إبراهيم محمود
المناضل ذو العمامة
لم يكن الانتقال الاضطراري للشيخ محمود القره كوي، ابن قرية ” قره كو ” سليلة قضاء ولاية ” موش ” الجغرافية، في ” سرخت ” إلى قرية ” تليلون” في ” بنخت ” في الجوار الحدودي المفروض سياسياً، مجرد انتقال رجل بعمامة، مسكون بثقافة دينية بأوسع معنىً لها” متعدّية لمجرد ” العبادة” كما تقول سيرته بدءاً من علاقته الحميمة مع ثورة الشيخ ” سعيد بيران”، مروراً بإقامته ” التعبدية- العبادية: التعليمية-التربوية، التنويرية في حدود المستطاع عقائدياً، كما تمْليه عليه طريقته النقشبندية ” في ” تليلون ” وانتهاء بالجهات التي تنقل فيما بينها، ليكون مقامه الأبدي بجوار جبل قاسيون، كما لو أنه أراد تأكيد النسب الرمزي للكردي فيه: جبله!
كان ثمة فكرة بكامل عدتها وعتادها للمرحلة الراهنة بعد عملية النزوح القسري، ووصل ما انقطع، بتقديره، بما كان عليه ” شمالاً ” ليكون لجنوبه من تفعيل حقيقته كردياً قبل أن يكون مسلماً، ومسلماً دون أن يُشطَب على كرديته، شأن كل الذين سبقوه من هذا المنظور. لقد انتقلت معه المشيخة بريادتها المركّبة: إنسانيّها: في دينها ودنيويتها، ممهداً لتاريخ منتظَر، وفي شخص نجله الشيخ” محمد عيسى ” كما هي شهادة أول حزب كردي في سوريا في سَنته المعتبرة” 1957 “، دون العمامة الخاصة هذه، تزييف لتاريخ حركة التحرر الكردية على صعيد تخليص الديني من نصيته، وفي مستوى العلاقات مع الآخرين في تنوع مشاربهم وألسنتهم ، ودون أن أنحّي جانباً دور المعنيين بالدين بصورة أكثر، في أموره الفقهية والشرعية، كما في حجرات عامودا مثلاً.
أشير إلى الريادة على صعيد اللقاء المركَّب بين الديني والدنيوي فيه، بالمعنى السياسي بالتأكيد، إذ لا بد أن هناك ظروفاً هي عبارة مستجدات مؤثرة في تنامي وعيه الكردي في وسطه القريب والبعيد ، وما للتصوف من تأثير تشعبت جذوره في المنطقة ” الجزراوية ” ” 28 ” .
وفي هذه العمامة، أو الجبة أحياناً وليس القبعة، فالأولى لها نسَب محلي، والثانية منسوبة إلى الخارج، تكون العلامة الدالة على لابسها، ولها صلة بإمامة معينة، وليس من لابس لها إلا وله اعتبارٌ سلطوي معين .
ولعل إيراد نماذج حية عما هو مسطور بهذا الصدر، يظهر مدى تفعيل مأثور النقشبندية في المنطقة، وهي في تنوع أنشطتها، جهة التوعية بتنوع دلالاتها، وما له اعتبار اجتماعي واسع الطيف وسياسي له ماضية.
من جهة الأقدمية نسمع شهادة باسيلي نيكيتين في ذلك:
باسيلي نيكيتين: الكرد ” دراسة سوسيولوجية وتاريخية” تقديم: لويس ماسينيون، نقله من الفرنسية وعلَّق عليه د. نوري طالباني، طبعة سادسة ومنقحة، أربيل-2012، ص 327-335
حين يتحدث عن مكانة الدين في حياة الكرد، ويعطي الإسلام مكانة لافتة، وأنهم تبنوه.. ليوضح أن ذلك ليس تماماً، حيث ( يتشبث الكردي بذاتيته المتميزة….)
