حين تتغيّر أنظمة الحقيقة

صبحي دقوري

أريد أن أتحدث عن كتاب لا يوفر قراءة سهلة للقارئ، ولا يطمئن أفكاره، بل يحركها من جذورها. بمجرد أن تفتح الكتاب، تشعر كأن شيئا قويا يجبرك على التفكير في أفكارك الأساسية، مثل المعرفة، واللغة، وطبيعة الإنسان.

هذا الكتاب هو “الكلمات والأشياء” لميشيل فوكو.

يجب علينا أولاً أن نتبين ما يقوم به فوكو في هذا الكتاب. فهو لا يقدم تاريخ الأفكار كمسار مشرق أو تقدم مميز للعقل، بل على العكس تمامًا. يكشف أن كل فترة تاريخية تفكر ضمن إطار غير مرئي، ووفق قواعد تحدد ما يمكن التفكير فيه، وتحت سلطة نظام معين للحقيقة. ولا يبقى هذا النظام ثابتًا، بل يتغير، وفي بعض الأحيان يتغير بشكل مفاجئ وعنيف، دون أن ندرك مدى هذا التحول.

يبدأ فوكو بمشهد شهير يتسم بالدهشة: تصنيف صيني للحيوانات ذكره الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، حيث تُنظم الحيوانات وفق تقسيمات تبدو لنا غريبة وغير منطقية. يعود السبب إلى أن هذا التصنيف يهدم الطريقة التي اعتدنا بها على تنظيم الأشياء، ويكسر بداهتنا المعتادة.

وهنا يقدم فوكو درسه الأول: ما يبدو لنا طبيعيًّا قد يكون في حقيقته ثقافيًّا، وما نحسبه بديهيًّا قد يكون بناءً تاريخيًّا صنعته اللغة والمعرفة والسلطة.

وبعبارة أخرى، نحن لا نعيش في العالم كما هو في ذاته، بل نعيش في العالم كما تسمح لنا تصنيفاتنا الذهنية واللغوية بأن نراه.

ينطلق فوكو من هذه الفكرة ليعود عبر الزمن، واصفًا ثلاثة أنظمة معرفية كبرى، أو ثلاث «ابتسامات»، أي ثلاث طرائق نظمت بها الحضارة الغربية معرفتها، وفهمت من خلالها الإنسان والعالم.

في عصر النهضة، كان العالم يُفهم عن طريق التشابه. الأشياء تتجاوب، وتتبادل الانعكاسات، ويحاكي بعضها بعضًا. وكان الوجود يُقرأ كما لو أنه كتاب ضخم، تتجاور فيه العلامات، وتختبئ المعاني داخل أوجه الشبه والتماثل والمماثلة. المعرفة آنذاك كانت نوعًا من قراءة العالم، والبحث عن الروابط السرية التي تجمع عناصره المتباعدة.

ثم جاء العصر الكلاسيكي، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، زمن الرسام الإسباني دييغو فيلاسكيز ولوحته الشهيرة «الوصيفات»، فبدأ عهد التمثيل.

أصبحت المعرفة تعني التصنيف والترتيب والتسمية ووضع الأشياء داخل جداول واضحة. تحولت الطبيعة إلى شبكة منظمة، وصارت اللغة أداةً دقيقة لتمثيل الواقع. وساد الاعتقاد بأن العالم يمكن احتواؤه داخل جدول محكم، وأن كل شيء يستطيع أن يجد مكانه واسمه ورتبته.

كان ذلك عصر التصنيفات، والأنظمة، والجداول، والتقسيمات الكبرى.

ثم حلّ القرن التاسع عشر، ووقعت قطيعة معرفية عميقة. لم يعد العالم مجرد سطح ينبغي تصنيفه، بل أصبح عمقًا ينبغي استكشافه. ولم تعد المعرفة تكتفي بترتيب الموجودات، وإنما راحت تبحث في الحياة والعمل واللغة بوصفها حقائق تاريخية متحركة، تخضع للتحول والصراع والزمن.

في ذلك العصر نشأت البيولوجيا، والاقتصاد السياسي، وفقه اللغة، وظهرت معها شخصية معرفية جديدة احتلت مركز التفكير: الإنسان.

وهنا يوجّه فوكو ضربته الفكرية الكبرى.

فالإنسان، هذه الشخصية التي تبدو لنا أزلية وعالمية، ليس في نظره سوى اختراع حديث. لقد ظهر في لحظة معينة من تاريخ المعرفة، وقد يأتي يوم يختفي فيه بوصفه مركزًا لكل معرفة.

وصيغة فوكو الشهيرة تقول إن الإنسان اختراع تكشف أركيولوجيا فكرنا بسهولة حداثة عهده، وربما اقتراب نهايته.

