تطايرت الكلمات في الهواء كغبار خفيف، ثم استقرت في قلوب من سمعها.

وفي الممر الخلفي، همس ناقد عجوز لزميله، وعيناه مثبتتان على المنصة الفارغة:

“أتدري ما الذي دخل صندوق الاقتراع؟ ليس الكتب، ولا الإبداع… إنه الولاء للجهة، طاعة القطيع.”

أجابه الآخر بصوت كالجمر تحت الرماد:

“حين تصبح العضوية حقل تجاذبات حزبية، وتتحول الانتخابات إلى استفتاء على الانتماء لا على الكفاءة، فالمؤسسات الثقافية تصير مرايا مشوهة تعكس وجوهاً غير وجوهها.”

انفض المؤتمر كسرب طيور تعبت من التحليق. خرج الجميع يجرون أذيال خيباتهم أو انتصاراتهم، تاركين القاعة لمقاعدها الفارغة، ولكرسي الرئاسة الذي لم يجلس عليه سامي أبداً، كرسي يبدو الآن أكبر من أن يملأ بجسد، وأصغر من أن يسع روحاً.

وفي اليوم التالي، وجدت سامي جالساً في مقهى “الجسر” العتيق، حيث تتساقط أشعة الشمس من النوافذ العالية كخيوط ذهب على رفوف الكتب المتراصة. كان يقرأ كتاباً قديماً، أصابعه تقلب صفحاته بتأن كمن يلمس ذاكرة بعيدة. اقتربت منه، وجلست مقابله دون استئذان، لأن المقاعد هناك كانت تعرف بأنها للجميع، كما الكتب.

سألته:

“ألن تكتب عما حدث؟”

أغلق كتابه، وأطلق نظراته تسبح في فضاء المقهى، متوقفة عند فنجان قهوة نصف ممتلئ، وعند نافذة يطل منها شارع هادئ.

“ربما… لكنني تعلمت أن القصة الحقيقية لا تكتب بالأحبار، بل بما يبقى في النفوس بعد أن تغادر الأصوات القاعة.”

صمت لحظة، ثم أكمل:

“الكتابة ليست أن تملأ الورق بالكلمات، بل أن تجعل الورق يتنفس. وما حدث أمس كان درساً في كيفية اختناق الورق ؟

نهض ودفع ثمن القهوة، ثم التفت إلي نظرة خافتة كضوء القمر في ليلة غائمة:

“الكرسي يتغير، لكن الكتابة تبقى. والمؤسسات التي تنسى هذا، ستبقى تدور في حلقتها، مهما بدلت الرؤساء واللجان. لأنها تظن أن الثقافة تبنى بالأصوات لا بالنصوص، وبالمصافحات لا بالكلمات، وبالولاء لا بالإبداع.”

مشى بعيداً تحت أشعة الشمس الحارقة التي كانت تلتصق بظهره كوشاح من نار، وترك في يدي سؤالاً وحيداً، ثقيلاً كحجر، خفيفاً كريشة في آن معاً:

كيف تبنى الثقافة بأيد لا تحمل إلا أقلام الولاء والتوقيع، لا أقلام الكتابة؟

بقيت وحدي في المقهى، أنظر إلى الباب الذي اختفى من ورائه، ثم إلى الكتاب الذي تركه مفتوحاً على الصفحة الأخيرة، حيث كان قد دوّن بخطه الصغير:

“ليس العيب أن يخسر المبدع، بل العيب أن يربح غير المبدع، والأعجب أن يظن الجميع أن ذلك طبيعي.”

أغلقت الكتاب، ودفعت ثمن قهوتي، وخرجت خلفه، لكن الطريق كان قد ابتلع خطاه، وبقي في الأفق سؤال آخر، لا يقل عن الأول إلحاحاً:

هل الثقافة وطن للجميع، أم حفلة خاصة لا يدعى إليها إلا من يحفظ الرقصة على إيقاع السلطة؟

في الأمسية نفسها، جلست أمام ورقة بيضاء، وحاولت أن أكتب ما رأيت. لكن القلم كان يتهرب من يدي، كأنه يعرف أن الحقيقة لا تختزل في سطور، وأن الخسارة أحياناً تكون انتصاراً، وأن الأصوات التي تملأ القاعات لا تحدث صدى في التاريخ، بينما الكلمة الصادقة، حتى لو لم تقل، تبقى ترن في جدار الروح إلى الأبد.

