قراءة في كتاب

“لاءات الصدى”.. ثلاث صرخات أنثوية.. قراءة جمالية في النصوص المسرحية للكاتب أحمد م. مكاراتي

عبد الجابر حبيب

ليست كل الصرخات التي يطلقها الإنسان موجّهة إلى من حوله؛ فبعضها يخرج من أعماق الروح بحثاً عن حقٍّ سُلب، أو حياةٍ ضاقت بها الجدران، أو كرامةٍ لم تعد تقبل المساومة، وفي النصوص المسرحية الثلاثة التي يضمها الكاتب أحمد م. مكاراتي، “أسوم” و”صدأ الأنوثة” و”سلمى” تتخذ هذه الصرخات هيئة نسائية، تتعدد دوافعها، ومواقفها، لكنها تلتقي عند مواجهة أشكال مختلفة من الوصاية الاجتماعية التي تحاصر المرأة، وتضعها أمام اختبارات قاسية.
من هنا تكتسب مجموعة “لاءات الصدى” دلالتها؛ فاللاءات ليست مجرد رفض من الرفض، و التمرد، و إنما هي محاولات لاستعادة الذات، ومساءلة منظومة من الأعراف، والتصورات التي كثيراً ما تختزل المرأة في وظيفة، أو صورة، أو موقع اجتماعي مرسوم سلفاً. غير أن أهمية هذه النصوص تتجاوز موضوعها الاجتماعي، و تمتد إلى طرائق التعبير المسرحي التي اختارها الكاتب، وإلى ما يتيحه الرمز، والفضاء والحركة، واللغة من إمكانات لتجسيد الصراع الداخلي على الخشبة.
إننا أمام ثلاث شخصيات لا تتشابه في ظروفها، ولا في خياراتها؛ لكل واحدة منها جرحها الخاص، وطريقتها في مقاومة ما يحيط بها، وهذا التعدد يمنح المجموعة مساحتها الإنسانية، والفكرية، ويجعل قراءتها أقرب إلى تتبع ثلاثة مسارات مختلفة في البحث عن الحرية، والاعتراف، والحق في امتلاك المصير.
في نص أسوم: الرحم يخلق قضية اجتماعية
تضعنا مسرحية “أسوم” أمام امرأة تعيش مأساة العقم، ذلك الحالة بيولوجية، والذي يعتبر مدخلاً لتسلط اجتماعي يلاحق المرأة، ويحاصر أنوثتها وكرامتها، فالزوج الذي كان يرى في أسوم المرأة التي اختارها، وأحبها، يتراجع أمام ضغط العائلة، وتتحول الأمومة من رغبة إنسانية حميمة إلى معيار تُقاس به قيمة المرأة ومكانتها.
لكن الكاتب يعرض هذه المعاناة من خلال الحوار، و يمنحها تجسيداً بصرياً لافتاً، يتصدره عنصر الحقيبة، فالحقيبة ليست مجرد قطعة إكسسوار في فضاء العرض؛ إنها مركز الدلالة الدرامية، ومستودع الذاكرة، والخصوصية الزوجية، والمساحة التي تحاول أسوم أن تحمي فيها ما تبقى من عالمها الداخلي.
تتضح هذه الدلالة حين تقول:
“هذه ليست حقيبة أتنازع عليها مع مسوخ.. هذه حقيبة حياتي.. مستودع خصوصيتي العائلية.. تاريخي الشغوف الذي لا يملكه سواي”.
إن قوة هذه العبارة لا تكمن في تعريف الحقيبة وحدها، بل في انتقالها من شيء مادي قابل للانتزاع إلى امتداد للذات الإنسانية، فالدفاع عنها يصبح دفاعاً عن الذاكرة، والحق في امتلاك التجربة الشخصية، وعن مساحة لا يحق للآخرين اقتحامها أو مصادرتها.
يكتسب الرمز بعداً مسرحياً أعمق مع ظهور الدمى الضخمة المصنوعة من الخيش، ذات الملامح المشوهة، والعيون الواسعة، وهي تتحرك بحركات آلية، وتطوق الحقيبة وتندفع نحو أسوم. هنا يتحول الضغط الاجتماعي من فكرة مجردة إلى أجساد مرئية تملأ الفضاء، وتفرض حضورها. أما الأصوات المسجلة التي تردد أوصافاً جارحة من قبيل “عاقر” و”أرض بور” تجعل اللغة الاجتماعية نفسها جزءاً من آلة القمع.

