الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود
لطالما رغبت في كتابة بضع كلمات حول رواية سليمان دمِر “العصر الغدار” (Serdema Bêbext)، سوى أن الفرصة لم تتح لي من قبل. هذا العمل يتناول موضوعاً بالغ الأهمية، متجذراً في ماضٍ قريب جداً؛ وهي فترة تركت بصمة عميقة على المشهد السياسي والاجتماعي للكرد.
تبدأ رواية “العصر الغدار” في ليلة خريفية في مدينة نصيبين، حيث يثقل الجو برائحة الحرب والمشقة والعنف والدماء. تستهل الرواية بعبارة: “كانت أمسية خريفية باردة في عام 2015؛ كان الهواء عليلاً، لكن رائحة الحرب والدماء كانت تخيم على نصيبين”.
الرواية تسرد تفاصيل تلك الحقبة المحتدمة التي شهدت “حرب الخنادق şerê xendeqan” في العديد من المدن الكردية، مثل جزيرة (Cizre) ونصيبين وآمد (ديار بكر). حيث يركز الكتاب على الصراع من أجل الحياة والبقاء، وعلى صمود السكان المدنيين.
الشخصيات: يتمحور السرد حول ثلاثة أبناء عمومة -وجميعهم من مغني التراث الكردي التقليدي المعروفين بـ “دنغبِيج” (dengbêj)- وممن وجدت حياتهم نفسها مساقة نحو مسار جديد وشاق بسبب الحرب:
خلو Xelo وزوجته كجى Kejê؛ حيث يضطران، مع تصاعد حدة الحرب، إلى مغادرة منزلهما والبحث عن ملاذ في إحدى القرى.
أوسو Ûso وزوجته كوجر Koçer ؛ اللذان يحذوان حذو خلو وكجى ، محاولين النجاة من العنف والوحشية.
وهناك حسو Hiso وزوجته بسي Besê؛ اللذان كانا يعيشان في ألمانيا وعادا إلى وطنهما في زيارة. يواجه حسو حدثاً مأساوياً يكشف عن وحشية الحرب؛ ويجسد مصيره مدى سرعة تغير الحياة في ظل النزاعات، ومدى صعوبة الإفلات من تبعاتها.
ومن خلال حياة أبناء العمومة الثلاثة ومصائر عائلاتهم، يكتسب القارئ فهماً عميقاً ومؤثراً لكيفية تدمِر الحرب للحياة اليومية العادية، وإجبار الناس على النزوح عن ديارهم. تتميز الرواية بأسلوب سردي قوي وواقعي، يقدم تصويراً صريحاً وصادقاً للآثار المدمرة التي تخلفها الحرب على البشر. ومن خلال سرد تفاصيل شخصية دقيقة، ينقل سليمان دمِر فصول المأساة الكبرى التي وقعت أحداثها.
إنها أكثر من مجرد قصة عادية؛ فهي تنسج أقدار أبناء العمومة وعائلاتهم معاً. نتابع محاولاتهم للتكيف مع حياة جديدة في المنفى، بينما يظلون متمسكين بأمل العودة يوماً ما إلى ديارهم في “نصيبين”. ورحلتهم هذه تعتبَر سرداً مؤثراً حول الفقد والذاكرة، والكفاح المستمر في مواجهة مستقبل غامض وصعب.
المحاور الرئيسة للكتاب:
التبعات الإنسانية للحرب: يركز سليمان دمِر على المعاناة الفردية -بعيداً عن الجوانب السياسية- ليسلط الضوء على الثمن الحقيقي للحرب. تزخر الرواية بقصص شخصية تكشف عن عمق الألم الناجم عن فقدان الوطن والهوية والأحباء.
الفقد والأمل: رغم فظاعة موضوع الحرب والدمار، تظل الرواية مفعمة بالأمل. فكفاح الشخصيات من أجل البقاء ورغبتها في العودة إلى جذورها يرمزان إلى قدرة الحياة والثقافة على الصمود والاستمرار، حتى في ظل أقسى الظروف.
