مقالات مترجمة

فخرية أدساي: ماذا تفعلون باللغة التركية؟

الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود

لقد دخلنا فترة زمنية تستوجب علينا العودة إلى الوراء لنتبين أين أخطأنا. بصيغة أخرى، إنه وقتٌ للتأمل الذاتي العميق من زوايا متعددة. إن تأملاً كهذا —أي مواجهة المرء لنفسه— هو السبيل الوحيد للمضي قدماً؛ وكلما كان هذا التأمل أكثر عمقاً ورسوخاً، كان ذلك أفضل. وبقدر ما تسمح لي الظروف، أتابع ما يُنتج داخل مجتمعنا الكردي من كتابات وبودكاست ومقاطع مرئية، سواء باللغة التركية أو الكردية. وفي تقديري، خلال هذه المرحلة الحرجة، تظل قضية اللغة —وتحديداً استخدام اللغة الكردية (أو غياب هذا الاستخدام) وما يترتب على ذلك من مشكلات، لا سيما في مجالي القراءة والكتابة— محجوبةً بظل السياسة، كما كانت دائماً. ونظراً لأن الأجندة السياسية مثقلة بالفعل، يتم استبعاد النقاشات حول اللغة مجدداً باعتبارها “ترفاً”، أو مجرد تفصيلٍ ثانوي، أو قضيةً هامشيةً لم يحن أوانها بعد. إذ يسود منطقٌ يقول: “لنؤجل هذا الأمر لوقتٍ لاحق؛ ربما سيأتي دوره بعد ’الثورة‘!”.
إن مسألة الانخراط في اللغة الكردية لها تاريخها الخاص، أو بالأحرى، هي تمثل تكراراً تاريخياً. فـ “جلادت علي بدرخان” —مؤسس مجلة “هاوار” (Hawar)، وهي أول مجلة صدرت حصراً باللهجة الكرمانجية، والذي يُعدّ ربما أول من أصرّ بثبات على تطوير اللغة الكردية (ليصبح بذلك منارةً تمضي بنا نحن الكرد الملمين بالقراءة والكتابة باللغة الكردية)— لم يلتفت إلى المسألة اللغوية إلا بعد أن فقد كل أملٍ في السياسة، وذلك حين تلاشت فعلياً الظروف المواتية للعمل السياسي. وبالنسبة لجيل الكُرْد المنخرطين في العمل السياسي منذ ستينيات القرن الماضي وما تلاها، ظلت قضية اللغة هماً ثانوياً مؤجلاً. وبالمثل، لم تكن اللغة الكردية حاضرةً على أجندة الكوادر السياسية في ثمانينيات القرن العشرين؛ صحيحٌ أن الحظر المفروض على اللغة الكردية قد رُفع تدريجياً بفضل نضال الكُرْد، لكن بالنسبة لهم، لم يكن ذلك أكثر من بادرة سطحية وشكلية؛ مجرد أداة لا أكثر. فسياسة “الأخوة” -التي كانت تهدف إلى دمقرطة تركيا- حالت دون حصول اللغة الكردية على مكانةٍ لها في المجال السياسي. ومع أن باباً قد فُتح في مجالي الأدب والنشر، إلا أن واقعنا الراهن يكشف بوضوح عن القيود المتأصلة في لغةٍ تفتقر إلى إطار سياسي وطني، أو -على العكس من ذلك- في حركةٍ سياسيةٍ تفتقر إلى اللغة الكردية. التقيتُ مؤخراً بكاتبٍ قضى 31 عاماً في السجن -وكان قد أُطلق سراحه قبل أقل من عام- واستمعتُ إلى رواياته حول القراءة والكتابة باللغة الكردية أثناء فترة اعتقاله. وصفَ لي كيف كانت جهوده -وجهود أقرانه- تُقابَل في البداية بالاستخفاف وتُعتبر عديمة القيمة تماماً”1″. في الواقع -باستثناء عمل قلةٍ من النشطاء المتفانين في خدمة اللغة الكردية، ودائرةٍ ضيقةٍ اهتمت بها، وبدوا كواحةٍ في صحراء (رغم أنهم هم أنفسهم لم يولوا اهتماماً كبيراً للسياسة التركية أو لسياسة إقصاء الكُرْد)- لم تكن اللغة الكردية، لفترةٍ من الزمن، سوى أداةٍ مفيدةٍ للكوادر السياسية؛ أما الآن، فلم تعد حتى ذلك…