لا يقصد فوكو أن الكائنات البشرية سوف تختفي، وإنما يعني أن الطريقة التي اعتدنا بها التفكير في «الإنسان» بوصفه مركز المعرفة ومرجعها النهائي ليست أبدية. إنها وليدة ترتيب تاريخي معين للمعرفة، وقد تزول حين يظهر ترتيب جديد.

وهذه الفكرة وحدها ينبغي أن تجعلنا أكثر تواضعًا.

هذه هي البنية الأساسية للكتاب: أركيولوجيا للعلوم الإنسانية، ونقد للوهم الذي يجعلنا نعتقد أننا المركز الطبيعي للعالم، وأن تصنيفاتنا الراهنة هي الصورة النهائية للحقيقة.

لكن ماذا يمكن أن يقدم لنا كتاب «الكلمات والأشياء» اليوم، في عام 2026؟

يقدم لنا، أولًا، درسًا في اليقظة الفكرية. فخلافاتنا لا تدور حول الآراء وحدها، بل حول الأطر التي تجعل هذه الآراء ممكنة. نحن نتجادل بشأن كلمات مثل الهوية، والأمن، والتقدم، والحرية، والعدالة؛ لكننا كثيرًا ما ننسى أننا لا نعطي هذه الكلمات المعاني نفسها، لأننا لا نسكن نظام الحقيقة نفسه، ولا ننظر إلى العالم من داخل التصنيفات ذاتها.

إدراك هذا الاختلاف قد ينزع سلاح جزء كبير من حرب الروايات المتصارعة.

ويقدم الكتاب، ثانيًا، درسًا في العلاقة بين المعرفة والسلطة. لا يكتب فوكو كتابًا سياسيًّا بالمعنى الحزبي المباشر، لكنه يكشف حقيقة شديدة الأهمية: من يتحكم في المعرفة يتحكم، إلى حد بعيد، في حدود الممكن.

حين تفرض جماعة أو مؤسسة أو دولة تصنيفاتها على المجتمع، فإنها لا تفرض عليه الكلمات وحدها، بل تفرض أيضًا ما تعتبره طبيعيًّا، ومعقولًا، ومقبولًا، وقابلًا للتفكير.

لهذا يصبح كتاب فوكو أكثر أهمية وإثارة في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية جديدة، بل هو أداة ضخمة لإنتاج التصنيفات، المقارنات، الارتباطات، الملفات الشخصية، والتوقعات. إنه، بتعبير آخر، نظام جديد وشبكة جديدة وفهم جديد للعالم والإنسان.

كأن ميشيل فوكو ينبهنا من بعيد: انتبهوا؛ فكل نظام يمارس نوعًا من السلطة، وكل تصنيف يتضمن معيارًا، وكل نموذج يشكل عالمًا يجعل بعض الأشياء مرئية، بينما تُدفع أشياء أخرى إلى الظل.

كما يقدم الكتاب تحذيرًا من الخلط بين الكائن البشري ومفهوم “الإنسان” الذي تصنعه المؤسسات والمعارف.

نحن نعيش في زمن يتم فيه تحديد الأفراد وتصنيفهم، وتلصق بهم هويات، ويُخْتَزَلُون إلى بيانات ومتغيرات وأرقام. ويذكرنا فوكو بأن تصنيفاتنا للإنسان تاريخية وهشة وقابلة للنقاش والمراجعة.

وهذا لا يقود إلى نسبية فكرية كسولة تزعم أن كل شيء متساوٍ، بل يدعونا إلى اليقظة والحذر. فالمجتمع الذي ينسى أن تصنيفاته مصنوعة تاريخيًّا سرعان ما يحوّلها إلى جواهر ثابتة وحقائق أبدية. والجوهرية هي الخطوة الأولى على طريق تجريد الإنسان من إنسانيته.

أما الدرس الرابع فهو التواضع الفكري.

يخبرنا فوكو على الاعتراف بأن بداهاتنا مؤقتة، وأن حداثتنا ليست خاتمة التاريخ، بل تكوين معرفي من بين تكوينات أخرى. وهذا التواضع لا يمثل ضعفًا، بل هو قوة فكرية وأخلاقية، لأنه يجعل الحوار ممكنًا، ويمنعنا من تحويل أفكارنا إلى أسلحة مطلقة نواجه بها الآخرين.

ماذا نفعل، إذن، بهذا الكتاب؟

يمكن أن نستخلص منه ثلاثة مواقف عملية.