وفي المقابل، تتشبث أسوم بالحقيبة، وتقاوم انتزاعها، فينشأ صراع جسدي، وبصري بين جسدها النحيل، وكتل الدمى المحيطة بها، فهذه اللحظة من أكثر لحظات النص قابلية للتجسيد المسرحي؛ إذ لا تعود المواجهة محصورة في الكلمات، بل تصبح حركة، ومقاومة، وتكويناً بصرياً تتجسد فيه هشاشة الفرد أمام قسوة الجماعة.
يبلغ النص ذروته الدلالية في العبارة التي تختصر موقف أسوم:
“أرحامكم قد تلد ذكوراً يحملون ألقابكم ولكنها لا تلد أرواحاً حرة”.
إنها عبارة تتجاوز حدود الخلاف حول الإنجاب، لتطرح سؤالاً أوسع عن قيمة الإنسان: أفي قدرته البيولوجية أم في حريته وكرامته واستقلال إرادته؟
تأتي النهاية لتؤكد هذا التحول؛ فبعد المواجهة، تقف أسوم بثبات، ويتسع الضوء الأزرق السماوي ليغمرها مع الحقيبة، بينما تتحرك الكائنات المعلقة بنعومة في الفضاء. ثم تشير إلى عقلها “العقر هنا.. وليس هنا” في حركة مسرحية تمنح العبارة قوتها البصرية، وتعيد توجيه معنى العقم من الجسد إلى العقل الذي يرفض الاعتراف بحرية الآخر.
هكذا تنجح “أسوم” في بناء عالم رمزي واضح المعالم، تتكامل فيه الحقيبة، والدمى والكائنات المعلقة والضوء لتشكيل صورة مسرحية تتجاوز الحكاية المباشرة، وتكمن خصوصية التجربة في أن البطلة تدافع عن حقها في الأمومة وحده، و عن حقها في ألا تختزل حياتها كلها في هذا الحق.
في مسرحية: صدأ الأنوثة _ امرأة تحارب النسيان الاجتماعي
إذا كانت أسوم تواجه محاصرة جسدها بوصفه موضعاً للحكم الاجتماعي، فإن سعاد في “صدأ الأنوثة” تواجه حكماً آخر لا يقل قسوة: أن تُختزل المرأة في لقب “العانس” وأن يصبح مرور العمر سبباً لمصادرة رغبتها، وحقها في الحب والحياة.
منذ المشهد الأول، يرسم الكاتب ملامح عالم سعاد من خلال غرفة نوم ضيقة، وإضاءة صفراء شاحبة، ومرآة كبيرة، وسرير مفرد، وقلوب حمراء، ونافذة مغلقة بستائر ثقيلة، فيما تتردد دقات الساعة في المكان. ليست هذه العناصر تفاصيل محايدة؛ إنها مفردات فضاء يختزن الانتظار والعزلة، ويجعل الزمن نفسه حاضراً بوصفه ضغطاً متواصلاً على الشخصية.
ومن أجمل ما يقدمه النص في هذا السياق مشهد علبة أحمر الشفاه، حين تخاطبها سعاد قائلة:
“أنا وأنِت يا صغيرتي في سلة واحدة.. بضاعة قاربت صلاحيتها على الانتهاء”.
تبدو العبارة في ظاهرها حواراً مع علبة تجميل، لكنها تكشف في عمقها عن شعور المرأة بأنها أصبحت موضوعاً للتقييم وفق منطق الصلاحية والانتهاء، كما لو أن قيمتها مرتبطة بعمرها، وفرص زواجها. ثم تأتي عبارتها:
“لكن الروح لا تنتهي صلاحيتها هي فقط… تصدأ” لتمنح عنوان المسرحية بعده الإنساني، وتجعل الصدأ أثراً يتركه الإهمال الاجتماعي في الروح، لا في الملامح وحدها.
