عبارات دامعة في ذكرى رحيل المبكر لابن عامودا البار – حسن أبو دلو-

سلمان بارودو

رحل عنا بهدوء الشخصية الوطنية وعضو اللجنة المنطقية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا وابن عامودا البار حسن محمد فتاح “أبو دلو” بتاريخ 6/5 /2008، إثر مرض عضال ألمّ به منذ أكثر من ثلاث سنوات، وشيّع جثمانه الطاهر إلى مثواه الأخير بمقبرة عامودا بموكب جنائزي مهيب شارك فيه ممثلو الأحزاب الكردية وبعض أحزاب الحركة الوطنية السورية ومنظمات حقوق الإنسان بالإضافة إلى حشد كبير من محبي ورفاق الفقيد وأهل عامودا الكرام المعروفين بتعاطفهم وتلاحمهم أيام المحن والشدائد.
ربما لم أكن على تواصل كبير ومستمر مع الراحل حسن أبو دلو إلا أنني شعرت بالغصة في قلبي مثلي مثل الألوف المؤلفة من محبيه وأصدقائه ورفاق دربه فور ورود الخبر المحزن والمصاب الجلل، وبقيت فترة لا أستطيع أن أصدق هذا الخبر المفجع، وتمنيت لو كان هذا الخبر إشاعة كاذبة، ولكن…! وفور وصولي إلى عامودا للمشاركة في مراسيم التشييع، بدأت أشاهد محبي الفقيد ومعارفه وأصدقاؤه ورفاقه من كل شرائح المجتمع يتراكضون بهلع إلى الجامع الكبير في عامودا لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه، إذن، لا بد من الاعتراف بالحقيقة المرة، وهي أن هذه الشخصية المحبوبة قد رحلت وغابت عن الوجود جسداً إلى الأبد، رغم إيماني المطلق بان الموت حق، وأنه يتقرر لحظة الميلاد، وأن كل حي لابد أن يفارق الحياة الدنيا، ولكن روحه وتاريخه ظل وسيظل بيننا لما له من المواقف النضالية المشرفة.
حيث كان قد أُدخل على أثر مرضه مشفى ابن النفيس بدمشق عام 2006, وأُجريت له عملية جراحية ـ استئصال الورم ـ وكان يتابع العلاج كيماوياً في مشفى البيروني بدمشق.
وكان قد قدم  بأوراقه الثبوتية عن مرضه إلى مديرية الهجرة في دمشق في 9-12-2006  على أمل الحصول على جواز سفر، دون أن يتلقى أي رد، الأمر الذي دفعه كي يتقدم مرة ثانية بأوراقه الثبوتية بتاريخ 2-5-2007 بموجب الإضبارة رقم / 15156 / إلى المديرية نفسها، دون أن يتلقى الرد الشافي ثانية، فهل يعود عدم الموافقة إلى كرديته, أو بسبب إخلاصه لوطنه سوريا ورغبته لتحقيق الحرية والديمقراطية فيها أم ماذا…؟!.
بعد أن تقدم في مراحله الأخيرة من مرضه وكان يعاني آلاماً نفسية شديدة وآهات وحسرة على وطنه الذي سحب منه جنسيته السورية إثر إحصاء استثنائي بغيض في محافظة الحسكة عام 1962 فأصبح بين ليلة وضحاها من الأجانب في وطنه وممنوعاً عليه من السفر خارج وطنه لأي ظرف كان، لم يمنحه حق الحياة والعيش بسلام وأمان… وكان رفيق دربه والمقرب إليه رفيقه بهجت أبو شنو كلما زاره في البيت يأتي إليه بالأخبار في الشأن الوطني العام أو ناقلا إليه إخبار المستجدات التي تحصل هنا أو هناك…
يقول الدكتور عبدالباسط سيدا في إحدى مقالاته عن صديقه حسن أبو دلو: ((…وأرسل إليّ التقارير والصور الخاصة بمرضه، بالإضافة إلى إخراج قيده الخاص بالكرد المجردين من الجنسية السورية” الأجانب” الذي مازلت أحتفظ به للذكرى وذلك بناء على طلبه. توجهت على الفور إلى المشفى الجامعي في ابسالا، وهو مشفى معروف على مستوى السويد وأوربا؛ وشرحت للموظفة المسؤولة في قسم استقبال المرضى من خارج السويد عن طبيعة العلاقة التي تربطني بالصديق حسن، ورغبتي في مجيئه إلى السويد لإتمام الفحوصات، والتأكد من التشخيص، ومن ثم الحصول على العلاج المناسب… بعد أيام، اتصلت بي الموظفة ذاتها، وخاطبتني بلهجة ودودة أشعرتني بقيمة الإنسان كإنسان، بغض النظر عن أي اعتبار آخر. قالت لي: إن أمور صديقك الطيب على ما يرام؛ وقد حدد أطباؤنا له موعداً في الشهر التالي، أرسله لك لاحقاً. ثم تابعت قائلة: بموجب ما توصل إليه الأطباء هنا بصورة مبدئية لا تدعو حالته إلى القلق؛ ونحن في انتظار مجيئه لإجراء اللازم. واتصلت بحسن وأخبرته بنبأ الموافقة، لكنني كنت أدرك في قرارة نفسي بصعوبة حصوله عل جواز السفر الذي لا يعطي عادة للمواطنين الكرد الذي حرموا من الجنسية السورية نتيجة إحصاء 1962 – وحسن أحدهم- وكان التوقع في محله. لم يحصل حسن على جواز السفر، أو جواز المرور الذي يعطى في حالات محدودة للمجردين من الجنسية – في حالات المرض والحج- وتفاقم مرض حسن، نتيجة الحالة النفسية، وعدم حصوله على العلاج المناسب. وأُجريت له عملية أخرى؛ واتصلت مع مشفى ابسالا من جديد لتحديد موعد آخر؛ وأخبرتهم بنبأ العملية الثانية؛ فطلبوا الاتصال بطبيبه في دمشق. زودتهم برقم هاتفه، واتصلوا به، ثم قرروا دعوة حسن من جديد إلى المجيء؛ ولكن الجواز لم يأتِ، ولم يأتِ حسن، وكانت النهاية المأساوية…)).
نعم أخي حسن ليس الغريب أن تترك وطنك وتستقر في بلد آخر؟! إنما الغريب الذي يعاني أقسى أنواع الغربة وهو في وطنه، ولا يشعر بالأمن والأمان، ولا يستطيع حتى السفر بغرض المعالجة الصحية، نعم، أنها أصعب أنواع الغربة لأنك لا تملك سوى الدروس والعبر، نعم، هذه هي الغربة الوجودية العميقة، لأنها إحساس بالغبن والاضطهاد معاً…نادراً ما تجد رجلاً من طينة الفقيد الراحل أبو دلو… كانت أحلام هذا الرجل تتجاوز شساعة المحيطات… نعم هذه هي صفات أبو دلو لمن لا يعرفه، بل يعجز القلم  وتتكسر الأحرف وتتبعثر المعاني عن وصف خصاله وتجف الكلمات حينما تسرد سيرته، وتنحني الهامات تقديراً حينما تتحدث عن نضاله ومواقفه المشرفة…إن دل هذا على شيء إنما يدل على مدى عظمة نفسيته وطموحاته وقدرته على خلق علاقات مع جميع الناس بدون استثناء.
نعم هذه هي الحياة يا أبا دلو رغم حلوها ومرها مليئة بالمتناقضات والمتضادات اللامتناهية، وقد كان لرحيلك المبكر أحد هذه الحقائق القدرية التي أصابتني في رحيلك، وأشعرت كل من عرفك عن قرب خسارة رحيلك المبكر قبل الأوان.
الرحمة والمغفرة للشخصية الوطنية المعروفة حسن أبو دلو الذي صرف عمره في خدمة وطنه وشعبه ومبادئه الذي آمن بها وناضل من أجلها.
تغمده الله بوافر رحمته وأسكنه فسيح جنانه وألهم أهله وأصدقائه ورفاقه الصبر والسلوان.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…