قراءة في كتاب

سردية الشيخ الموقَّر : محمد عيسى-10-

إبراهيم محمود

 

هل من بر أمان ؟

 

” آه! السياسة هي فن خلق الوقائع، والسيطرة على الأحداث والبشر ببراعةٍ تشبه اللعب. غايتها المصلحة، ووسيلتها الدسيسة؛ وهي دائماً شحيحةٌ في قول الحقيقة، بينما تبدو تصوراتها الواسعة والغنية كمنشورٍ ضوئيٍّ يخطف الأبصار.”

بيير أوغستان كارون دي بومارشيه:مسرحية “الأم المذنبة” (La Mère coupable)

 

يقظة

الدخول في حقل الحركة القومية الكردية عموماً، والسورية، ضمناً،بغية التعرف على تاريخها، وتقصّي حقيقته: نشأة وتكويناً وتحولات، أشبه بالدخول في حقل ألغام “62”، يكفي أن يخرج الداخل سالماً، وإن لم يحقق، ولو الحد الأدنى مما كان يشغله من أسئلة بهذا الصدد. خروجه سالماً هو مكافأته، ويقظته على أن ليس من السهل التفكير في دائرة كهذه، في تاريخها القصير، إنما المركَّب والمعقد جداً، وهذا نوع من الاكتشاف.

ماذا عن المتبقّي في : سيرة عالمنا.. وميرة مناضلنا الشيخ محمد عيسى؟ أليس له محل إقامة ثابت ومتحرك في حقل الألغام: ألغام قديمة ولا تفقد صلاحية استخدامها، أو انفجارها في أي كان.

والسؤال أيضاً: هل يجوز القول: هل من متبقّ في المسطور؟ فثمة ما يُسأل عنه قبله وبعده في صمت القول!

ليس من كردي، وكونه سياسياً، أو يعمل في الحقل السياسي، إلا ويشعر بوجود مثل هذه الألغام، إلى حالة التنبُّه المطلوبة، حيث يقدّرها في لاشعوره الجماعي، وحتى في حسابه اليومي” الارتجالي” على وقْع العادة، وهو يخطو هنا وهناك، أو وهو يقيم علاقات له مع هذا الشخص أو ذاك، حتى في دائرة حزبه، لأنه لا يدري على أرض أرض يتحرك، ومع من يتكلم في داخله، كما هي تجربة أكثر من ستة عقود زمنية.

بالنسبة للشيخ محمد، ولأنه أكثر وعياً بما يعنيه ويقوم به، ويتعامل معه كموضوع، وانطلاقاً من موقعه، كشيخ، ومرئي أو مرصود، في عالمه السهبي الذي يسهّل عملية رؤية الآخر بوضوح آخر، فربما أمكن القول أن حياته وقد أدرك الحياة وهو ولد الشيخ، وعرفها عن قرب وهو شيخ، وذاق مرارتها كثيراً، مرارة، أحسب أنها لم تفارقه، حتى في النأي بالنفس بعيداً عن دائرة الرفقة، لأن الذاكرة له وليست له، ولا تدعه كما يريد.

في السطور التي شكل عمران كتابه: سيرته في أعماق الذاكرة، يمكن تبصر الظلمات ملوّنة جنباتها كثيراً، إنما دون أنه يتحرك كما يتنشط بثوبه الديني، من جهة الظهر الدال على العالم الذي خرج منه وإليه يعود.

 

إضاءة ذاكرة

ربما من المفيد قليلاً، الربط بين ما هو سياسي وديني، لِما لهذا من مكاشفة العلاقة بين هذا الديني والسياسي فيه، لأن تحت جبة الديني: فقيهاً، محدّثاً، مشرعاً، مفتياً، ملا، أو شيخاً، تتداخل عوالم، بقدر ما تتضارب في بعض الأحيان أو أكثر، حيث تتراءى قائمة كبرى من ألوان الاختلاف لا بل والخلافات في التعامل .

ماذا عن أواصر القربى بين السياسة كممارسة مفتوحة، والدين كسلوك له طابع تعبدي، وبحدود معينة؟

( تُعد السياسة حالةً خاصة من الفلسفة العملية بوصفها “فن الحكم” – حيث يُفهم مصطلح “الحكم” هنا بمعناه الأكثر واقعية وملموسية. وقد ميّز فلاسفة الإسلام، اقتداءً باليونانيين، ثلاثة مستويات لفن الحكم، وذلك بحسب ما إذا كان يتعلق بالفرد، أو الأسرة، أو المدينة (المجتمع السياسي)؛ فيكون الحكم حينئذٍ إما أخلاقياً، أو تدبيرياً (منزلياً)، أو سياسياً. فالسياسة، بهذا المفهوم، هي إدارة شئون المدينة.) ” 63 ”