ويتوقف عند التصوف الكردي ودوره في هذا المقام، حيث ( إن التصوف من الناحية العقائدية لم يحظ أبداً بتأييد علماء الدين رسمياً، وهذا ما يفسّر سر قوة هذا السلوك الديني بينهم.والطرق الصوفية المنتشرة في كردستان هي أولاً الطريقة النقشبندية ، ثم الطريقة القادرية التي تنسب للشيخ عبدالقادر الكيلاني.) “29 ”
وما يرد بلسان بروينسن في مسطوره :
(الملا له مكانته وهو يترأس كل الاحتفالات الدينية على مستوى القرية، ويدرس أطفالها القرآن.ص443- وللشيخ تعددية أدوار، والأهم: دور الرجل المقدس، وهو محط تفان شعبي، ودور القائد الملهم..ص444- وهناك الطرق الصوفية والدرويشية.ص450- وظاهرة الكرامات.ص456- وما يخص تاريخ الطريقة القادرية.ص457-473- الطريقة النقشبندية والطريقة النقشبندية، للطريقة جذورها التاريخية في آسيا الوسطى.ص473- سبب انتشار النقشبندية في كردستان: سمات الطريقة- الحالة الاجتماعية الخاصة بكردستان.ص479-
و: البارزاني هو الذي جسد فكرة الكُرْد عن أنفسهم بصفتهم شعباً.ص692-
ينتمي ابراهيم حقي إلى النقشبندية.ص697- وهناك الشيخ علوان خانقا في قرية حلوة بالقرب من دوكير في الجزء السوري من الجزيرة…وكذلك الشيخ أحمد كفتارو الذي صار موظفاً حكومياً في سورية رغم اعتباره الخليفة الشرعي لمولانا خالد..وهناك الشيخ صبغة الله، وهو شيخ نقشبندي اشتهر في أوائل القرن الثامن عشر.. واستقر في قرية خيزان بالقرب من بيتليس..ص698- وأحمد الخزنوي، هو الخليفة الأشهر والأكثر نفوذاً من بين خلفاء ” الحضرة ” .ص701..) ” 30″
وكتابه الآخر والمهم، حيث نقرأ عنه التالي:
( يتناول كتاب “كتابات حول كردستان” للباحث الهولندي مارتن فان بروينسن -المعروف بأعماله حول تاريخ ومجتمعات تركيا وكردستان وإندونيسيا والعالم الإسلامي- التاريخ الاجتماعي للكُرْد عبر فترة زمنية ممتدة.
يتضمن المقال المعنون “الدين في كردستان” معلومات حول الإيزيديين، وأهل الحق، والكرد العلويين، إلى جانب تقييمات لدور الأغلبية السنية والطرق الصوفية. وفي مقالين بعنوان “الطريقة النقشبندية في كردستان خلال القرن السابع عشر” و”الطريقة النقشبندية كأداة للاحتجاج السياسي بين الكرد”، يناقش المؤلف حياة الشيخ محمود وتأثيره، والتقاليد الأورماوية، ودور الطريقة النقشبندية وتأثيرها في الأوساط الكردية. أما في مقاله “الخلفية الدينية والعرقية لثورة الشيخ سعيد”، فيبحث المؤلف تحول الكُرْد من “العثمانية” نحو النزعة الانفصالية، مستعرضاً ثورة بدرخان بك، وفصائل “الحميدية”، والمنظمات الكردية المتنوعة التي تأسست في إسطنبول.) ” 31″
Kürdistan Üzerine Yazılar-Martin van Bruinessen
وما يفصح عنه أحد الباحثين العرب بقوله مسطوراً:
( التنبيه إلى مقولة أن الإسلام جامع بين المسلمين جميعاً، وهو يتحدث عن تحولاته.. إن المثال الحي والدليل هو إسلام الكُرْد، فهو إسلام قد يوصف ظاهراً بأنه ” إسلام جامع “، وكأن الكردي فد تدينه يماثل العربي في شبه الجزيرة والبربري في المغرب والفارسي في إيران، ونعلم في المقابل أن الترك يقولون ” إن الكُرْد مسلمون فقط فيما لو قورنوا بالمشركين”. .
