قامشلو

محسن اوزدمير زفنكي 
جغرافياً، تُعتبَر قامشلو امتداداً لبرّية ماردين، ولم يكن هناك من فرق أو تمييز لهذه المدينة قبل اصطناع ” سرخت: شمال الخط- بنخت: جنوب الخط  Serxet-Binxet “. سوى أن ظهور هذا ” الخط/ الحد ” المذكور كان سبباً  لأن تغدو قامشلو مختلفة بالمقابل، وهو اختلاف لم يبرز من الناحية الاقتصادية فحسب، وإنما من الناحية الثقافية، المشاعر والأفكار أيضاً. لم تكن مثل أي جهة من وطننا. بعبارة أخرى: لقد كانت السبّاقة دائماً في إطار أداء الواجبات الوطنية.
وتعتبَر مدينة قامشلو كبرى مدن كرد جزيرة ” بنخت”، كما أنها تسمّى مركز جميع مدن المنطقة هذه.
وطبيعي، أنه عندما تُذكَر  ” جزيرة “، فإن بوتان تمثُل في تقديرات الكرد بوصفها موقعاً تاريخياً ، ولو أننا نظرنا إليها بعمق وتوسُّع، تكون قامشلو توأم جزيرة بوتان .
وبعد أن أصبحت قامشلو جنوب الخط، تغيَّرت فيها معالم كثيرة كذلك، فالعرب عبر ” الحزام العربي ” وبتعبير الكرد: الحزام الأسود، قد أسكِنوا في جهات من قامشلو بالقوة، حيث أبقي الكرد عموماً محرومين من الحقوق في هذه المنطقة. وكان هناك تنام ٍ للمؤسسات الحكومية فيها، وحتى لو كان الحضور العربي فيها محدوداً عملياً، فإن الجهات الرسمية عرَّفت بقسم من الكرد في إحصائها على أنهم عرب، وقسم آخر على أنهم ” أجانب “، وبالطريقة هذه، لم يبقوا على الكرد في النطاق الرسمي للدولة، وحيث إنها لم تمنح  هوية المواطنة العربية للكرد أيضاً، وحتى ممن حصَّلوا الهوية من الكرد، فإنهم على صعيد الممارسة ما كانوا أصحاب حقوق فعلية/ رسمية. وهذه الواقعة بدِء بها مع بدء تأسيس الجمهورية السورية، وهي قائمة إلى يومنا هذا.
قامشلو الكردية، مهما تردَّد عن أنها جرّاء الأسباب الآنفة الذكر، قد غيَّرت معالمها الرئيسة، فإنها حافظت على عراقتها ولغتها الكردية بمشاعر حميمة : أصيلة. ففي بنية القيم الكردية والنضال من أجل حرية كردستان، نجد أن التضحيات التي قدَّمتها: الآلام والأوجاع اليومية، لا تسعها الكتب. وليس في مقدور أي قلم الكتابة عما كابدته من آلام ، وهكذا فإن الصفحات بدورها لا تكفيها. والذين رأوا بأم أعينهم، وعاشوا في أعماق قلوبهم، يعلمون بهذه الحقيقة، وطالما أن قضية حرية شعب كردستان قائمة، فإن هذه التضحيات سوف تقدَّم، ولن تُنسى.
ثمة الكثير مما لا يُنسى من وطننا، وكل الجهات التي تعرَف بما يذكَّر بالكردية، يتوافر فيها شعراء وقادتها. إنها قامشلو التي تعرَف بكل ذلك معاً. كونها شاركت كما أسهمت بكل  صور المقاومة، الفن والأدب.
أتراها هذه وحدها مفخرة مدينة الحب؟
مؤكد، لا !
كتقرير مصير، هي قامشلو، وقد اجتمع في هذه المدينة طليعيو حرية شعب كردستان وثائروه بشكل دوري. أحياناً: الأحزاب، وأحياناً اللاجئون، وأحياناً أخرى كحركة، وقد أصبحت قامشلو محطة لكل الكرد الطليعيين. وفي هذا السياق، نجد أن كل عائلة تتنشط أحياناً  كحزب مختلفة، وهذا الجاري ليس بدون تفسير. ففي الوقت الذي تشكَّل ” بنخت “، اندلعت في ” سرخت ” عشرات الانتفاضات، واستمرت دون توقف، وبعد فشل وهزيمة تلك الانتفاضات، انتقل الكثير من العائلات والمثقفين من شمال كردستان  إلى مدينة الجزيرة في بنخت، وهناك دشّنوا أساساً لهم. أو أنهم رجعوا من حيث أتوا، أو