قد يراود المرء أملٌ -على غرار ما فعله “جلادت” حين كثّف جهوده في اللغة الكردية عقب هزيمةٍ سياسية- بأن يدفع هذا التراجع السياسي الراهن بالمزيد من الناس إلى إيلاء الاهتمام للغة الكردية أو وضعها في صدارة المشهد. غير أن الظروف والأحوال الراهنة تختلف اختلافاً جذرياً عما كانت عليه قبل قرنٍ من الزمن؛ وهو أمرٌ يمكن اعتباره ميزةً أو عيباً في آنٍ معاً. ومع ذلك، حتى لو تحقق هذا الأمل، فلن يعني ذلك سوى أننا تأخرنا مجدداً؛ وسيكون بمثابة تكرارٍ للماضي -وإن كان، بلا شك، أفضل من العدم المطلق. نحن اليوم نواجه تبعات السياسة التركية التي طُبقت على مدى السنوات الستين الماضية. ولا أعلم إلى أي مدى يمكن أن تصل الجهود والمبادرات اللغوية دون دعمٍ من قوةٍ سياسيةٍ وطنية. إلى أي مدى يمكن لحركة مثل “فيجين: انبعاث” (Vejîn) -التي تحمل في طياتها روحاً وطنية- أن تتقدم فعلياً؟ وإلى أي حد يمكن أن تنمو، وفي أي اتجاه ستمضي؟ هل من الممكن أن تظهر حركات مدنية أخرى مشابهة؟ أم أن هذا الإخفاق الأخير سيقضي على كل أملٍ متبقٍ؟ وما هي العقبات التي ستتفق الدولة وبيروقراطيو أوجلان على وضعها هذه المرة؟ في رأيي، لا يزال بإمكان الأمل أن يجد مساحةً ليتجذر ويزهر من جديد. ومع أن مدى نموه يعتمد على الظروف الإقليمية والعالمية، تظل الحقيقة قائمةً بأنه -مهما كانت تلك الظروف مواتية- إذا افتقرنا إلى الرغبة والإرادة والمثابرة وبذل الجهد، فإن أكثر الظروف ملاءمةً ستمر دون أن نستفيد منها.

***
حين بدأ “جلادت” الكتابة باللغة الكردية، لم تكن لديه حتى أبجدية؛ فكان عليه أن يبتكر واحدة بنفسه. ورغم إقامته في مدينة دمشق -محاطاً بالعرب وبعيداً عن قرائه- فقد حقق من النجاح ما كان ممكناً في ظل تلك الظروف. أما اليوم، فلدينا عشرات دور النشر، وآلاف المجلات والكتب الكردية، ومساحات رقمية متنوعة تسعى من خلالها اللغة الكردية إلى شق طريقها الخاص. ومع ذلك، تظل هناك مشكلة “صغيرة”: لقد تراجعت اللغة الكردية -أو هي في طور التراجع- عن سلم أولويات الغالبية العظمى من الكُرْد (في الشمال). ورغم أن المرحلة الراهنة تتسم بحيوية لافتة على صعيد النقد والتقييم -وإن جاء ذلك متأخراً- إلا أنها تظل سطحية، وتتمحور في الغالب حول الأحداث اليومية. وكما كان الحال في الماضي، يتم مجدداً تهميش القضايا الجوهرية لصالح موضوعات كبرى أو قضايا عابرة وملحة. وبالطبع، ليست اللغة وحدها هي التي تتعرض للإهمال، بل هناك قضايا جوهرية أخرى يجري تجاهلها أيضاً. إذ لا يزال النقد والتحليل محصوراً في ممارسات وخطابات تنظيمٍ بعينه أو فردٍ بعينه؛ فلا تظهر أجندة بديلة، ولا يتسع نطاق الخطاب النقدي، في وقتٍ تشتد فيه الحاجة إلى مثل هذا التوسع. ويبدو من المرجح جداً أن الانجذاب نحو الحلول المختصرة والمسارات السهلة سيقودنا مجدداً إلى الضياع.