يشير إلى كاتب كردي وما يقوله في تأكيد ذلك، وبمرارة وألم، ألم المفارقة، وقبله مرارة التسمية الضالة والمضلِلة عن إخْوة الإيمان ( الهيئات الإسلامية تبكي على المسلمين في العالم كمسلمي الفلبين، وهذا حق، ولكنها لا تذكر كردستان والكُرْد الذين أبيدوا مع أن كردستان أقرب وهذا غير حق..) ” 32″
….إلخ
في الأمثلة هذه، يُشمُّ الكردي في رائحته المكانية، في الأمكنة التي تنقَّل ما بينها بحذر، فالحدود في ذاتها تشكل نقاط مراقبة تمتذ بدلالاتها إلى عقر دار الكردي غير الآمكنة، وفي عمل الكردي، وما يتلبسه من شقاء في مجمله، وفي طعام الكردي، وفي حديث الكردي، وما يمكن تصوره من صعوبة في التواصل لبثّ ذلك الوعي المناهض للمسمى بـ” الوعي الشقي ” الذي أفرزته الظروف وتبعاتها من جوانب مختلفة، ودور جانب ممّا هو ديني، وهو مهم جداً في ترسيخ ” مشروعية ” مثل هذا الوعي البائس بوصفه قدرياً، لحظة إمعان النظر في العلاقة التي تتوثق بين المتنفذ في المجتمع في سلطته التقليدية: البيك، الباشا، الآغا، المختار نفسه ” 32 “.
لا يعود الدين من لون واحد، وإلا لاعتبرت الخليقة من مبتداها إلى منتهاها خلاف كل تصوراتنا ومعرفتنا لها. هوذا وضع الكردي، شرطه الإنساني الذي يستبد به أكثر مما هو مقدّر له لرده، لتباين القوى في الحالتين.
ربما في مثل احتساب زمني ليس مجرداً بالتأكيد، يمكن النظر في الذي بني الكتاب بموجبه.
في حُمّى الذاكرة وحِماها
في العودة إلى نجل الشيخ محمود والذي أوردنا بعضاً من الدال على طفولته، ” بين الثالثة والرابعة عمراً ” وما بعد، حين نلاحظ كيفية تسعفه ذاكرته على تذكر حلقات من محن الكردي في كل ما يعنيه. كيف تمكنت ذاكرته من كل ذلك؟ لا بد من الإشارة إلى ميزة خاصة تنير هذه العلاقة المكانية، بمكوّنها: الديني- الدينوي، وما لوالدته الدغتسانية من دور في تخفيف عبئه الجسمي والنفسي.
كيف يمكن لذاكرة ليس من تساهل معها، إذا أخفقت في تثبيت أي قول ها صادر عنها زماناً ومكاناً، لأن ذلك مقدَّر مسبقاً عليها، بشهادة التاريخ الذي يمتلك عدته، في التطابق المطلوب بين الشفاهي والموثَّق المحرَّر.
في السياق نفسه، وما يوسّع دائرة علاقاته بمحيطه وهو طفل، ما يعمّق في المكانة التي تهيئه لغد منتظَر، وهو أن يغدو رمزاً جامعاً بين مأثور سلطوي ديني ودنيوي بالمقابل، بدافع عقلي ووجداني، بحِماه الذي يعني ذاكرته وحُمّاه، وهو مسكون بتوترات محيطه ونظره إلى أبعد من ذلك، كما يبدو، حين يقول( كانت لي ، ككل الصبيان ، نزوات طريفة ، أذكر أنني حصلت ذات يوم على علم كردي، فكنت أعلّقه على دراجتي ، وأقودها وخلفي مجموعة من طلال المدرسة يرددون خلفي أناشيد وطنية من أشعار جكرخوين ، كنت أعلّمهم إياها حتى حفظوها عن ظهر قلب. ص75 .