يستثمر الكاتب الملابس، واللون في رسم الانقسام الداخلي للشخصية. الثوب الرمادي الخشن يرتبط بالوقار المفروض والصورة التي يطلبها المجتمع، بينما يكشف قميص النوم الأحمر عن رغبة مكبوتة لا تجد طريقها إلى الحياة العلنية، وحين تخرج سعاد فستاناً ملوناً من خزانتها، وتدور أمام المرآة كفراشة استعادت جناحيها لثوانٍ، ثم تعيده سريعاً، وتختار الثوب الأسود، نرى صراعاً بصرياً بين رغبة في الحياة، وامتثال مفروض لا تستطيع التخلص منه بسهولة.

ولا يكتفي النص بتصوير الوحدة باعتبارها غياباً لشريك، بل يجعلها تجربة اجتماعية يومية، تتجسد في نظرات الآخرين وتعليقاتهم وأسئلتهم المتكررة، وفي مشهد الصديقات، والقريبات اللواتي يظهرن في فضاء الاستقبال بحركات ميكانيكية تشبه حركات الدمى، تتجسد الثرثرة الاجتماعية في هيئة جماعة تراقب سعاد وتحاصرها بأسئلة الزواج والنصيب، وتواجههن بعبارة كاشفة:
“كذب أنتن لا تخفن عليّ، أنتن تخفن مني، تخفن أن تذكركن وحدتي بأن الحياة ليست دائماً كما خططتن لها”.
هنا لا تنحصر المواجهة في رفض الشفقة، بل تكشف الشخصية عن خوف الجماعة من المرأة التي لم تخضع للمسار المتوقع، لأنها تذكّر الآخرين بأن الحياة لا تسير دائماً وفق القواعد التي رسموها لأنفسهم.
أما شخصية عادل، فتمنح النص بعداً نفسياً، وجمالياً إضافياً، فهو يظهر من الظل، ويتحول إلى حضور حميم في عالم سعاد، يتيح لها أن تعيش الحب والرغبة اللذين حُرمت منهما في واقعها. ولا يحسم النص هذا الحضور باعتباره حقيقة واقعية؛ بل يتركه معلقاً بين الحلم والتخيل والحاجة النفسية، وهو ما ينسجم مع العالم الداخلي الذي تعيش فيه الشخصية.
ومن المشاهد ذات الدلالة أن عادل يرسم لها مدينة بعيدة، ببيوت بيضاء ونوافذ زرقاء وبحر هادئ وفستان بلون المرجان. تستجيب سعاد للصورة بحركة جسدية، فتقول:
“سأركض حتى ينقطع نفسي.. لن أهتم بمن يراقبني ولن أخاف من تعثر قدمي، وسأكون هناك سعاد فقط.. لا سعاد الموظفة ولا سعاد العانس”.
إنها لحظة يتحول فيها الخيال من ملاذ نفسي إلى مساحة تستعيد فيها المرأة اسمها بعيداً عن الألقاب التي ألصقها بها الآخرون، وتصبح الرحلة المتخيلة نقيضاً للغرفة المغلقة، وللمكتب، والشارع الذي تلاحقها فيه النظرات.
تبلغ المواجهة ذروتها حين تقتحم الأم والشيخ خلوتها، في محاولة لطرد ما يعتقدان أنه مسّ، أو جنون. عندها تقول سعاد:
“الشيطان الحقيقي هو الصمت الذي يملأ هذا البيت منذ سنوات. أنا لا أحكي مع الجدران.. أنا أحكي مع سعاد التي وأدتموها هنا”.
هذا المقطع من أبرز الشواهد على انتقال الصراع من مستوى الوصف إلى المواجهة المباشرة. فالشيخ يحاول تفسير خيالها بوصفه مرضاً، والأم تخشى كلام الناس، بينما تعيد سعاد تعريف ما يحدث لها باعتباره نتيجة سنوات من الصمت والإقصاء.
وتأتي لحظة إسقاط زجاجة الماء المبارك وتحطيمها لتكون فعلاً مسرحياً موازياً للانفجار الداخلي؛ ثم تتقدم سعاد نحو الشيخ وتقول:
“أنت لا تطرد جنياً يا شيخ.. أنت تحاول طرد آدميتي”.
إنها من اللحظات التي تمنح الشخصية قوة فعلية على الخشبة، إذ لا تكتفي بإعلان رفضها، بل تستعيد مركزها في المكان، وتواجه من يحاول إخضاعها.