تذكرت مقولة قديمة قرأتها في أحد كتب سامي : “الكاتب الحقيقي لا ينتخب، بل يكتشف. واللجنة لا تصنع أديباً، والأصوات لا تخلق إبداعاً. الإبداع يولد في العزلة، وينمو في الصمت، ويقطف في لحظة صدق لا تشهد عليها القاعات ولا تصوت عليها الصناديق.”

أدركت أن سامي لم يخسر شيئاً حقاً. لقد خسر منصباً مؤقتاً، لكنه ربح حقيقة أبدية: أن الثقافة ليست مسابقة أصوات، بل مسيرة أرواح. وأن من يكتب بحبر الإخلاص، لا يموت كتابه، حتى لو مات على كرسي الرئاسة ذكره.

أما موالي  ومن على شاكلته، فسيحكمون قاعات فارغة، ويخطبون في وجوه تنسى ما يقولون بمجرد أن تنتهي الجلسة. لأن الكلمات التي تقال من على منصات الولاء، لا تلبث أن تتطاير كغبار في مهب الريح، بينما الكلمات التي تكتب في صمت المقهى، تبقى عالقة في ذاكرة الزمن، كوشم لا يمحى.

وفي الصباح التالي، عدت إلى مقهى “الجسر”. كان المكان نفسه، والقهوة نفسها، والكتب نفسها. لكن كرسي سامي  كان فارغاً. جلست مكانه، وفتحت دفتراً جديداً، وبدأت أكتب:

“في صباح صيفي مشرق، فوق مدينة النورين، حيث القاعة تزدحم والصناديق تبتلع الأمنيات، خسر كاتب كرسياً، وربحت الثقافة قصة. أما الباقي، فهو غبار الأصوات، ووهم الانتصارات، وحبر الولاء الذي لا يكتب سوى أسماء من يمرون، ولا يخلد إلا وجوهاً سرعان ما تمحوها رياح النسيان.”

أغلقت الدفتر، وابتسمت. لأنني عرفت أن القصة الحقيقية لم تنته بعد. هي فقط بدأت، حين سقط القلم من يد أحدهم، وحين همس الناقد في الممر، وحين مشى سامي  تحت الشمس الحارقة، تاركاً خلفه سؤالاً لا يجيب عنه إلا الزمن.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف

في القرن السادس قبل الميلاد، كان العالم الاغريقي على موعدٍ مع ولادة كلمة جميلةٍ في حروفها، سلسة في لفظها، جليلة مهيبة في معناها، رحبةٌ في تعريفاتها، مفتوحة في موضوعاتها. لم يدُر بخلد أحد وقتذاك أن هذه الكلمة سوف تعبر الآفاق وتجتاز القارات والمحيطات لتغدو من أشهر الكلمات، وأكثرها تداولاً في لغات العالم قاطبة، إنها…

تتقدم هيئة تحرير ولاتي مه بأصدق التهاني إلى الكاتب والصديق العزيز صديق ملا بمناسبة نجاح العملية الجراحية التي أجراها في مستشفى Klinikum Herford بألمانيا، سائلين الله أن يمن عليه بالشفاء التام، وأن يديم عليه نعمة الصحة والعافية.

ويسرنا أن نطمئن على سلامته، ونتمنى له عودة قريبة إلى أهله وعائلته، وإلى ساحة الكتابة والإبداع، ليواصل…

تنكزار ماريني
مقدمة: تفكيك نظام الفهم التقليدي

من خلال مقاله “موت المؤلف” (La mort de l’auteur) المنشور عام 1967، أحدث المنظر الأدبي الفرنسي رولان بارت واحداً من أكثر التحولات الجذرية في المنظور في تاريخ الدراسات الأدبية الحديثة. يوجه نصه نقداً لفكرة هيمنت لقرون طويلة: وهي أن معنى العمل الأدبي يمكن استنباطه في المقام الأول من شخصية مبدعه،…

أصدرت منشورات رامينا في لندن مسرحية جديدة «تحت شجرة التين» للكاتب الكردي العراقي هوشنك وزيري، في عمل أدبيّ يستعيد واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ الكردي الحديث، عبر معالجة مسرحية تنفتح على أسئلة الذاكرة والعدالة والغياب، وتتّخذ من حملة الأنفال وما خلّفته من مآسٍ إنسانية منطلقاً لبناء عالمها الدراميّ.

تمتدّ المسرحية في فضاء إنساني يتجاوز…