الهوية الثقافية: من خلال تصوير الشخصيات الرئيسة كـ “دنغبِيج” (مغنين تقليديين)، يؤكد دمِر على أهمية الهوية الثقافية الكردية. وفي وقت تتعرض فيه كل مقومات هويتهم للتهديد، يصبح الغناء وسيلة للحفاظ على لغتهم وثقافتهم وتراثهم الشعبي وذكرياتهم ووجودهم ووعيهم القومي وهويتهم. تقييم الرواية:
بشكل عام، يمكن الإشارة إلى الجوانب التالية في الرواية:
تصوير حي وواقعي: يُظهر سليمان دمِر قدرة فائقة على تقديم صورة صادقة ومباشرة للحرب وتداعياتها. ويُعد الكتاب مرجعاً مهماً لفهم المأساة الإنسانية التي تكمن خلف الصراعات السياسية.
التركيز على الضحايا: يغوص الكتاب في معاناة المدنيين، ويمنح وجهاً إنسانياً لمن تم تهجيرهم. وتبرز الرؤية الشخصية -التي تتجلى من خلال شخصيات “خلو” و”أوسو” و”حسو”- كأقوى عناصر العمل. الأدب المعاصر: يمكن وصف * العصر الغدار* بأنها عملٌ تأسيسي في الأدب الكردي الحديث؛ إذ تُعدُّ وثيقةً تاريخيةً مهمةً تسهم في الحفاظ على ذاكرة حقبةٍ مؤلمة.
لغة واضحة: يستخدم الكاتب شكلاً من اللغة الكردية يسهل على عامة الناس فهمه، معتمداً على أوصاف وصور مستمدة من الطبيعة، والبيئة المحلية، والوجدان الوطني والمشاعر المتجذرة في النفس الكردية. وسيجد أولئك الذين عاشوا في كردستان أنفسهم منعكسين في هذه المشاهد.
التركيز على الثقافة واللغة الكردية: على الرغم من إقامة “حسو” في ألمانيا، إلا أنه يظل مرتبطاً بشكل وثيق بالثقافة واللغة الكردية؛ فهو يكتب الشعر، ويغني الأغاني الكردية، وينقل اللغة الكردية إلى أطفاله الذين ينشأون في الخارج.
مواضيع محظورة (تابوات): لا تتجنب الرواية الخوض في القضايا الحساسة أو المحظورة؛ فعلى سبيل المثال، يظهر تناول الكحول كجزء طبيعي وعادي من حياة الشخصيات وعائلاتهم ومجتمعهم.
تُعد الرواية عملاً أدبياً عميقاً وذا دلالة في وقتنا الراهن؛ فهي مكتوبة بحسٍ مرهف وواقعية، وتقدم سرداً معاصراً مهماً. كما تُعتبر مصدراً ممتازاً للقراء -ولأي شخص آخر- يرغب في معرفة المزيد عن الصراع في المدن الكردية وفهم تأثيره على الأفراد المعنيين.
وإذا ما أمعنا النظر في الرواية بعين نقدية، فقد نجد بعض الجوانب التي يمكن اعتبارها أوجه نقْص. ورغم صعوبة العثور على انتقادات صريحة، إلا أن هناك بعض النقاط التي قد تكون محل نقد:
غياب مصطلح “كردستان”: على الرغم من أن أحداث الرواية تدور في جغرافية كردستان -وهي ركيزة أساسية في البنية الجغرافية والثقافية للعمل- وأن موضوع الكتاب هو في الواقع هذه المنطقة المعروفة باسم “كردستان”، إلا أنه يمكن تفهّم سبب عدم ذكر المصطلح ذاته.
تركيز عاطفي مكثف Baldariya hestyar a pir xurt : تتناول الرواية مأساة الحرب بأسلوب عميق وعاطفي بشكل لافت. وبالنسبة لبعض القراء، قد تبدو النبرة المكثفة والأوصاف المتكررة للمعاناة ثقيلة، أو ربما رتيبة في بعض الأحيان. إضافة إلى ذلك، قد تطغى هذه الحدة العاطفية أحياناً على التحليل التاريخي والسياسي الرصين.