وفي النهاية، تمزق سعاد طرحة الزفاف، بينما ينطفئ جزء من الإضاءة مع كل تمزيقة، في صورة مسرحية تختصر رفضها للصورة التي فُرضت عليها. لكن انتصارها ليس انتصاراً اجتماعياً كاملاً؛ إنها تختار عالمها الخاص، وتواصل التشبث بخيالها، في نهاية تمتزج فيها الحرية بالألم، والتمرد بالوحدة.
وهنا تكمن القيمة الإنسانية للمسرحية: إنها لا تقدم المرأة التي تجاوزت جرحها ببساطة، بل المرأة التي تحاول أن تجد وسيلة للبقاء حين يصبح الواقع نفسه طارداً لها.
في نص سلمى: الحرية حين تصطدم بالجوع
في “سلمى” ينتقل أحمد مكاراتي إلى منطقة أكثر التباساً في الصراع الأنثوي؛ فالشخصية لا تواجه حرماناً عاطفياً، أو وصاية على رغبتها فحسب، هي تجد نفسها أمام سؤال شائك: هل يستطيع الحب وحده أن يصمد أمام الفقر؟ وهل تكفي الكرامة لتمنح الإنسان حياة قابلة للعيش؟
تبدأ المسرحية بصوت سلمى يتكرر قبل انفتاح الستار “طلقني.. طلقني” ثم نراها في غرفة قديمة ببيت أهلها، أمام مرآة صغيرة، وحقيبة سفر مغلقة. منذ اللحظة الأولى، تضعنا هذه المفردات أمام مفارقة لافتة؛ فالمرأة التي طلبت الطلاق بحثاً عن الحرية تجد نفسها في غرفة تضيق بها، عاجزة حتى عن فتح حقيبتها، لأنها تدرك أن فتحها يعني الاعتراف بأنها عادت إلى بيت أهلها.
تقول مخاطبة صورتها في المرآة:
“أنتِ حرة الآن.. ألم تكن هذه هي الكلمة التي صرختِ بها في وجهه؟ طلقني.. أريد حريتي.. ها هي حريتك يا سلمى، محصورة بين أربعة جدران تفوح منها رائحة النفتالين، وذكريات الطفولة التي لم تعد تشبهك”.
إن المرآة هنا ليست أداة لتأمل الملامح فقط، المرآة هنا مساحة للمساءلة، ومحاكمة الذات. أما الحقيبة المغلقة، فتختزن ما تبقى من الحياة الزوجية، وتظل حاضرة في الركن بوصفها ذاكرة لم تحسم الشخصية علاقتها بها بعد، وتزداد دلالة المكان حين تقول سلمى:
“في بيت زوجي كنت المتمردة.. وهنا أنا الضيفة الثقيلة”.
بهذه العبارة المكثفة يرسم النص مأزقاً لا يسمح للشخصية بالاستقرار في أي من العالمين؛ فقد خرجت من بيت زوجها بحثاً عن حياة أفضل، لكنها لم تجد في بيت أهلها ذلك الأمان الذي كانت تتوقعه.
ومن جماليات النص قدرته على تحويل الأشياء اليومية إلى مفاتيح للذاكرة. القميص القديم الذي تخرجه سلمى من الحقيبة، وتستنشق رائحته يستدعي حياة كاملة، ويعيدها إلى علاقة لم تكن خالية من الحب، رغم قسوة الفقر. وتقول:
“هذا القميص الذي كنت أتذمر من كيه أصبح الآن هو المرفأ الوحيد الذي يربطني بامرأة كانت تدعى أنا”.
إنها عبارة تكشف عن انقسام الشخصية بين ماضيها وحاضرها، وتمنح قطعة الملابس وظيفة درامية تتجاوز وجودها المادي؛ فالقميص يصبح أثراً لرابطة عاطفية لم ينته حضورها بانتهاء الزواج.

اللافت أن مكاراتي لا يرسم الزوج بوصفه رجلاً قاسياً، أو مستغلاً، بل يقدمه محباً، ونبيلاً، يعجز عن توفير أبسط متطلبات الحياة. وهذا الاختيار يضاعف تعقيد الصراع؛ لأن سلمى لا تستطيع أن تبرر قرارها بكراهية الرجل، ولا تستطيع في الوقت نفسه أن تنكر ما عانته من الحرمان.