***

سوى أنني لن أغوص في تفاصيل كثيرة في هذا المقال؛ بل سأكتفي بالتركيز على مسألة القراءة والكتابة باللغة الكردية. وحين أنظر إلى الفضاء العام الكردي الأوسع -حيث تبدو الأصوات التركية هي الأكثر بروزاً- أشعر بفتورٍ في همّتي. ينتابني شعورٌ بأنني عشتُ هذا المشهد من قبل؛ فلا شيء تغير، بل إن الأمر لم يعد حتى مطروحاً للنقاش. في الحقيقة، أستحضر أحياناً النقاشات التي دارت في السنوات التي تلت عام 2010 (ورغم أنها كانت موجودة قبل ذلك، إلا أنني شعرت بأنني كنت جزءاً أكبر منها في تلك الفترة)، وأجد نفسي أحنّ إلى تلك الأيام؛ فقد كانت نقاشات تتسم بكثافة عالية ودافعية قوية. أما الآن -لا سيما في مجال الكتابة- فبناءً على النقاشات (وأحياناً الصراعات) التي أخوضها مع من حولي، أشعر بأن الأمل في أن تصبح اللغة الكردية لغتنا المشتركة قد تلاشى تماماً. حتى وإن بقي بصيص من الأمل، يرى الناس أنه لا يستحق العناء؛ إذ يفضل معظمهم البقاء على مسافة، بانتظار أن يبادر الآخرون.
وفي خضم هذه النقاشات، تُطرح حججٌ عدة لإضفاء الشرعية على الكتابة أو التحدث باللغة التركية في المجال العام. ومن هذه الحجج: “أريد أن تصل انتقاداتي وآرائي وكلماتي إلى الجمهور المستهدف”. يتألف جمهوري من الكُرْد، لكنهم لا يقرؤون أو يستمعون باللغة الكردية؛ بل إن الكثيرين منهم لم يعودوا يتقنون هذه اللغة أصلاً. حين التقيتُ “إبراهيم خليل باران” لأول مرة، انتقدتُ كتابته باللغة التركية. فأوضح لي وجهة نظره متسائلاً: كم عدد الأشخاص الذين يمكنني الوصول إليهم فعلياً من خلال أعمالي باللغة الكردية، وما مدى تأثيري؟ لقد مرّ أكثر من عقد من الزمن، وبات واضحاً أن باران قد أثّر في كثيرين، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومع أنه من المتعذر قياس حجم هذا التأثير بدقة، إلا أننا نعلم أن كتاباته تحظى بقراءة واسعة، وأن مقاطعه المصورة تحصد نسب مشاهدة عالية. فهو يمتلك رأياً في كل قضية راهنة، ويستطيع صياغة آرائه وعرضها على قرائه ومستمعيه بأسلوب متماسك ومنظم. وبالنظر إلى الواقع الراهن، يمكن القول إن انتقادات باران وتعليقاته وتحليلاته -التي كتبها بالتركية وركز فيها على سياسات حزب العمال الكردستاني (PKK)- لم تمنع حدوث المآل الذي نراه اليوم. ومع ذلك، تظل الحقيقة قائمة: لقد أصبحت التركية اللغة المهيمنة حتى داخل الأوساط المناهضة لحزب العمال الكردستاني، والأوساط القومية، وتلك المناهضة للاستعمار؛ وهو اتجاه يزداد رسوخاً بمرور الوقت. ولو أن باران عبّر عن موقفه باللغة الكردية، فربما كانت النتيجة السياسية ستظل كما هي؛ لكن ألم يكن ذلك ليُسهم في تعزيز مكانة اللغة الكردية وهيبتها؟
ثمة مثال حديث يتمثل في بهروز شجاعي Behrûz Şucayî وكمال سليماني؛ فعلى الرغم من كونهما من “روجهلات” (كردستان إيران)، إلا أنهما يخاطباننا باللغة التركية، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو من خلال كتاباتهما ومقاطعهما المصورة. وفي العام الماضي، صدر لهما كتاب باللغة التركية أيضاً.”2″. قبل بضع سنوات، أجرت مجلة “الدراسات الكردية” (Kürd Araştırmaları) مقابلة مصورة مع سليماني باللغة التركية؛ حينها عبّرت له عن استيائي، متسائلاً عن سبب اختياره مخاطبتنا بالتركية. وقبل ذلك بسنوات، كنت قد ترجمت مقالاته من الإنجليزية إلى الكردية، وصدرت لاحقاً في كتاب عن دار “بيوند” (Peywend) للنشر.”3″. كان يرغب في أن يصدر ذلك الكتاب بالتركية أيضاً، لكنني لم أرغب في ترجمته إليها؛ فصدر في نهاية المطاف باللغة الكردية، وإن كان ذلك ربما لم يلقَ رضاه التام. كان تبرير سليماني هو أن الكُرْد في “باكور” (شمال كردستان) لا يتحدثون الكردية ولا يقرؤون بها؛ وبعبارة أخرى، كان يرى أنه لا أمل يُرجى للغة الكردية في “باكور”، ويبدو أن هذا الوضع لا يزال قائماً حتى يومنا هذا. في الحقيقة، ومنذ لقائي الأول به، منحني سليماني -باعتباره كردياً ينتمي إلى الوسط الأكاديمي- شعوراً بالأمل. علاوة على ذلك، أسعدني كونه من “روجهلات”، إذ يبيّن ذلك أن كردياً من جزء آخر من كردستان قد يشاركني، في كثير من الأحيان، طريقة تفكير مشابهة لطريقتي. ونظراً لهذا الأمل الذي عقدته عليه، وبسبب خلفيته المرتبطة بـ”روجهلات”، فإن استخدامه للغة التركية يزعجني أكثر بكثير مما لو صدر الأمر ذاته عن كُرْد من “باكور”. أما بالنسبة لبهروز شجاعي، فقد تعرفت عليه لأول مرة من خلال أعماله المتعلقة باللغة، وكذلك من خلال نقده وتقييماته لواقع اللغة الكردية في الشمال؛ إذ شعرت بوجود تقارب بيننا، على المستويين اللغوي والسياسي. لم أسأله بشكل مباشر، لكنني أظن أنه -تماماً مثل سليماني- يعتقد أن الكُرْد في الشمال بحاجة ماسة إلى سماع صوت يكشف الحقيقة، في حين أن اللغة الكردية بحد ذاتها لا يمكنها القيام بهذا الدور. على الرغم من أهمية آرائهم، إلا أنها في الوقت ذاته تبدد آمالي؛ فمن خلال استخدامهم للغة التركية، لا أرى سوى هيمنة اللغة التركية والدولة التركية وسطوتهما علينا. ونتيجة لذلك، تفقد أفكارهم ووجهات نظرهم كل قيمة في نظري.