سياق تاريخي محدود: يركز الكتاب بشكل متعمد على المعاناة الشخصية والمدنية؛ ونتيجة لذلك، فإنه لا يقدم نظرة شاملة حول الأسباب السياسية المعقدة الكامنة وراء الحرب.
اللغة والأسلوب: على الرغم من أن أسلوب المؤلف الواقعي والمباشر يحظى غالباً بالإشادة، إلا أن بعض النقاد قد يرون في هذه اللغة البسيطة والمباشرة “سهولة مفرطة sade wekî hêsan “، أو ربما يجدونها تفتقر إلى الاستعارات وغيرها من الأدوات الأدبية الغنية.
المشاهد المتعلقة بالطعام والشراب: تتكرر أوصاف الوجبات —الإفطار والغداء والعشاء— لا سيما في الأجزاء الأولى من الرواية. وبإيجاز، لا تُعد هذه النقاط عيوباً جوهرية، بل هي خيارات أسلوبية؛ فهي تكشف كيف طوّع المؤلف نهجه ليتواصل مع القراء ويستثير لديهم استجابة عاطفية.
لا تقدم الرواية “نهاية سعيدة bextewar ” تقليدية، بل تعكس الواقع المرير للحرب. فبدلاً من طرح حلٍّ سهل، يترك المؤلف القارئَ مع بصيص من الأمل، مشوبٍ بإدراك أن هناك صراعاً مستمراً وغير محسوم ينتظر في المستقبل.
تركز الرواية في المقام الأول على التجربة الإنسانية الشخصية للحرب والفقد، مبتعدةً عن المصطلحات السياسية أو الخطاب القومي. ومع أن المؤلف، ديمير، نجح في حماية عمله من بعض أنواع النقد، إلا أنه استطاع في الوقت ذاته إيصال رسائله وانتقاداته، وإن كان ذلك بطريقة غير مباشرة.
تكمن قوة الرواية في تركيزها على المصائر الفردية ومآسي الحياة اليومية؛ فهي بمثابة شهادة شخصية عميقة على تلك الأحداث، وليست أطروحة سياسية أو مادة للسجالات الفكرية. إنها تجسد واقع المعاناة، وتلقي ضوءاً خافتاً على حقبة مظلمة، على أمل أن يفتح الناس أعينهم ويدركوا الأخطاء التي ارتُكبت. ومع ذلك، ومثلما قال مارك توين يوماً: “الحقيقة عاجزة أمام أحمق قرر أن يصدق كذبة”. لذا، يُؤمَل أن تسهم رواية *العصر الغدار * في توسيع آفاق أولئك الذين تعرضوا للخداع، مما يمكنهم من رؤية الأخطاء والحقائق الماثلة في الواقع، والتفريق بينهما.
Suleiman Sulevani: Serdema Bêbext: Vegotina êşekê
إضافات من المترجم:
-صورة غلاف الرواية
-منشورات دار ” دوز Doz ” 2026، في 266 صفحة.
-المكتوب على ظهر غلاف الرواية، يشكل تعريفاً موجزاً لمحتواها:
” أبناء العمومة الثلاثة أداروا ظهورهم لأولئك الرجال، متجهين صوب حيهم. وفي تلك اللحظة، قال حسو:
«يا ابن عمي خلو، لم أرغب في معارضتك أمام هؤلاء الرجال -ولن أفعل ذلك الآن أيضاً- ولكن، قسماً بالله، يجب أن أقول إن الناس الشرفاء والمتحضرين لا يلغمون الجسور والمدارس، ولا يدمرون الطرق، ولا يشعلون النار في المصارف ومحطات الكهرباء. يبدو، مع ذلك، أن جيلاً جاهلاً وغير متحضر قد أمسك بزمام مصير بلادنا، وبات يعبث بمستقبل أرضنا وشعبنا. أو ربما تلقوا تعليمات بالتصرف على هذا النحو من أجل إلحاق الخراب ببلادنا”.

التعليقات (0)