تتجلى هذه المعضلة في استعادتها لحظات عودته إلى البيت بيدين فارغتين، وهو يكرر وعده بأن الغد سيكون أفضل. تقول:
“كنت أشرب الماء لكي أخدع جوعي وأنام لكي أهرب من واقعنا. في تلك الليالي لم يكن الحب يدفئنا.. كان البرد يتسرب من يديه الفارغتين ليسكن في عظامي”.
هذا الشاهد بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل الفقر من مفهوم اقتصادي عام إلى خبرة جسدية محسوسة، تتجسد في الجوع، والبرد واليدين الفارغتين. وهنا لا يعود السؤال: هل تحب سلمى زوجها؟ بل: إلى أي حد يستطيع الحب أن يعوض غياب شروط الحياة الكريمة؟
في مشهد آخر، تستعيد سلمى لغة زوجها العاطفية، وكيف كان يرى جمالها حتى في ثيابها المرقعة، وكيف كان يقبل يديها الخشنتين. وتقول:
“كان يجعلني أشعر أنني أنثى من مخمل رغم ثوبي المرقّع”.
هذه المفارقة بين خشونة الواقع، ونعومة العاطفة تكشف أن العلاقة لم تكن فقيرة في المشاعر، بل كانت فقيرة في شروط العيش. ولذلك يصبح قرار الطلاق أكثر إيلاماً؛ فالشخصية لا تهرب من رجل لا يحبها، بل من حياة لم تعد قادرة على احتمال حرمانها.
ويبلغ الصراع ذروة إنسانية حين تستعيد لحظة الطلاق ودمعة الزوج، ثم تتخيل لقاءه من جديد. وفي مونولوج مؤثر تقول:
“لماذا لم تكن شريراً لكي أكرهك بضمير مستريح؟”
هذه العبارة تختصر مأزق سلمى الأخلاقي، والنفسي. فلو كان الزوج قاسياً لكان الانفصال أسهل، لكن نبل الرجل، وحنانه يجعلان قرارها محاطاً بالذنب، والحنين، من دون أن يلغيا حقها في حياة أفضل.
ومن جهة أخرى، لا يعفي النص الأسرة من مسؤوليتها؛ فهي التي دفعتها إلى زواج الستر، ثم تعاملت مع عودتها بوصفها عبئاً، أو فضيحة. وتواجه أباها وأمها بعبارات تكشف التناقض بين خطاب الستر وواقع الإذلال، لتصل إلى سؤال موجع:
“هل أنا التي فشلت؟ أم أنكم أنتم من فشلتم في أن تكونوا أهلاً؟”
إن الصراع في “سلمى” لا ينقسم ببساطة بين امرأة مظلومة ورجل ظالم؛ بل تتداخل فيه مسؤولية الأسرة، وقسوة الحاجة، وعجز الزوج، وتوقعات المجتمع، وتناقضات الشخصية نفسها، وهذه المنطقة الرمادية هي التي تمنح النص بعده الإنساني، وتمنع القارئ من إصدار حكم سريع على قرار الطلاق.
أما النهاية، فتترك الشخصية معلقة بين احتمال العودة، واستحالة الرجوع إلى ما كانت عليه. وحين تفرغ الحقيبة، وتنثر ثيابها في الغرفة، ثم تستلقي وسطها، تقول:
“أنا في المنطقة التي تسبق الطلاق وتلحق الندم.. أنا في الثقب الذي سقطت فيه دمعته الأخيرة.. لا أنا عائدة ولا أنا باقية.. أنا مجرد نص لم يكتمل”.
إنها نهاية لا تقدم حلاً جاهزاً، ولا تمنح الشخصية انتصاراً تقليدياً. بل تتركها في منطقة انتظار، وتأمل، حيث يصبح عدم الاكتمال هو الحقيقة التي تنتهي إليها التجربة، ومن هنا تأتي قوة النهاية؛ فهي لا تغلق السؤال، بل تضعه أمام المتلقي ليواصل التفكير فيه بعد انطفاء الضوء.
ثلاث نساء في مواجهة ثلاثة وجوه:
على الرغم من اختلاف الظروف التي تتحرك فيها الشخصيات الثلاث، فإن بينها خيطاً فكرياً، وجمالياً يربط التجارب بعضها ببعض. فأسوم تواجه اختزال المرأة في قدرتها على الإنجاب، وسعاد تواجه اختزالها في لقب اجتماعي يلاحقها بسبب عدم الزواج، أما سلمى فتواجه منظومة تجعل الزواج، والستر، والصبر على الفقر معايير تتقدم على حق المرأة في اختيار الحياة التي تريدها.