ويوجد أيضاً شخص آخر أعرفه من الشرق [روجهلات]، سبق أن أرسل لي في مناسبات عدة روابط لكتاباته باللغة التركية. وفي المرة الأخيرة، لم أستطع إقناع نفسي بقراءتها، وشعرت بأنني مضطر لأن أقول له: “كلما رأيت شخصاً من جزء آخر [من كردستان] يكتب باللغة التركية، يتحطم كياني تماماً”. كانت ردة فعله غير متوقعة على الإطلاق؛ إذ اتهمي بأنني “دكتاتور” -وهو وصف بات يتردد على مسامعي كثيراً حتى صار أمراً معتاداً- وادعى أنه لا يحق لي الاعتراض على خياره الكتابة باللغة التركية. بل إنه طالبني بالاعتذار! أما مبرره للكتابة بالتركية، فكان أن أنصار “حزب المساواة والديمقراطية” (DEM Party) لا يقرؤون باللغة الكردية، وبالتالي لن يطلعوا على انتقاداته. هل يُفترض بنا نحن في “الشمال” أن ننتظر القادمين من “الشرق” ليشرحوا لنا الحقيقة باللغة التركية؟ أم هل يُعقل أن يظن أحدهم أن أنصار هذا الحزب، لو قرؤوا كتابات كاتبٍ من الشرق باللغة التركية، سيستيقظون فجأة من سباتهم العميق؟!
بعبارة أخرى، أصبحت القضية التي طرحها “باران” قبل عشر سنوات فيما يخص “الشمال” ذات أهمية بالغة اليوم، لدرجة أننا وجدنا أنفسنا نخوض نقاشاً حول “التركية أم الكردية؟” مع القادمين من “الشرق” أيضاً. وهذا أمر يثير قلقي البالغ؛ إذ يذكرني بالوضع في العديد من الدول الأفريقية، حيث تحولت لغة المستعمرين السابقين -بعد حقبة من الاستعمار الوحشي والقاسي- إلى لغة مشتركة؛ بل أصبحت ضرورة، كونها الوسيلة الوحيدة التي يمكن لهذه الشعوب التواصل من خلالها. ويمكن وصف هذا الوضع اليوم بدقة بأنه “استعمار جديد” (neo-colonialism)؛ وهي ظاهرة تلعب فيها اللغة دوراً محورياً، كما أوضح “نغوجي وا ثيونغو” (Ngugi Wa Thiong’o) ” 4 “. هل يُعقل أن ينتهي بنا المطاف يوماً ما إلى أن تكون اللغة التركية هي اللغة المشتركة التي تجمعنا -نحن أبناء الشمال والجنوب والشرق، وحتى الغرب-؟! انظروا إلى عفرين، حيث يرفرف العلم التركي؛ ينظر الجنوب إلى تركيا باعتبارها “الأخ الأكبر” -أو ربما يجد نفسه مضطراً للنظر إليها على هذا النحو-؛ أما القادمون من الشرق، فبعضهم يخاطبنا باللغة التركية، بينما يدافع آخرون منهم أمامنا عن حزب العمال الكردستاني (PKK)، مما يدفعنا إلى الدخول في صدام معهم حول هذه المسألة أيضاً. باختصار، نحن نسير مجدداً في طريقٍ لا يؤدي إلى أي مكان.