يبقى المهم هنا، هو أن الديني كشخص لا يكون شاهداً على مجتمعه الممزق، كأي معايش جبهات، كأي مثقف يشار إليه بالبنان، وهو في مجتمعه المدني، بقدر ما يكون ممثّل البوّابة التي تصله بالمتعالي، بالغيب، وهو معنيّ به، ومن خلال زيه الديني، وإن كان مؤسساتياً، أو ممثل تكتية أو زاوية. هيئته تضع حداً بينه وبين الآخرين من حوله، وهم خارج المسجد، أو التكية وما شابه، حيث ينظرون إليه، كما لو أنه في الأعلى منهم حضور مقام وقامة، وثمة الشفاعة التي كان للزمن دوره في تجذيره، وتثبيتها في الرؤوس والنفوس.

بناء على تصور ذاتي، من هذا النوع، وإن لم يُسم، تكون النظرة الذاتية للديني، للشيخ. أي وهو في مطالعة نفسه يعرف ما يكون عليه، مفارقاً أكثر من أي كان، مهما كان قريباً منه، وكونه ذا سلطة رمزية” روحية ” قبل أن يجري ترشيحه لمنصب، أو قبل أي ممارسة سياسية، أو تكليفه بها( لنذكّر توسّل أوصمان صبري، هذا الشاعر، والمعمّر مقارنة به، إليه، وملؤه شعور بالاحباط أو الهزيمة الداخلية، وهو يرى فيه تلك البوابة المسماة آنفاً، يرى فيه المنقذ، رغم أنه يكبره بعقدين من الزمن. الذاكرة الجماعية الدينية توقظه هنا ).

وكما أشرنا سابقاً، لم يخرج الشيخ إلى الوسط المجتمعي بــ” صفحة بيضاء للذاكرة المسبقة ” إنه في ظل والده، ووالده تشده ذاكرته إلى سرخت، وهو قد تلمّس في ولده، في بنخت، محاولة وصل ما انقطع، والظهور بتلك الشخصية التقليدية، وقد اكتسبت ثقافة لها طابع من الحداثة المدنية، والسياسة فاعلة فيها ومنتظمة.

ما أشيرَ إليه سابقاً، أنار الصورة الداخلية له، قلقاً وحذراً، ورغم ذلك كان ينوّع علاقاته. إنه بذلك كان يراهن على ما كان مستعداً لطرحه خارجاً، وهو بحمولته المعرفية: الدينية والدنيوية وخلفيته العائلية .

فأي ذاكرة تكون أنسب إليه، ذاكرة تصله بالقار عميقاً في نفسه، وبأفراد مجتمعه، وليس رفاقه فحسب، ذاكرة يُفصَح عنها في السر، أو في صمت، أو في اجتماعات الرفاق للحزب: ذاكرة قومية، وطنية معززة لذلك!

في بنية العديد مما أُفصِح عنه، كان التخوف يشير إلى أن ” حساب البيدر ليس كحساب الحقل “كما يقال.

ومن الممكن إبراز ما يعنيه مثل هذا التواصل خارجاً، وما أتى على ذكره ، وما تخلل كل ذلك من صراعات:

تأكيد على نشاطه الكردستاني، كما في ” إلى العراق للقاء البارزاني”. ص124.

حديث عن ” الكرد في زمن الوحدة” ص132، و” المكتب الثاني ” الرهيب في سوريا، ص 137، وحمّى ” الاعتقالات ” بدءاً من شهر آب من عام 1960، ص 139.

صراع خفي بينه وآخرين من المختلفين معه، كما في حال ظاظا، بالنسبة للترشيح الانتخابي، بدعم من ” بقايا تنظيم خويبون. ص 144″ التذكير بضغوط ” تيار البكوات ” ليحل ظاظا محل الشيخ. ص145.

ويأتي على ذكر عامودا وكيف جرى الاحتفاء به حيث ألهب مشاعر الشباب الكرد بخطابه باللغة الكردية. ص146.

…إلخ

يبقى الرجل كإنسان محكوماً بدزينة كاملة من المشاعر والأحاسيس والعواطف والهواجس المتباينة، وسط حسابات يتداخل فيها ماضي من كان قبله، وهو مأساوي” والده عن قرب” وحاضره الذي كان يُريه ما كان يحاول تجنبه أو يخفيه، أو الرغبة في عدم رؤيته في الذين كان يعرفهم في دائرته، والمستقبل الذي يزداد بعداً عنه كلما رأى أنه يزداد قرباً من المأمول وسرعان ما كان يعمق المسافة بينهما، لنقص الرغبة المتبصرة.