هذا يتطلب أحياناً طرح سؤال قارئه: كيف أمكنه الحصول على علم كردي، وقتذاك؟ كيف وصل إليه؟
وثمة معلومة تتطلب مكاشفة لتاريخ نشر أشعار لجكرخوين ” 1903-1984 ” الذي انتقل في أتون الحرب العالمية الأولى سنة” 1916 ” إلى عامودا، وأن تكون قصائدة منتشرة بين الناس، أو في صحف محلية؟، يتم تداولها بصعوبة، والأهم من ذلك، أن الطفل نجل الشيخ لا بد أنه عن طريق شخص مقرب منه، ووالده هو المعتبَر هنا، يكون له اهتمام بهذا الجانب، وهذه القابلية في تلقين ولده ما يمكنه حفظه عن ظهر قلب.
بالنسبة للقارىء ذي صلة لا بد أن يمارس مسحاً للذاكرة في تلقفها لمعلومات كهذه في محيطه الجغرافي وقتذاك، وكيف كانت الوسيلة تتم اتصالاً بهذا النوع من الأدب شفاهة وكتابة، حيث لم يُذكر أي وسيط مباشر لذلك.
يُستفاد في تنوير هذه العلاقة المكانية-الزمانية، ما يخص بنية السيرة الذاتية وربطها بالشخص نفسه، وحين يكون هذه الشخص أكثر من ناطق بلسانه الشخصي، أي وهو يعبّر عما هو جماعي.
أشير هنا إلى بعض مما اقتطفته من كتاب مهم جداً على تماس مباشر بما أشرت إليه:
حيث إن ( نقطة انطلاق استثنائية لمن يرغب في إعادة قراءة التاريخ من خلال سير الأفراد؛ بل وأبعد من ذلك، فهم التاريخ الفكري والسياسي للكرد ككلٍّ متماسكٍ يحافظ في الوقت ذاته على تنوعه المتأصل. إنها إضافةٌ تجدد الحيوية في حقل الكتابة التاريخية.)
وما يأتي توضيحاً في التمهيد:
( ” تؤدي السيرة الذاتية، كنمطٍ أدبي وتاريخي، دوراً محورياً في تاريخ الأقليات، والمجموعات المشتتة في الشتات، وبشكلٍ أوسع، الفاعلين “المهزومين”؛ أولئك الذين حُرموا من حق تقرير مصيرهم بإرادتهم الحرة، وبالتالي عجزوا عن بسط سيطرتهم على زمانهم ومكانهم. ويُعد الكرد -الذين وصفهم البروفيسور هاينز غسترين Heinz Gstrein عام 1974 بأنهم “شعبٌ بلا مدافعين avukatsız halk “- من بين تلك المجموعات التي استطاعت الصمود بفضل رموزها، وتقاليدها الشفاهية، وذاكرتها الاجتماعية المشتتة لكن القوية، وقصص حياتها التي تناقلتها الأجيال. لقد مكنت مصادر الحيوية هذه “الهوية الكردية” -التي ظلت “محظورة yasaklanmış ” فعلياً طوال جزءٍ كبيرٍ من القرن العشرين- من الاستمرار كظاهرةٍ متعددة الأصوات، لم يكن بالإمكان وأدها، لا في الزمان ولا في المكان”.