الموقف الأول: عندما يشتعل نقاش ما، ينبغي ألا نسأل فقط: من المصيب ومن المخطئ؟ بل نسأل أيضًا: ما التصنيفات التي تتحكم في هذا النقاش؟ من يملك سلطة التسمية؟ من يحدد معاني الكلمات؟ ومن يمتلك القدرة على تصنيف الناس ووضعهم داخل خانات بعينها؟

الموقف الثاني: عندما تعدنا تقنية ما، كالذكاء الاصطناعي، بالموضوعية والدقة، علينا أن نسأل: أي جدول تبنيه هذه التقنية؟ ماذا تجعل مرئيًّا؟ ماذا تخفين؟ من ينتفع من تصنيفاتها؟ ومن يتحول، داخل نماذجها، إلى مجرد رقم أو احتمال أو ملف؟

الموقف الثالث: عندما يصبح المجتمع أكثر قسوة، علينا أن نسأل: أي إنسان يصنعه هذا المجتمع؟ هل يصنع إنسانًا مختزلًا في الإنتاج والأداء؟ أم إنسان محصور في هويته؟ أم فردًا لا قيمة له إلا بقدر امتثاله للقواعد السائدة؟

وماذا يبقى، وسط عملية التصنيع هذه، من كرامة الكائن البشري وتفرده وحريته؟

كتاب «الكلمات والأشياء» ليس مجرد دليل يقدم إجابات جاهزة، بل هو بمثابة مرآة تكشف لنا أن المعرفة ليست محايدة بالكامل، وأن تصوراتنا لها تاريخ خاص، وأن مصير الإنسان يتشكل أيضًا من خلال كيفية تنظيمنا وتصنيفنا وتسميتنا للعالم من حولنا.

وفي ختام حديثي، أود أن أطرح سؤالًا عن المستقبل بروح ميشيل فوكو.

يعتقد عصرنا أنه عصر حديث بفضل امتلاكه لآلات قوية، لكن الحداثة الحقيقية قد تكمن في قدرتنا على التفكير بطرق مختلفة عن تلك التي تحددها الآلات؛ وفي رفضنا أن يقرر الجدول وحده ما هو الواقع؛ وفي تذكير أنفسنا دائمًا بأن وراء الكلمات توجد أشياء، ووراء تلك الأشياء توجد حيوات بشرية.

وإذا فقدنا هذا الرابط، فلن نخسر نقاشًا فكريًّا فحسب، بل قد نخسر شيئًا أثمن بكثير:

إنسانيتنا.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

زَرْدَشت أوزتورك

الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود

٣ نيسان ٢٠٢٥

” فجأة انقطع صوت الناي. بزغت الشمس من قمة جبل آكَري كسماء زرقاء. استعاد صوفي وعيه. نظر البعض إلى الحصان، والبعض الآخر إلى الباب. رفع الحصان رأسه ناظراً إلى صوفي بعينيه الواسعتين.

تسلل خوفٌ مجهول إلى قلب صوفي…”

من “أسطورة جبل آكَري Efsaneya Çîyayê Agirîyê”

في التسعينيات، في جامعة ستانبول، كنا…

نصر محمد / ألمانيا

التقيت مؤخراً بالشاب الخلوق جوان أحمه ، نجل الصديق الشاعر عبد الباري أحمه ، على هامش الأمسية الشعرية الحوارية التي أقمناها في منتدى بغداد الثقافي ببرلين ، بمشاركة الشعراء علي مراد ومصطفى عليكو وميديا شيخة والشاعرة العراقية وفاء الربيعي .

بعد الأمسية استضافنا جوان في منزله وأهداني ديوان والده “كش ملك”. سعدت بقراءته،…

لوند حسين*

في مثل هذا اليوم 8 آب 1964، كان يوم قدومي إلى هذه الدنيا.

ووفق ما روته لي والدتي، فإن ولادتي لم تكن ولادةً عادية؛ فقد كانت حالتي الصحية صعبة إلى درجة أن من حول عائلتي لم يكونوا يصدقون أنني سأبقى على قيد الحياة؛ وفي ذلك الزمن، لم تكن الخدمات الطبية متوفرة كما هي اليوم، ولم…

دوسلدورف- خاص: أقام تجمع المعرفيين الأحرار أمسية شعرية في مدينة دوسلدورف، يوم السبت 08.08.2026، استضاف خلالها الشاعر حفيظ عبد الرحمن، في لقاء ثقافي احتفى بالكلمة والشعر ودور الأدب في تنمية الوعي الإنساني.
أدار الجلسة مدير مبادرة تجمع المعرفيين الأحرار، الكاتب ريبر هبون، الذي استهل الأمسية بالتأكيد على ضرورة الالتفاف حول المتنورين والمثقفين والمبدعين، والمضي قدماً نحو…