***
أما السبب الثاني -الذي كثيرًا ما يذكره الباحثون- فهو رغبتهم في أن يقرأ الأتراكُ كتاباتِهم وأبحاثَهم، فيتعرفوا علينا ويتخلصوا من جهلهم وأحكامهم المسبقة. وأتساءل هنا: أيُّ هذين السببين يزعجني أكثر؛ الأول أم هذا الثاني؟ في تقديري، لا يختلف هذا التبرير كثيرًا عن ذلك الموقف السياسي الذي يزعم: “سنجعل الأتراك وتركيا ديمقراطيين”. وبالطبع، من المستحيل قياس مدى صدق مثل هذا الطرح؛ فهل يستخدمونه مجرد أداةٍ لإضفاء الشرعية على أعمالهم، أم أنهم يؤمنون حقًا بأن المشكلة تكمن فقط في “جهل” الأتراك، وأنهم لو عرفوا الحقيقة من خلالنا، لغيّروا آراءهم أو سياساتهم أو مواقفهم تجاهنا -وربما شعروا بالتعاطف، مما يؤدي بدوره إلى انهيار تراتبية الهيمنة والتبعية؟ في رأيي، كلا التصورين بعيدان كل البعد عن الواقع، ولا يخدمان سوى استغلالنا. ولنأخذ الراحل “قدري يلدريم” (Kadri Yıldırım) مثالًا؛ فقد اختار -وهو الذي عُرف -من بين إنجازات أخرى- بكونه مديرًا لمعهد اللغات الحية في جامعة ماردين- أن يكتب مؤلفاته باللغة التركية. وقد انتقدتُه حينها لعدم الكتابة بالكردية، فكان رده أنه يريد من الأتراك أيضًا أن يقرأوا ويتعلموا. وسواء قرأ الأتراكُ كتبَه بالفعل واستفادوا منها أم لا، فهذا أمرٌ لا يمكننا التحقق منه؛ لكننا نعلم يقينًا أن الأتراك -أو دولتهم- يسعون اليوم إلى إحكام قبضتهم علينا أكثر فأكثر، مستخدمين قيودًا أكثر تعقيدًا وصرامة، دون تقديم أدنى تنازل. وفي هذه الحالة، ألم يكن من الأجدى للغتنا لو أن “ماموستا قدري” كتب مؤلفاته بالكردية؟
أو يمكن للمرء أن يسأل صاحب هذا التبرير: ما هو دافعك الحقيقي لإجراء أبحاث حول الكرد؟ هل هي مجرد وظيفة تقتات منها؟ هل تُعد الأبحاث حول الكرد وسيلةً لك لبناء مكانةٍ أو مسيرةٍ مهنيةٍ داخل المجتمع؟ وهل الدوافع الكامنة وراء “الدراسات الكردية” هي ذاتها الدوافع الكامنة وراء دراسة -على سبيل المثال- اللغة اللاتينية؟ هل حقاً لا يوجد فرق في الدوافع بين الأمرين؟ أم أن المساعي التي تبدأ بمُثلٍ عليا تصطدم في نهاية المطاف بجدار الواقع — ذلك الجدار الذي يستحيل إحداث ثغرة واحدة فيه؟…