اللافت أن الشخصيات لا تتخذ الموقف نفسه من العالم، ولا تصل إلى النتيجة ذاتها.
أسوم تدافع عن عالمها الداخلي، وخصوصيتها، وتجعل من الحقيبة رمزاً لحريتها التي لا تقبل المصادرة، وسعاد تلجأ إلى الخيال لتستعيد ما سلبه منها الواقع، وتواجه الوصاية الاجتماعية برفض صريح. أما سلمى، فتظل أكثر الشخصيات تمزقاً بين الحب والكرامة، وبين الذاكرة والحاجة، وبين قرار اتخذته أملاً في الحرية وواقع لم يمنحها ما كانت تنتظره.
وهذا الاختلاف يمنح المجموعة تنوعها؛ فالمرأة هنا ليست نموذجاً واحداً يتكرر في ثلاثة نصوص، بل شخصيات تتعدد تجاربها، ومواقفها، وتختلف طرائقها في مقاومة القيود. كما أن حضور الرجل في النصوص ليس على صورة واحدة؛ فثمة زوج يتراجع أمام ضغط العائلة، وحبيب يتشكل في فضاء الخيال، وزوج محب يعجز أمام الفقر. وهذا التنوع يوسع دائرة الأسئلة التي تطرحها المجموعة، ويجعلها تتجاوز المواجهة المباشرة بين المرأة والرجل إلى مساءلة البنى الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية التي تتحكم في مصائر الجميع.
الرؤية المسرحية وجماليات التعبير:
من الناحية المسرحية، يلفت النظر أن الكاتب لا يعتمد على الحوار وحده في بناء عوالمه، وإنما يمنح الفضاء، والإضاءة، والملابس، والإكسسوار، والحركة وظائف دلالية واضحة.
الحقيبة في “أسوم” و”سلمى” تتجاوز كونها عنصراً من عناصر الديكور، و لا تؤدي الوظيفة نفسها في العملين؛ ففي الأولى تصبح رمزاً للخصوصية، والهوية، والحق في امتلاك الحياة، وفي الثانية تتحول إلى ذاكرة مادية لزواج انتهى، وحياة لم تستطع سلمى أن تحسم موقفها منها.
والمرآة في “صدأ الأنوثة” و”سلمى” تتيح للشخصيتين مواجهة الذات، واستعادة الصور التي يحاول المجتمع فرضها عليهما. أما اللون، فيحضر بوضوح في التباين بين الرمادي والأحمر في عالم سعاد، وفي التحولات الضوئية التي تصاحب انتقالها بين الواقع والخيال.
وتبرز كذلك أهمية الأجساد البديلة، سواء في الدمى التي تطوق أسوم، أو النساء اللواتي يظهرن في مشهد سعاد بحركات آلية، أو الحضور المتخيل لعادل في فضاء الغرفة. فهذه العناصر تجعل الضغط الاجتماعي قابلاً للرؤية، وتمنح الصراع النفسي امتداداً بصرياً يمكن أن يتحول إلى طاقة أدائية على الخشبة.
أما اللغة، فتتسم في النصوص الثلاثة بنزعة شعرية واضحة، وتستند إلى الاستعارة، والصورة والمفارقة، بما ينسجم مع الطبيعة الداخلية لهذه التجارب، وهي لغة تمنح الشخصيات قدرة على التعبير عن مناطق يصعب اختزالها في الحوار اليومي المباشر؛ ففي “سلمى” مثلاً، لا يقتصر الفقر على الجوع، بل يتخذ صورة البرد، واليدين الفارغتين، والبيت الذي يضيق بأحلام ساكنيه. في “صدأ الأنوثة” يصبح الصدأ استعارة للزمن الاجتماعي الذي يترك أثره في الروح، وفي “أسوم” تتحول الحقيبة إلى رحم بديل، وعالم خاص لا تطاله أيدي الآخرين.
ومع ذلك، فإن هذه الكثافة الشعرية تضع على عاتق المخرج، والممثل مسؤولية كبيرة في تحويل اللغة إلى فعل مسرحي، بحيث لا يبقى المونولوج مجرد خطاب طويل، بل يصبح حركة، وصورة، وتغيراً في الإيقاع، والحالة والانفعال، فالنصوص تمنح الممثل مساحات واسعة للاشتغال على التحولات النفسية، كما تتيح للمخرج إمكانات بصرية، وصوتية متعددة، شرط أن تتكامل عناصر العرض، وألا يطغى الشرح اللفظي على طاقة المشهد.
