الأكراد يغرقون في فيضان اللهجات (1 )

  الدكتور فاضل محمود
 

اصطاد الوقت من حينٍ لآخر، منتهزا أية  فرصة ، لأشاهد فضائياتنا الكردية، وأنا متحمس ومندفع لإشباع ولو جزء من التعطش والشوق لأخبار أبناء جلدتي ، ولأمتع ناظري بهذا الكم الهائل من البرامج والأغاني الرائعة ، والفلكلور الكردي المتميز، ومناظر كردستان الخلابة و الساحرة، فأحس بسعادة فائقة تغمرني، وينتابني شعور الكردي الحر الفخور بقوميته و تراثه و تاريخه المشرق.
فبينما كنا سابقاً نمسك بـ الـــــ remote control ونفتش هنا وهناك عن أي خبر يتعلق بالأكراد وننتظر الساعات الطوال لنستمتع ببرنامجٍ كردي أو مقابلة مع شخصية هامة أو حتى أي خبر يتعلق بالقضية الكردية مهما كان حجمه.
بينما الان (والحمد لله) تتسابق فضائياتنا بالجديد والمثير والممتع والمشوق والمفيد.
لكن مع كل هذا الاستمتاع و الانشراح والراحة والإحساس القومي المتميز. تجد نفسك فجاة وقد داهمك غضب ساحق و صاعق استفزك و ضايقك حتى شل تفكيرك، لتصل أحيانا لدرجة الإحباط. وذلك عندما ترى حواراً أو أغنية غاية في الجمال لكنك لاتفهمها  مع إنها بلغتك وثقافتك و من تراثك فقط لانها بلهجة أخرى غير لهجتك ، ومع إنني حاولت مراراً وتكراراً أن استوعب ولو بعض الكلمات، ولكن دون جدوى فالعملية أشبه بجلوس راعي أمي في قاعة محاضرات جامعية ، وما أصابني بالدهشة و الاستغراب أكثر عندما قررت تطوير وتنمية لغتي القومية أو بالأحرى تعلمها بشكلها الصحيح لعلني أتجاوز أو أتغلب على مشكلة اللهجة ، وأول ما لجأت إليه هو الانترنيت وبدأت افتش عن المواقع الالكترونية الكردية ، لكني اصطدمت بواقع مرير، فمع كثرة المواقع الكردية الثقافية و الفنية والحزبية و السياسية. لم أجد موقعاً متخصصاً في هذا المجال وإن وجد فبإمكانيات متواضعة لاتفي بالحاجة ، فسألت نفسي سؤالاً؟
 إذا قرر احدنا تنمية لغته القومية أو تعلمها بطريقة أكاديمية صحيحة فما السبيل أو الطريقة ؟ وأين ومتى وكيف ؟؟؟؟؟؟
أسئلة كثيرة لم أتلقى سوى جواباً واحداً كان ذلك صدى صوتي فقط.
وعلى الرغم من وجود الكثير من الكتب والمراجع و المصادر اللغوية وبعض المراكز الأوربية كالمعهد الكردي في باريس –على سبيل المثال-  والعشرات من الندوات والمؤتمرات والمحاولات الكثيرة  الجادة بهذا الصدد
لكنها قليلة نسبياً بالنسبة لحجم المشكلة و صعوبة توفر هذه المصادر وخصوصا للأكراد الموجودين خارج الوطن (وما أكثرهم) حيث المنفذ الوحيد هو الفضائيات والمواقع الالكترونية الكردية
وفي الواقع دفعتني رغبتي لمعرفة أسرار لغتي إلى مراجعة بعض ما توفر لدي من كتب و مقالات واخبار ولكن للأسف لم أتمكن من التقاط أنفاسي لإصابتي بنوبة استغراب شديدة فبدل الخروج من عنق الزجاجة وجدت نفسي غارقاً في بحر من التعقيدات والمشاكل الشائكة والمتداخلة و المعقدة والإشكالات المفترض الوقوف عندها ملياً ومحاولة إيجاد الحلول المناسبة لها. ولكي  لاندخل في قضايا باتت معروفة للجميع وأنا شخصياً لاأريد أن أسردها سردا تقليدياً وأدخل في دهاليز ليست من اختصاصي ، سأحاول التطرق إلى قضايا هامة جداً، يجب تسليط الضوء عليها:
أولها مشكلة تعدد اللهجات في لغتنا الكردية فهي قضية حساسة و في غاية الأهمية لان (والكل يعلم) بأن احد المقومات الأساسية لأي شعب هي لغته ، وإذا كانت الظروف السياسية والاقتصادية والتاريخية الذي مر بها الأكراد وتعدد الحكومات التي حكمت و تحكم كردستان  وما قامت بها من دور سلبي اثر على لهجاتنا وبالتالي على لغتنا القومية فإننا بالمقابل اليوم نتمتع بهامش من الحرية –على الأقل في كردستان العراق- وعلينا تسخير كل إمكاناتنا لحل مثل هذه المشاكل. فوجود كل هذه اللهجات عند الشعب الكردي يدعو إلى القلق وقد يخلق –لانقول حاجزاً-ولكن نوع من البرود والتردد وميلا للعزلة وضعف الرغبة نحو متحدثي اللهجة الأخرى أو يكون اختلاف  اللهجة سبباً أو تخوفا من التعايش المشترك بين جميع أجزاء كردستان وهذا ما لا نتمناه.
فبالإضافة إلى اللهجات الأساسية  الكرمانجية و السورانية هناك الكثير من اللهجات المحلية أو الفرعية كـ البايزيدية و الهكارية و البوتانية و الشمدينانية والاردلانية و السليمانية واللورية و البهدينانية أوالبادينانية والكورانية والظاظائية وغيرها وغيرها .
ضف على ذلك اللهجات المحلية عند أكراد سوريا فاللهجة الكرمانجية عند الاشتية تختلف عن اللهجة الغربية (كما اعتدنا أن نسميهم) واحتفاظ أكراد عفرين بلهجة خاصة بهم وتميز أكراد كوباني بلهجة أخرى هذا إذا ما اعتبرنا إن هذه أيضاً لهجات أو تنتمي إلى احدى اللهجات السابقة وأضفناها إلى قاموس أو خارطة اللهجات الكردية، فسنجد أنفسنا أمام فيضان من اللهجات المختلفة واختلاف بعضها عن البعض لدرجة تحس و كأنك أمام لغتين وليست لهجتين .
وهذا يقودنا إلى مشكلة أهم وأخطر و أكثر تعقيداً فضمن هذه اللهجات تتكرر مفردات وألفاظ وقواعد خاصة و معاني كثيرة لنفس الكلمة وكلمات مختلفة لنفس المعنى، وبالتالي يضيع الأصل ويتشتت المعنى والضحية هي لغتنا.
و على صعيد أخر فبالإضافة إلى تعدد اللهجات فلغتنا بحد ذاتها تعاني من مشاكل لا بد من الإسراع بتدارك الأمر منذ بدايته وإيجاد الحلول المناسبة لها ومعالجتها جذرياً قبل أن تستفحل وتصبح ظاهرة حينها قد لا نستطيع التحكم بها. احداها مسألة الأبجدية الكردية فأكراد سوريا وتركيا يستخدمون الحروف اللاتينية و أكراد العراق وإيران يستخدمون الحروف العربية. وهذا الاختلاف أو تفرد كل جزء بأبجدية مختلفة يضعنا أمام معضلة يجب مناقشتها و دراستها دراسة مستفيضة ومراجعتها وتدقيقها وإعادة صياغتها لإيجاد الأنسب و الأصح والأفضل بحيث يتم توحيد اللغة الكردية بأبجدية مشتركة وإذا تقبل القارئ الكريم رأي كاتب هذه السطور المتواضع فإن الأبجدية اللاتينية هي الأنسب والأكثر عالمية وعلمية وحسب رأي المختصين فإنها الأدق والأوضح في النطق و المحادثة بالنسبة للغتنا.وهناك أمور عديدة و مختلفة يجب مناقشتها ولكن قبل ذلك أدعوكم كرماً للوقوف عند الأسباب الحقيقية لتعدد اللهجات وضعف إلمامنا بلغتنا الأم و السلبيات الأخرى:
1-  الظروف السياسية و المعيشية و الاقتصادية
2- سوء الطرق وتباعد المدن و القرى الكردية عن بعضها البعض سابقاً ووجود الحدود بين أجزاء كردستان وصعوبة الاتصال بينهم و بالتالي تقوقع كلٍ في منطقته
3- ضعف أو قلة ، وسائل الإعلام الكردية المقروءة والمسموعة وانعدام المرئية أصلاً سابقاً
4- تأثر البعض باللغة العربية والفارسية و التركية واعتقادهم بأن التحدث بلغة الغير أفضل لشعورهم بعدم جدوى لغتهم
5- اعتقاد بعض ضعاف النفوس بان التحدث بلغة الغير نوع من الحضارة و نظرته الدونية للغته الأم
6- تعود البعض على لهجته وعدم محاولته تطوير لغته وهذه مع الأسف من الأسلاف إلى الأحفاد.
7- تركيز النخب الكردية وخصوصاً الأحزاب جل اهتمامهم بالقضايا السياسية وإهمال النواحي الأخرى كاللغة و الثقافة……الخ
8- افتقار الأكراد إلى المدارس الخاصة بهم والتحدث القسري بلغة الدولة في المدارس و الدوائر الحكومية وبالتالي التحدث بلغته ضمن الإطار العائلي فقط.
9-  عدم وجود قاموس أو مرجع لغوي كردي عام لكل الأكراد يمكن الرجوع إليه
10-  نشر أدباءنا وشعراءنا قصصهم واشعارهم كلٍ بلهجته
11-   المحاولات الدائمة لأعداء الأكراد بطمس لغتنا ومحاولة صهرها بلغتهم ومنعنا من التحدث بها وهذه كانت احد الأسباب الرئيسة
12-  افتقار المجتمع الكردي ليس إلى حرية الفرد فحسب بل إلى الفرد الحر وهذه نضع تحتها عدة إشارات
13-  الشعب الكردي كان دائماً مغلوباً على أمره ولان المحرك الرئيسي عند الأكراد كان وما زال حسن النية و الطيبة و التسامح مع احتفاظه بحسه القومي المتزايد و  اللامحدود .

في مقالة قادمة سنحاول مناقشة هذه الأسباب والوقوف عندها وإيجاد –لا نقول-الحلول بل بعض الأفكارأوالاقتراحات أو وجهات النظر إذا صح التعبير لسد ولو بعض الثغرات الموجودة في لغتنا.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…

عبد الجابر حبيب

لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.

أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.

لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما…

نصر محمد / ألمانيا

1.العنوان – التشخيص الأول

” ثقبٌ في ترقوة الأيام ”
الترقوة هي العظمة الرقيقة التي تربط الكتف بالصدر ، التي تحمل القلادة ، التي نضع عليها رؤوس أحبتنا . الأيام عند آفين لها جسد ، وهذا الجسد مثقوب . ثقب لا يلتئم . ومنذ العنوان نعرف أننا أمام زمن مريض ، زمن ناقص .

2….

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…