***

وهناك سببٌ ثالث للكتابة باللغة الكردية، وهو أن اختيار اللغة قد فقد -في الوقت الراهن- كل دلالة؛ ذلك لأن نظام الاستعمار قد ترسخ بعمق داخل عقولنا ذاتها. فحتى وإن كانت لغتنا كردية، فإن عقولنا ومنطقنا تركيان؛ وحتى لو تخلصنا من اللغة التركية، فسنظل عاجزين عن التحرر من “الروح التركية” التي تغلغلت فينا. حسناً، هذه وجهة نظرٍ تستحق التأمل. وللأسف، فهي أعمق بكثير وأكثر إحباطاً من السببين الأولين، إذ تحمل في طياتها شعوراً بيأسٍ لا نهاية له؛ فهي توحي بأنه لم يعد هناك سبيلٌ للتحرر، وأن كل ما نقوم به يذهب سدى. وفي أحسن الأحوال، قد ينتهي بنا المطاف كحال تلك الدول الأفريقية — وهي الدول ذاتها التي سعى “نغوجي وا ثيونغو” من أجلها إلى إطلاق نوعٍ جديد من النضال: “إنهاء استعمار العقل”. فهل يمكن لتلك الدول الأفريقية —التي تتخذ من الإنجليزية أو الفرنسية لغةً لها— أن تكون نموذجاً نحتذي به؟ (في الواقع، حتى هذا النموذج يبدو بعيداً عنا؛ لكن تلك مسألة أخرى). أم أن مسارنا يتجه بالفعل نحو ذلك المصير، لدرجة أنه لا جدوى حتى من محاولة العودة عنه؟ أليس هدفنا هو شق طريقٍ جديد؟ أم ينبغي لنا ببساطة أن نستسلم لـ “الواقع”؟ وهل الواقع شيءٌ يتشكل دائماً بمعزلٍ تامٍ عن إرادتنا؟ ألا نملك أي دورٍ على الإطلاق في صياغة الواقع أو تغييره؟ هل الواقع أشبه بصخرةٍ صلبةٍ صماء، لا تتأثر بأي شيء، ولا يمكن تغيير هيئتها؟ أتساءل: إذا كان الواقع على هذا النحو حقاً —أو إذا كان الوضع الذي نجد أنفسنا فيه ميؤوساً منه إلى هذا الحد— فما الذي نفعله نحن (أولئك الذين يهتمون بالكرد وكردستان)؟ ولماذا لا نتوقف وحسب؟ أم لعلّ هذا قد صار نهجاً لحياتنا -أو حتى جوهر وجودنا ذاته- لدرجة أننا نختار غضّ الطرف عنه؟ في الحقيقة، لا أملك القدرة على إثبات أن العكس هو الصحيح. ومن وجهة نظري، حتى أولئك الذين يتبنون هذا الرأي لا يمكنهم البرهنة على أنه حقيقة مطلقة وقطعية. فليس بوسع كلٍّ منا سوى اتباع قلبه وضميره، والإنصات إلى ذلك الصوت الداخلي.
من ناحية أخرى، يبرز تساؤلٌ آخر: هل ينبع هذا التبرير الأخير حقاً من شعورٍ عميقٍ باليأس، أم أنه مجرد وسيلة للهروب من الصعوبات، أو استسلامٌ لإغراء “الطريق السهل”؟ كلاهما ردّ فعلٍ بشريّ، ولا يبدو لنا غريباً على الإطلاق؛ غير أن النقاش يتخذ منحىً آخر بدءاً من هذه النقطة، وهو منحىً سنتركه جانباً في الوقت الراهن.
أودّ أن أسأل أولئك الذين يطرحون هذه الأسباب الثلاثة: كيف تكون رؤيتكم لكردستان؟ كيف تتصورون مستقبل “الهوية الكردية” (أو الكردياتية)، أو كيف تودّون أن يكون؟ وإلى أين ستقودنا ممارسةٌ سياسيةٌ وثقافةٌ فكريةٌ تفتقر إلى اللغة الكردية؟ وماذا سيحلّ بنا؟ أعلم أنه لا أحد سيجاهر بالدعوة إلى تغييب اللغة الكردية، لكن هل يُنتظر حضور اللغة الكردية دائماً من قِبل كُرْد “آخرين” فقط؟ بطبيعة الحال، هذا النص موجّهٌ إلى من يتبنون موقفاً سياسياً؛ ومن هنا تكتسب المسألة أهميتها: أليس العمل السياسي، في جوهره، عمليةً للإصلاح والبناء؟ ألا يتمحور العمل السياسي الوطني تحديداً حول ترميم وإصلاح ما تضرر أو دُمِّر داخل المجتمع؟ ألا ينبغي أن تكون معالجةُ آثار الدمار الذي لحق بلغتنا مهمةً من مهام السياسة؟ وهل تؤدي ممارسةٌ سياسيةٌ أو ثقافةٌ فكريةٌ تفتقر إلى اللغة الكردية إلا إلى تعميق ذلك الدمار ذاته؟ وإذا لم تتصدّوا أنتم -يا كتّاب ومثقفين تهتمون بعمقٍ لأمر الكُرْد وكردستان- لهذه المهمة، فمن سيقوم بها نيابةً عنا؟ هل سيقوم بها آخرون غيركم؟ وإذا قلتم: “لا، لم يعد هناك ما يمكن فعله”، فكيف يتسنى للسياسة الكردية (سياسة الكُرْد) أن تؤدي واجبها؟ أتساءل عما قد تقولونه رداً على هذه الأسئلة.