وهنا تتجلى إحدى خصائص تجربة مكاراتي: إنه يكتب من داخل الشخصية، ويمنحها مساحة واسعة للكشف عن تناقضاتها، ويجعل المونولوج أداة لاستكشاف الذاكرة، والرغبة، والخوف، والندم. هذه الخصوصية تمنح النصوص حرارة وجدانية، وتفتح أمام الممثل مجالاً لاختبار طبقات متعددة من الأداء، من الانكسار إلى التمرد، ومن الحلم إلى المواجهة.
هل الرفض نهاية الطريق:
تقدم “لاءات الصدى” ثلاث تجارب مسرحية تنشغل بالمرأة في مواجهة ما يحد من حريتها، وحقها في تقرير مصيرها. لكنها لا تكتفي بإعلان الموقف، بل تحاول أن تمنحه جسداً وصورة وصوتاً، من خلال شخصيات تحمل جراحاً مختلفة، وتبحث عن معنى لحياتها في فضاءات تضيق بها.
لعل ما يجمع هذه الشخصيات ليس انتصارها النهائي، وإنما إصرارها على طرح السؤال، ورفض التسليم بالإجابات الجاهزة. فأسوم تقول لا لمن يختزلها في رحم، وسعاد تقول لا لمن يصادر حقها في الحب، والرغبة، وسلمى تقول لا لحياة لا توفر لها الحد الأدنى من الكرامة، لكنها تكتشف أن الطريق إلى الحرية أكثر تعقيداً مما تصورت.
إن قيمة هذه النصوص تكمن في أنها لا تقدم المرأة بوصفها موضوعاً للشفقة، بل ذاتاً تفكر، وتختار وتخطئ، وتتردد وتقاوم، وتتحمل نتائج خياراتها، وهي بذلك تفتح باباً للتأمل في علاقة الفرد بالمجتمع، وفي هذه المسافة المؤلمة بين ما يتمناه الإنسان، وما تسمح له به شروط حياته.
أما أحمد م. مكاراتي، فيكشف من خلال هذه التجارب عن اهتمام واضح بالمونودراما، وبالعوالم النفسية للمرأة، وعن ميل إلى توظيف الرمز، والصورة، واللغة الشعرية في بناء الصراع. قد لا تكون الشخصيات قد وجدت جميعها طريقها إلى الخلاص، لكن أصواتها تظل حاضرة بعد انطفاء الضوء، تحمل أسئلتها إلى المتلقي، وتدعوه إلى إعادة النظر في المسلمات التي تحكم علاقته بالآخر.
ولا يعني هذا الاحتفاء بالجوانب الجمالية للنصوص إغفال بعض الملاحظات المتعلقة بالسرد، وتفعيل الحوار والتقمص، وتطوير بعض المسارات والنهايات. غير أن هذه الملاحظات، في جوهرها، ليست أحكاماً تنتقص من التجربة، بقدر ما هي دعوة إلى استثمار الطاقات الكامنة في هذه النصوص، وتعزيز قدرتها على الانتقال من جمال الكتابة إلى جمال العرض، فهذه النصوص لا تستحق أن تبقى حبيسة الصفحات، بل تستحق أن تجد طريقها إلى الخشبة، حيث تكتمل رؤيتها بالصورة والصوت، والحركة، ويصبح صدى تلك اللاءات صوتاً حياً يصل إلى الجمهور.
ليست كل “لاء” قادرة على تغيير العالم في لحظتها، لكنها قد تكون بداية لاستعادة الإنسان حقه في أن يكون نفسه.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

يُصْغِي لأثر خُطَاكَ

خليل قادر I كدرع مقدس، امتلئ به حتى الانتشاء… حتى الترنم   II كن حنوناً ...ها هو ينتظرك على حُمّى الترصّد… يُصْغِي…

لِمَ أنا ؟!

شعر: باران حسو الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود ميزة هذه القصيدة الكردية هي بساطتها، وفي سهولة التجاوب معها.تُرى، كم من الوقت تطلَّبَه…