نحن نعيش في حقبةٍ ابتُليت بالعجز عن التذكر، ضمن نظامٍ يُضفي طابعاً عقلانياً على النسيان، وفي عالمٍ يتباهى بقبول “الجديد” دون مساءلة. ويبدو أن مسئولياتنا تجاه التاريخ قد تلاشت من أجندة حياتنا الاجتماعية، متآكلةً بفعل تداعي ذاكرتنا الجماعية. يأتي كتاب *شخصيات من التاريخ والسياسة الكردية* -الذي جمعه بعنايةٍ فائقة كلٌّ من تونجاي شور ويالتجين جاكماك- كعملٍ يرتكز على السير الذاتية لمواجهة هذا التحدي تحديداً، مدفوعاً بالتزامٍ سياسيٍّ راسخٍ تجاه فعل التذكر والنقل والسرد. إنه يمثل نقطة انطلاقٍ استثنائيةً لمن يسعى لإعادة استكشاف التاريخ عبر عدسة السير الفردية، وللتعاطي مع التاريخ الفكري والسياسي للكرد ككلٍّ متكاملٍ يحفظ في طياته تنوعاً أصيلاً؛ مما يضفي نفساً جديداً على حقل الكتابة التاريخية.) ” 33 ”
لنتابع جانباً آخر مما يخص تدفقات الذاكرة، من على هذه المسافة( في الثانية عشرة من عمري ظهرت أعداد أعداد ” هاوار” التي كان يصدرها الأميران جلادت وكاميران كانت تكتب بالأحرف العربية واللاتينية. ولنا صديق يدعى ” ملا رشيد ” ومن عائلة ملا حسيب، وكان رجلاً وطنياً صادق الانتماء صار فيما بعد شيوعياً. كنت لا أفارقه حين يأتي لزيارتنا، وكان يصحبني معه إلى قمة التل، ليقرأ لي صفحات من ” هاوار” وأبياتاً من الشعر الكردي .ص 75 ).
هو من مواليد ” 1924 ” يعني ذلك أن التاريخ يرتد إلى سنة 1936. ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك أن المقروء هنا، يوضح جانباً أشيرَ إليه آنفاً، بصدد حفظه لأشعار جكرخوين، أما عن صديق العائلة ” ملا رشيد ” فيذكّر بالشاعر الكردي ” رشيد كرد : 1910-1968 “، وهذا يعني أن التداول كان يتم بالطريقة هذه.
ولا بد من كشف حساب زمني لـ” هاوار ” بغية تقريب المسافة بينه وبينها لحظة قراءتها:
ألم تسعفه ذاكرته ولو في إيراد بعض من كلماتها، أو اسم قصيدة له؟ ذلك يزيد من حيرة السؤال نفسه أحياناً في خضم العلاقة بماض، له مثل البعد الزمني عنه، فكيف بالجواب أن يهدّىء من توتر السؤال!
من المعلوم لمن يحيط علماً بـ” هاوار ” المير جلادت بدرخان، وحده، وليس بالتناصف مع أخيه كاميران، كما جرت التسمية، رغم أن الأخير له دور في إغناء الأعداد منها، أنها صدرت في ” 15 أيار 1932 ” في ” 26 ” عدداً، حتى ” 18-8/ 1935″ وبين العدد والآخر ” 15 ” يوماً، لتتوقف الصحيفة وتعاود الصدور مع العدد ” 27″ في” 15-4/1941 ” لتتوقف كلياً عند العدد ” 57 ”
ويبدو أن قراءة أشعار جكرخوين، أو سماع من يقرأها له، كانت من خلال ما كان ينشره منها في أعداد متفرقة منها” أحياناً كان ينشر قصيدتين في العدد الواحد: ينظَر ، مثلاً، في الأعداد( 4-5-9-10-11-13—14-16-18-19-20-21-22-23-24-25-26) في المجموعة الفاصلة بين عامي ( 1932-1935 ).
وبما أننا بصدد هذه الذاكرة في وصلها وفصلها، أشير إلى صورة تمثل الشيخ محمد عيسى، وهو في ريعان شبابه حاملاً نسخة من ” هاوار” ” ص79″. أهي ” هاوار ” غير التي أشار إليها وهو بعمر” الثانية عشرة ” أم في عمر آخر، حيث الصورة تظهِره- بالفعل- في ريعان شبابه، وليس في المرحلة العليا من طفولته؟
يقول في فقرة تالية:
( في سن السادسة عشرة، وتحديداً في مطلع الأربعينات، أخذ الشوق إلى المعرفة يراودني بشدة، لكن هذه المرة لم يكن شوقاً للفقه والعلوم الشرعية فحسب، بل كان توقاً إلى ما هو أعمق، إلى لغة أمي، التي كنت أسمعها في البيوت والمجالس، لكني لم أكن أجيد كتابتها ولا قراءتها .ص76).
ربما الصورة المنوَّه إليها تخص هذا العمر الزمني، مع احتساب لا بد من ضبطه، وهو أكبر من العمر الذي ذكره، بما أنه من مواليد ” 1924 ” أي في سن السابعة عشرة وأكثر، كما هو مفهوم العبارة.
سوى أن مرارة السؤال تستمر مع قراءة مشاهد كهذه، عما كان يقال أو يتردد، لتستحق سردية السيرة عمقها!
هل علي أن أقول هنا، بصيغة سؤال، أم استفسار:
الذاكرة تمنُّ علينا أحياناً بفضيلة صون الذات، لكنها قد تحرجنا في مواجهة التاريخ الذي يقلبها على وجوهها كافة؟ إذا كانت الذاكرة تنطوي في سرديتها على مسحة من الغواية، فعليها تحمّل ثقل التاريخ في الدراية إذاً!
مصادر وإشارات
28-أشير إلى بعض مما نوهت إليه في كتابي:
معذَّبو النور” في التصوف الكردي”، دار تموز، دمشق،ط1، 2015.
إن منشأ التصوف يرجع أساساً إلى نوع من الانزياح الدلالي لأصل العقيدة بالذات، حيث إن هذه ليست بالصورة الجامدة التي يُرى أنها هكذا، وما كانته العقيدة لحظة تسميتها، ومن ثم تتحول إلى مذهب رئيس في الكيان السياسي للدولة، أي تتشخص من خلال مؤسسة، أو ممارسة شرعية وفقهية، تكاد تنطق بلسان حال القائم ، وما تكونه العقيدة وقد تأصلت واقعاً، ومن خلال أولي الأمر…ص127.
ليكون الحديث عن التصوف الكردي سرداً من ناحية، لتاريخ كردي كان يظهر ويختفي، في ممارسة طقوسية، أو شعائرية لا تنفصل عن تاريخ نحّي جانباً ، يرجع إلى ما قبل الميلاد، وتعزيزاً لما يتعدى مفهوم السرد في خطاطته الأفقية من ناحية أخرى.ص128.
وهكذا أوردت في متن الكتاب رسالة من الصديق الكاتب عبدالواحد علواني، رسالة حول شجرة العائلة الزيبارية العلوانية ودورها ومكانتها،…… وهي عائلة قائمة على منهج التصوف النقشبندي.. صص368-ورسالة أخرى من الصديق الراحل الشيخ عبدالقادر الخزنوي، تفيدى بمدى حضور النقشبندية بميسمها آل بيت الخزنوي وامتداد تأثيرها بالمقابل في الجهات الأربع.ص372.
وبالترافق مع يمكن قوله عما أسمّيه هنا بالذات بالدور التنويري الكردي في أول نشأته في الحجرات أو الكتاتيب، وما كان يعلو صوته دينياً، وله محتوى اجتماعي عام، وأشعار تقرأ للجزري وخاني أساساً…إلخ.
وفي هاتين الرسالتين، ثمة ما يفيد في تنوير شراكة علاقة مع الواقع، عموماً، والواقع المعاش سياسياً.
29-باسيلي نيكيتين: الكرد ” دراسة سوسيولوجية وتاريخية” تقديم: لويس ماسينيون، نقله من الفرنسية وعلَّق عليه د. نوري طالباني، طبعة سادسة ومنقحة، أربيل-2012، ص 327-335
30- مارتن فان بروينسن: الآغا والشيخ والدولة ” البنى الاجتماعية والسياسية لكردستان ” ج2، ترجمة: أمجد حسين، دراسات عراقية،بغداد- أربيل- بيروت- ط1، 2008، وقد وردت أرقام صفحات الكتاب في المتن، للإيجاز.
-31 Kürdistan Üzerine Yazılar-Martin van Bruinessen
32- د. تهامي العبدولي: إسلام الكُرْد، دار الطليعة، بيروت،ط1، 2007.، ص 8-10.
33-ليس من داع لأن أشير إلى جانب الخصومة البينية بين مشايخ منطقة الجزيرة هذه في جهاتهم المختلفة، وطرق تواصلهم مع المعتبرين مريديهم في هذا المضمار، لأن في الدين دائماً ما يحرّف في مساره، وحتى محتوا. أقول ذلك وأن أذكر ببلاغة القائل اليوناني:
لست ضد آلهة الجمهور، إنما ضد فكرة الجمهور عن الآلهة” لعله أبيقور؟”، أي ما يكون تديناً في سَوْقه ” .
أشير إلى بعض مما أفصح عنه عباس العزاوي، وهو محام ومؤرخ، متحدثاً عن أهم طريقتين ألفهما الكردي، في كتابه:
شهرزور- السليمانية” اللواء والمدينة” ، راجعه وقدم له وعلق عليه محمد علي القره داغي، بغداد، 2000:
– الطريقة القادرية وهذه نالت مكانة كبيرة، وقويت في أنحاء شرزور، وتوالى شيوخها، ثم انحصرت في البرزنجة وفي الطالبانية، إلا أنها سائرة إلى الانقراض، ولعل تمكن النقشبندية مما قلل من مكانتها.ص 248- الطريقة النقشبندية: في أيام الشيخ خالد، هذه الطريقة كانت قديمة العهد ومعروفة في العراق منذ زمن بعيد قبل الشيخ خالد، إلا انه قام بتجديدها وتقوية نشاطها… عارضه العالم الشيخ معروف الودهي البرزنجي، وظن أن ما قام به شعوذة وتدجيل، فتبين أنه محض صلاح ونشاط ديني… والظاهر أنه كان يأمل داود باشا استغلاله لا من طريق الشيخ، بل من طريق مناصرة مرشديه وأعوانه، وملاحظة خلفائه وأتباعه.ص 249.
وما ورد في كتاب :
بشير سعيد عبدالرحمن: بهدينان وعشائرها ” دراسة تاريخية “، تقديم: د. خليل علي مراد- د. رزق عبدالمنعم شعث، مطبعة خاني، دهوك، ط1، 2006 .
إذ بعد ذكْر الطريقة النقشبندية، وقوة حضورها، نقرأ:
وهناك الشيخ معروف النودهي” وهوعالم عظيم، وشاعر بليغ، وصوفي شهير ، ولد سنة 1753، في قرية نوى دي ، وتوفي سنة 1828 – ونافس مولانا الشيخ خالد متهماً إياه بالزندقة والكفر والإلحاد من خلال تأليفه لكتب ونشر رسائل..بمعاونة آخرين، ولم يفلح ذلك في النيل منه لدى المشير العثماني في بغداد داود باشا، فالعلامة ملا يحيى المزوري كان مقرباً لدى باشا.. واحتفى المشير بخالد.. وظهر له أعداء أرادوا قتله.. فذهب إلى القسطنطينية ثم إلى البلاد العربية بنصيحة من بعض العلماء، فقصد الشام وتوفي بعد سنوات فيها سنة 1826 ، ص 77.
وكما لو أن ريجيس دوبريه على وعي تام بحقيقة مما تقدم، وفي كتابه ذي العنوان المفعم بالدلالات:
ريجيس دوبريه: النار المقدسة” وظائف الديني، ترجمة: عبدالقادر ملوك، دار رؤية، القاهرة، 2021.
وأنا أنقل عنه: التالي
إن ما نعتزم مساءلته ليس الإله الذات أو الشخص بل الإله الوظيفة، لأن الأول متحرك بينما الثاني محرك ثابت..ص26.
لاحقاً: التدين يمشي متعرجاً بين خطوطنا الصفراء، دون أن يكترث للوحات التشوير ولا للاتجاهات الممنوعة. ص335.
…إلخ
-33 Kürt Tarihi ve Siyasetinden Portreler
Yalçın Çakmak (Derleyen), Tuncay Şur (Derleyen)
شخصيات من التاريخ والسياسة الكردية
تحرير: يالجين جااكماك وتونجاي شور
” يتبع ”

التعليقات (0)