***

أظن أن أشخاصاً مثلي -ممن يصرّون على استخدام اللغة الكردية- يطرحون على أنفسهم هذا السؤال ذاته مراراً. ماذا أفعل؟ أسأل نفسي: هل أنا مفرطٌ في العناد (وهي تهمةٌ تُوجَّه إليّ، وإن كان البعض، من باب اللباقة، يصفونها بـ “التطرف”)؟ هل أتمسك بموقفي بشكلٍ أعمى؟ ربما كان الأمر كذلك. ربما يكون قليلٌ من العناد أمراً ضرورياً؛ لا أعلم. لكن ما أعرفه هو أنني أرفض تقبّل “الواقع” كما يُقدَّم لنا؛ أريد أن أحفر ثقوباً في ذلك الجدار الصلب، ففعلُ ذلك يمنحني شعوراً بالراحة. لا أستطيع أن أقتنع بأننا قادرون على تحقيق أهدافنا باستخدام اللغة التركية؛ وإذا تبيّن أن اللغة الكردية ليست هي الأخرى طريقاً نحو الخلاص، فليكن فشلي -على الأقل- باللغة الكردية.
نادراً ما تُقرأ النصوص الكردية كما هي، أما النصوص الطويلة فلا تُقرأ تقريباً على الإطلاق؛ لذا، من الأفضل أن أتوقف هنا. آمل أن يكمل شخصٌ آخر المسيرة من حيث توقفتُ.