أنهم أصبحوا لاجئين في جهات العالم الأربع. وبعد فشل الحركة الكردية في جنوب كردستان أيضاً، شكّلت هذه المنطقة ملاذاً للمنتكسين الكرد، لهذا السبب، فإن هذه المنطقة، شكَّلت موقعاً مميَّزاً إزاء جميع الثورات والحركات الكردية، وكذلك فإنها كانت تعتبر نفسها محتضنة الجميع. وهي لم تدخر جهداً أيضاً من ناحية المساعدات والمشاركات، ولم تتقاعس في ذلك، وكانت متفانية فيما تقوم به نظرياً وعملياً، باعتبارها مسكونة بهمّ الوطن.
وفي أحد مراسيم أقيمَ في أحد أحياء قامشلو، فيما يخص شخصية أم، تتجاوب معها مشاعر الآلآف، وهو تحدّ صعب في أن يتمكن أحدهم من وصف ما يجري، إلا أن هذه الكتاب تخص هذا الجانب/ الهدف.
في آذار 1995، في مجلة ” صوت كردستان: دنكَى كردستان “، والتي كانت تصدر باللغة العربية، كان هناك اسم قرابة مائة ثائر كردي يكتَب باسم ” كَريلا كردستان “، ممن حاربوا الجيش التركي، وفي أمكنة مختلفة، وأزمنة مختلفة، قضوا نهبهم، وقد سطّرت أسماؤهم في المجلة تلك. وكانت تقام المراسيم من أجل الجميع. وفي اليوم نفسه، وفي التوقيت ذاته، أثناء إقامة المراسيم هذه، لكي تكون منتظمة عملياً أيضاً، تُرى، إلى أي درجة سيكون فهم مشاعر مائة أم، وكذلك مائة أب، وأخ وأخت وأهل لهم وأحبَّتهم سهلاً ؟
بوتان، قبل وداعه الأخير، ينخرط في صفوف الثورة، يقول وصيته لأمه. كيف تحققت وصيته في أحد هذه المراسيم؟ ودون أن يتم التلفظ بها، فإن التي تحققها هي الأم نسيمة، وقد كانت وصيتها علي بالمقابل وصية لأكتبها.
محسن زفنكي Zivingî 
24-10/ 2009 
الترجمة عن الكردية: ابراهيم محمود، والمترجم أصلاً، عبارة عن مقدمة رواية ” ثلاث آلات موسيقية ” لمحسن اوزدمير،منشورات روناهي، آمد، ط1، 2011، صص9-11
Muhsîn Ozdemîr: Sê Tilîlî, roman, weşanên Ronahî, Amed, ç1,2011, r:9-11.
وكما ورد في الاستهلال، فإن الروائي من مواليد قرية  ” زفنكى ” مقاطعة ” دهي Dihê”: 1970، وقد أراد أن يكتب اسمه إلى جانب نسبته، وهي اسم القرية التي ولِد فيها، تأكيداً لكرديته. حيث اعتقل وسجِن مراراً في كل من إيران وتركيا، وهو الآن يقيم في مدينة أليه Êlihê . واسم ” اوزدمير “، كما هي سياسة الألقاب التركية، اسم نسبة ولقب لمحسن، وهو بالتركية : Özdemîr، وربما يعني حرفياً: الحديد نفسه، وأما عن اسمه بالذات، فهو محسِن ” وهو بالعربية “، أما المكتوب عالياً، فهو بتأثير من التركية، أي ” محسين “، وهذا خطأ في العربية كتابة ولفظاً، من جهتي:حافظت على كتابة اسمه واسم قريته، كما أراد الروائي نفسه.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…

عبد الجابر حبيب

لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.

أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.

لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما…

نصر محمد / ألمانيا

1.العنوان – التشخيص الأول

” ثقبٌ في ترقوة الأيام ”
الترقوة هي العظمة الرقيقة التي تربط الكتف بالصدر ، التي تحمل القلادة ، التي نضع عليها رؤوس أحبتنا . الأيام عند آفين لها جسد ، وهذا الجسد مثقوب . ثقب لا يلتئم . ومنذ العنوان نعرف أننا أمام زمن مريض ، زمن ناقص .

2….

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…