في ضوء هذا المرئي، جائزٌ، وضع جملة علاقاته في هذه الكفة من الميزان المجتمعي، وخفة وزنها، طالما أنها لا تتجاوب مع مكنونه النفسي: أن يُمهَّد الطريق أمامه، وهو المنفرد بشخصيته بين الآخرين.

إن كل فقرة مما تقدم، يمثّل مشهداً اختبارياً للشيخ: ذاكرةً” وهو يستدعي ما كان في سرخت، وها هو بنخت يكاد يتطابق معه بصيغ مختلفة، جهة انكسار الأمل” وتاريخيا( وهو مصدوم بثبات التاريخ الكابوسي الذي يسربل على رؤيته ويحول دون رؤيته للمستقبل الذي منَّ نفسه ورفاقه المقربين منه به.

هكذا يترجِم مشهد الاعتقالات، وساعاته الزمنية الثقيلة، وما تلاها، جهة الانتخابات، وخصيمه في التفكير والتدبير” زازا ” كما سنرى، هو وثمة آخرون” ملهمه الأكبر” أوصمان صبري “. وبهذا التوصيف، لا يكون لقاؤه للبازاني، حيث الأزمة كانت تري وجهها المنقبض، سعياً إلى التقاط الأنفاس، ويتخوف مما يمكن أن يحصل وهو يغادر سوريا، وتفكيره يتركيز على رفاق الطريق الواحد، وهو في حقيقة ليس واحداً.

أرى هنا، أن الشيخ كان يستعجل” ساعة بيغ بنغ ” الخاصة به، ساعة الوعد الذي توقع أنه وشيك حدوث، ليكون جامع الحسنيين في الحالة هذه: السياسة والدين، كايزمي دين، وساحر سياسة وله هيبته بامتياز.

وما يلي هو الذي يقيّم بنية ما كان، أي يضعنا في الصورة الفعلية للشيخ وتوتره، وهو مصدوم بخلاف المقصود واقعاً، لا لحمة رفاقية أو مجتمعية تمثّل من انخرطوا في الحزب، وتفاعلوا مع محتواه، كون المعنيين به، كانوا على خلاف ذلك، والشيخ بلسانه سمى بطريقته، المؤثرات الأكثر فاعلية في الاحتراب الحزبي واقعاً.

أي حمّى تتلبس ذاكرته، وهو في عمره، وهو يتخيل ذاكرته، قبل أن يمتلىء الشريط بالصوت المعنَّى؟

 

الأمان قيد المساءلة

قارىء الشيخ، ومن خلال قراءة العبارات التي تشير إليه، وهو يسرد من ذاكرته، ما تكابده ذاكرته هذه من عناء وشقاء وابتلاء اللحظة التي تتطلبها المعلومة الواحدة، بعد ” طول مدة ” وهي في عهدة الذاكرة.

لا أظن أن الشيخ بالمفهوم النفسي، وكونه شيخاً، يستطيع التعبير بسلاسة قول، أن يفتح قناة في سد ذاكرته الصلب والمضغوط عليه مما كان، دون أن يشعر بمدى الضغط عليه هو نفسه. الكلمات نفسها كاشفة ماض، وهو ينتقل من فقرة لأخرى. بعيداً عن التفاصيل، لأن المحسوس في سردية الشيخ يسّمي داخله كثيراً:

تزايد الخلافات داخل البارتي، وهو يصرّح في أواخر أيار 1962 ، وفي إهاب المؤتمر:

البارتي في طريقه إلى الانحدار . الخلافات التي تعصف به ستقوده إلى الهاوية. ولا أريد أن أبقى شريكاً في هذا انهيار”. ص 151.

ويقول عن أنه في الاجتماع ذاته، صدر قرار طرد نورالدين، بإجماع جميع أعضاء القيادة، وهو ما أثار استغرابي من أولئك الذين عُرفوا بولائهم له وعدائهم لأوصمان. ص 151.

في فقرة” العلاقة مع أوصمان صبري ”

تأكيد على مدى تقديره له وإعجابه بشخصيته:

سرنا أنا وأوصمان ، سوية بإخلاص متبادل ثلاثين عاماً. بعد اعتقاله وتسلّمي قيادة البارتي،  ، اعتبرت الحزب أمانة في عنقي حتى خروج الرفاق. تواصلت معه في السجن عبر زوجته وابنته، وحين خرج كان لي الفضل الأكبر في إعادته فوراً إلى البارتي من دون فترة توقيف، كما جرى مع الآخرين.ص153.

كان الشيخ يلاحظ ” انحرافاً ” في مسار الحزب(تزايد الميول الماركسية لدى بعض الرفاق) فيجد صدى شكواه في نفس أوصمان صبري..ويعزز موقفه التأييدي اللافت للبارزاني..ص154.

ثم تتنامى علاقاته مع الآخرين، وأخوته الكرد في ” إقليم كردستان العراق ” سعياً إلى وحدة الموقف الكردستاني، خاصة لقاءاته مع الراحل البارزاني… وعبر أنشطة مختلفة..كما في ” محطات لا تنسى على الدرب: ملا مصطفى كما عرفته” وهو يثني عليه كثيراً، وعلى أبنائه” إدريس، مسعود ، ومعهم البيشمركة..ص189.

هي ليست عناوين، إنما أفانين قول من منبع واحد، لشيخ واحد، وتمايزات الوجوه التي تفاعل معها ذات يوم.

وقراءة هذه الفقرات تظهر النص الحامل لها على غاية من التباين في الأسماء التي تتجاور فيه، والأمكنة التي تتقابل فيه بالمقابل، والصفات التي تُعرف بها جهاتها، والجانب المناقبي للأشخاص المذكورين وخلافهم.

ثمة التسمية عن قرب، وثمة الإشارة عن بعد، وثم ما يشبه الحكم مباشرة سلباً أو إيجاباً” أوصمان صبري على الضد من زازا ” وثمة المفارقة اللافتة والدالة على مثل هذه المناقبية ونقيضها، وربما بالتناوب.

هل كان الشيخ ساردٌ وهو رحالة سرد، ليعلم قارئه الذي انتظره بعد هاتيك السنين، قارئه المستقبلي، ما كان عليه ماض يوم كان، وهو في المشاهد التي تتجسد لونياً وقيمياً في العبارات المسطورة على الورق؟ هل كانت مهمته في الحالة هذه أدائية، نقل رسالة هو نفسه داخلها، وإن كان المفصح عن محتواها، بطريقته، ومن باب الأمانة التي تنتسب إلى ذاكرته المحمولة والمركَّبة بودائعها، وفمه الناطق، ويده المتجاوبة مع كل ذلك حركةً؟

أم أن الأمانة المعتبَرة هذه، هي نفسها سرعان ما تنقلب سؤالاً موجهاً إليه: هل تراني كما تراني أن تسمعني، أم كما يريده التاريخ مني، وأنا أتجاوزك، ولا يكون صوتي مسموعاً وحده، وبلسان يخصك وحدك؟

كيف كان وضعه النفسي، وهو في عمره ذاك، حين يلقّم الشريط” الكاسيت ” صوته ” ونظرته إلى أين كانت تتجه، وكيف كانت وضعيته جلوساً، وقلبه كيف كان ينبض أو يخفق بين جنبيه ؟

ألم يكن ينطلق من المسافة الفاصلة بين كونه شيخاً وله تاريخه الكاريزمي، بحكم سلطة التقاليد، في موقعه الاعتباري دينياً، حيث صوته مسموع، ليس لأنه يتكلم ما ينتظره الناس ويفيدهم وهو ينيرهم، وإنما يتكلم لأنه على بيّنة مما هو معطى تقليدياً ويتوقف عليه في سلطته الرمزية، فيصغي إليه من حوله بفضيلة ما كان دينياً كما لو أنه ليس هو باسمه الشخصي، وزيه الشخصي، ونسبه الشخصي، وما يراه جديراً بقوله وغده؟

في لحظة حديث عن لحظة الحديث عن الشيخ عبيدالله، يتحفنا وديع جويده ، بحق، بقول الآتي:

( يظهر تولّي الشيوخ مركز القيادة الوطنية بين الكرد ليس التبجيل الكبير الذي كان يحاط به الشيوخ بسبب شخصيتهم الدينية فحسب، بل يشير كذلك إلى أنه بعد الإطاحة بالأمراء الكرد العظام لم يكن يوجد زعماء دنيون للكرد قادرون على امتلاك ما يكفي من القوة والسمعة لملء المقاعد الفارغة للسلطة .) ” 64″.

ربما أمكن القول بالتوازي، ولو النسبي ، مع القول المقتبس، أن الخاص بالشييوخ هنا، زماناً ومكاناً، يمكن مد نطاقه إلى زمان الشيخ ومكانه هناك: شعوره الضمني أن ثمة ساح تنتظره، فكان شعوره بالبهجة يتقدم تقديره الحسابي الذهني لقادم الأيام التي حل فيها وتجاوزتها خلاف ما كان يتوقعه منه .

لعل العناوين التالية بمختصراتها، تعزز مثل هذه النظر، حيث يكون غالب الخطأ محولاً على الآخرين، عندما ينقل إلى قارئه ما يعتبره بطاقة تاريخ مصادق عليها، بحرفيتها، عن حقيقة الدين، والنقشبندية من صلبه، وهو يسلسل جملة عناوين على علاقة حية بما يبقيه آمناً على نفسه، ومحمياً من أي مساءلة تاريخ:

وهو يتحدث عن روح التسامح مع الآخرين.ص193.

وما يخص رؤيته للتصوف،ص196.

ودور الطريقة النقشبندية في الثورات الكردية( النقشبندية المقاومة. ص 200)

وخاتمة المذكرات، ومن خلال إشارة المعدّين بأن ما ذكِر حتى الآن آخر ما جرى استخلاصه من التسجيلات الصوتية التي أجريت مع الشيخ محمد عيسى عام 1989. ص 220.

وفي ج3: إضاءات على الدرب، بذكرلا شخصيات، وأحداث ووقائع،ونبذة تاريخية عن الطريقة النقشبندية…إلخ، ص 250. ..

المسطور هنا ليس مجرد سرد تاريخ، إنما دفاع مسبق عن الاسم والموقع قبل التعرض لأي مساءلة، ولا بد أن التاريخ، وكتاريخ في ظاهره المحسوس، وخفيه المعتَّم عليه، يُسمّي ما لا يحاط بهم من رواته .

الدّين حيث يخرج الشيخَ من بيته يتزيا اجتماعياً، وحين ينزل إلى ساحة العلاقات والتمثيل الاجتماعي لهذا الطرف أو ذاك، وباسم هذا أو ذات، وبأسماء لها طابع تنظيم أو حزب، أو حزب، يرتد إلى الوراء. إنها السياسة نفسها، التي لا تسمح للدين، في أن يحفّز معتقديه على رفع رؤوسهم إلى السماء، وتُقيَّد أرجلهم، وتلجَم ألسننتهم، بتقديرات غيبية، والاستغراق في دعوات، تغيّب أثر المسئول عن اللعبة هذه، لعبة الساسة وممثلي الأحزاب والحركات المشمولة بدمغة السياسة، وكيف تضج بهم سوقه هنا وهناك.

أتذكر هنا، عبارة ساخرة لبرناردشو، أترك النظر فيها، وتبيان مدى صلتها بما أفصحنا عنه حتى الآن:

” ينبغي تغيير السياسيين والحفاضات بشكل متكرر… وللأسباب ذاتها.”

يقولها برناردشو في السياسيين عموماً، وفي السياسيين الذين يعرفهم في محيطه خصوصاً، وها هو قوله ينتقل إلينا بلغة أخرى. فإلى أي درجة يمكن تحديد المسافة الاعتبارية بين محتوى هذا القول العابر إلينا والسابر بمغزاه، وما يمكن أن يُعرَف به السياسيون في هذا العالم الإقليمي الذي نعيش فيه، ونُذاق مرارته؟

أقول بإيجاز هنا، استعداداً للقيام بنقلة أخرى، حيث ينتظرنا مَن هُم معنيون بمثل هذا قليلاً أو كثيراً كُردياً!

تالياً سوف نكون في عهدة سرديات أخرى، صحبة أسماء أخرى توسّع نطاق دائرة السرد في عمومه، وتبقى سردية الشيخ محمد عيسى هذه هي الماضية بنا إلى حيث نكون، وما نريد أن نكون، وكيف نكون!

 

مصادر وإشارات

62-أشير هنا، إلى أن هذا التعبير للباحث الأكاديمي الكردي، حميد بوزأرسلان، وهو يتحدث عن الشرق الأوسط وخطورة البحث فيه، في موضوع له، لا أذكر اسمه بالتحديد، غير أنني حدَّدته، وحصرته في النطاق الكردي.

-63 M. Rémi Brague: Religion et politique en islamseptembre

م. ريمي براغ: الدين والسياسة في الإسلام

64- وديع جويده: الحركة القومية الكردية ” نشأتها وتطورها” المصدر المذكور، ص 193.

 

” يتبع ”

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

يُصْغِي لأثر خُطَاكَ

خليل قادر I كدرع مقدس، امتلئ به حتى الانتشاء… حتى الترنم   II كن حنوناً ...ها هو ينتظرك على حُمّى الترصّد… يُصْغِي…

لِمَ أنا ؟!

شعر: باران حسو الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود ميزة هذه القصيدة الكردية هي بساطتها، وفي سهولة التجاوب معها.تُرى، كم من الوقت تطلَّبَه…