مصادر وإشارات:

1- كان من المثالي إجراء دراسة متخصصة حول تجارب القراءة والكتابة داخل السجون. غير أن أولئك السجناء الذين قضوا 31 عاماً في الحبس لا يتمتعون بالحرية الحقيقية حتى وهم في الخارج؛ إذ لا يمكنهم الحديث عن تجاربهم بارتياح، دون خوف أو تردّد.
2-كمال سليماني وبهروز شجاعي، *مفارقة انعدام الدولة لدى الكرد: كونفدرالية أوجلان واستراتيجيات “التتريك”*، دار “دوز” (Doz)، 2025.
3- كمال سليماني، *الإسلام، والإسلاموية، والدولة، والقومية الكردية*، ترجمة: ف. أدساي، دار “بيوند” (Peywend)، 2018، ستانبول.
4- نغوجي وا ثيونغو، *تصفية استعمار العقل*، ترجمة: ف. أدساي، دار “ليس” (Lîs)، 2019، ديار بكر.
Fexriya Adsay: Hûn Çi Dikin Bi Tirkî?17-8-2026
عن كاتبة المقال ” من المترجم ”
-فخرية أدساي (مواليد 1971 في ديريك، محافظة ماردين، شمال كردستان) هي معلمة وكاتبة ومترجمة كردية. عملت محررةً وكاتبةً ومترجمةً في مجلة “زاريما” (Zarema)، التي صدر منها 16 عددًا بين عامي 2014 و2022، قبل أن تتحول المجلة إلى صيغة مرئية وشفاهية عبر قناة على موقع يوتيوب.
لها كتاب :النساء الإيزيديات: حاملات سلبيات للحدود الثقافية، منشورات “أفيستا” (Avesta).
أما عن ترجماتها فهي كثيرة، ومنها:
ديفيد نيكول، “الصليبيون والمسلمون” (Crusaders and Saracens)، منشورات “أفيستا”، 2015، ستانبول.
ديفيد نيكول، “الحملة الصليبية الثالثة 1187″، منشورات “أفيستا”، 2014، ستانبول.
ديفيد نيكول، “حطين 1187: أعظم انتصارات صلاح الدين”، منشورات “أفيستا”، 2014، ستانبول.
أحمد زاده، “الرواية الكردية والهوية” (مجموعة مقالات حول الرواية الكردية)، منشورات “أفيستا”، 2011، ستانبول.
دبليو. آر. هاي، “عامان في كردستان”، منشورات “أفيستا”، 2005، ستانبول.
شهرزاد موجاب (تحرير)، “نساء أمة بلا دولة: مقاربة نسوية للنساء الكرديات”، منشورات “أفيستا”، 2005، ستانبول (بالتعاون مع سيما كيليتش وإكين أوشاكلي).
عباس والي (تحرير)، “جذور القومية الكردية” (مقالات حول أصول القومية الكردية)، منشورات “أفيستا”، 2005، ستانبول (بالتعاون مع أوميد أيدوغموش وسيما كيليتش).
جوناثان راندال، “أسامة: نشأة إرهابي”، منشورات “أفيستا”، 2006، ستانبول.
إي. بي. سوين، “رحلة سرية إلى بلاد الرافدين وكردستان”، منشورات “أفيستا”، 2007، ستانبول.
كريستين أليسون، “الثقافة الشفهية للإيزيديين” (التقاليد الشفاهية للإيزيديين في كردستان العراق)، منشورات “أفيستا”. 2007. ستانبول.
توماس هيلاند إريكسن، كوجوك يرلر، ديرين ميفزولار (أماكن صغيرة، قضايا كبيرة: مقدمة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية)، أفستا، 2009، ستانبول.
خالد خياطي، ضحية الشتات Sınırötesi Vatandaşlıga mı؟ (من الشتات الضحية إلى المواطنة العابرة للحدود؟ تكوين الشتات والعلاقات العابرة للحدود بين الأكراد في فرنسا والسويد)، أفستا، 2010، ستانبول.
-الصورة من وضعي.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى