تراتيل الرحيل

  الرواية الثالثة للشاعر والروائي خالد إبراهيم، والتي استقى فصولها من  عالم الخلافات العائلية الشرقية، وما يتعلق بالمقيمين في البلدان الأوروبية. تأتي الرواية في  مئتين وعشرين صفحة من القطع المتوسط ، وهي مقسمة إلى عشرة أجزاء، وفي كل جزءٍ  ثمة حدثٌ مهم.
فهناك ممن يتمكن من سحق أخطائه على حساب أخطاء شريك حياته، لا سيما أن في هذه البلاد مُقدر على الرجل العيش في حالة شرود وتغرب ذاتي، وذهني، ومصيري، وإن كان يشعر بالضعف حباً وعشقاً لنصفه الآخر، فهذا إن دل، سيدل على تنازلاتٍ منه كي يحافظ على من اختار وأحب، والطامة الكبرى تكمن في  استغلال الطرف الآخر  هذا الضعف النابع من صميم الحب والعشق والهيام، ليبرر لنفسه تقلبات مزاجياته وهرموناته.
يقول سيامند لذاته الإلهية:
” لن يهدئني البكاء، ولن أنسى أي حرف كُتب
أي ثمنٍ أدفعه لهذه الحياة، وخلف أية سحابة سأصلبُ حيث يطغى ظلام الليل، فينأى النهار بالظل خوفا من الوحدة”
يُخطىء الإنسان مرارا وتكراراً،  إذ ربما هناك ضغوطات جمّة، ربما هكذا هي الحياة، لا عيش دون أخطاء، ومن لا يخطىء فهو لا يُنتج، ولا يعمل، وفي النهاية يعتبر أنه كائن مشلول، وميت.
طبعاً هذا ليس مبررا لاستمرارية الخطأ وطعن الحياة اليومية، وإنما هي شظايا قد تكون قاتلة ولا سيما أنها تنبت أو تُولد من ردات فعل وفاعل ومفعول به، هكذا تُعرب الحياة على بساط النحو والصرف.
ماذا تفعل إن وجدت نفسكَ وحيداً، بلا مأوى، بلا طعامٍ، بلا سند، بلا وطنٍ، وبميلادٍ مطعون، وهوية مشكوكة، ومن حولكَ الكثير من حدقات الأعين التي تتهمكَ في كل خطوة تجرها على هذه اليابسة الصخرية والتي تُسمى ” الانتحار المسموم”؟
هل يصل الإنسان لمرحلة يخطىء فيها، ويخون فيها، ويفعل كل ما تشتهيه نفسه ونزواته، عن طريق الفعل المقصود؟
بالتأكيد سيفعلها لأن شعوره يقوده إلى هذا الفعل أو ذاك، تماما مثل السارق وسيء السمعة، مثل الذين يخونون الأوطان، وهؤلاء دائما يقولون لأنفسهم: نحن متهمون دائما وأبداً، حتى و ان بلغنا بيت الله الحرام، أو تم غسلنا بماء زمزم، وحتى إن بلعنا صفحات القرآن الكريم، حتى إن وصل بنا الندم أن نكون  أئمة مساجد في كل أرجاء الأرض فهذا لن يشفع لنا، لأننا باقون في أعين الناس، تلكَ الثلة الخائنة والسيئة السمعة، إذا، لماذا نعلن التوبة؟ ونحن على صفيح يتخذ لنفسه زاوية فوق فوهة جهنم؟
وأحياناً يهذي سيامند وهو يتصفح الكتب التي تتوزع بعناية في مكتبته الصغيرة، وأحياناً وهو يحضر ابريقاً من الشاي، أو ركوة من القهوة :
تباً لنا نحن الشعراء والكتّاب، كان علينا ألا نتزوج البتّة، كان لزاماً علينا أن نتقاسم حرارة أجساد النساء أمثال أحلام مستغانمي، أو نوال السعداوي، أو أخريات، تلكَ اللواتي ضاجعن مئات الرجال، وخن أزواجهن مراراً، واليوم يطعنون الرجل بمائة قصيدة، أو نبقى هكذا على حبل الحياد نرقص، ونغني، نزني بالأحرف ورذاذ الحبر الأسود على هذه الصفحات البيضاء، ننجب أطفالاً يمرحون في حدائق الأحرف المرصوفة في الروايات والمقالات وأبيات الشعر الأحمر، ونبني بيوتاً من وهم وسراب، ننشأ عوائل تنمو في الأحلام، ملؤها السعادة والالتزام والاتزان.
هنا في هذه البلاد مسموح للنساء فعل أي شيء، طبعا التزاماً بحكم الدولة وقانون الدولة وسيكس الدولة، وفي كل مدينة مكتوب على حجارة ساحاتها، انجبوا الأطفال، واقذفوا الرجال في حاويات القمامة.
أحياناً أشعر أنني وردة وسط ثلوج تصفعها العواصف والرعد!!
وأحياناً أخرى، كسفينة متهالكة الأركان على رصيف مرفأ مليء بالأشباح ورماد التنانير المهجورة، أو تخوم لقرى تغزوها الكلاب الشاردة!
كم من الطيور هاجرت أعشاشها، وكم رصاصة خانت صاحبها، وكم صخرة حجبت ينابيع المياه العذبة؟
 تعالوا لنحفر الأنفاق والملاجئ، ونشّيد الأسوار حول هذه المدن!!
ونعلنُ عن انطلاق الأجنّة المسحوقة من بين أفخاذ التوبة الناقصة، لأن في هذه الحياة، لا يتساوى الجزار مع الضحية، ولا الغني مع الفقير، ولا الأرض ستشبه السماء
لو أقمنا محاكم عادلة، يكون فيها القاضي ملاكاً أو رسولاً ما، أو سيافاً، أو جلاداً، أو ناطوراً يرتدي ثياب الخلفاء والمعاصرين القدامى، ويسقط على ركبتيه كلما سمعت السماء صهيل الجياد والأحصنة، وبيديه قنديل أو منديل مبلول، منديل منقوشة عليه أسماء وعناوين ولحظات الهفوات التي تمادينا بها، أو مكتوب عليه عدد الأيام التي غلبتنا فيها شهواتنا وابتعدنا فيها عن خطوط الاستقامة وتمرغنا في وحل الشهرة الساقطة.
يصل الإنسان إلى حدٍ سيقول فيه للعالم أجمع:
قفوا!
فأنا ربكم الأعلى، والإله الواحد الأحد، وجميعكم معجونون بالأخطاء والفضائح، وإن صوركم منذ الآن معلقة على أبواب جهنم، قفوا وساووا صفوفكم، فإن الرؤوس العالية ما هي إلا جماجم ستُهشم ولو بعد حين، قفوا وزيدوا من إيمان غبائكم المتكرر، واخلعوا الأساور والأصفاد والساعات ولوحات الذكريات، قفوا لتمرروا ألسنتكم بدبر الحقائق المرّة، ولا شيء يعلو عن براز التكهنات المحشوة عبر صمامات الألم المرصع مثل الموت والوشم الماجن.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين

 

مدينة كوباني المعروفة أيضًا لدى الفرنسيين باسم Kobané ظلت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى في أواخر العهد العثماني منطقة ريفية غير منظمة، يقطنها سكان أكراد بدو ومزارعون ينتمون إلى عشائر متعددة كانت تتحرك في السهول الممتدة شرق الفرات، ولم تكن هناك مدينة حضرية قائمة أو مركز إداري منظم قبل تدشين محطة سكة حديد بغداد التي أنشأتها الدولة العثمانية برعاية…

دوسلدورف – المانيا

بحضور العشرات من المثقفين والناشطين في مجال المجتمع المدني والمهتمين بالشأن الثقافي والإعلامي الكردي، عقد تحالف المجتمع المدني الكوردي – فرع مدينة دوسلدورف ندوة ثقافية وفكرية حول الصحافة الكردية، وذلك بمناسبة مرور 128 عاماً على انطلاقة أول صحيفة كردية. وجاءت هذه الندوة ضمن سلسلة النشاطات التي أعلن عنها التحالف تحت شعار “أسبوع الصحافة…

تلقى موقع “ولاتي مه” فيلما قصيرا بعنوان “الكرسي” للمخرج والفنان الكوردي أكرم سيتي، الذي يسعى من خلال هذا العمل إلى تقديم تجربة إنسانية عميقة بأسلوب بصري بسيط ومؤثر.

الفيلم، وهو عمل صامت، لا يعتمد على الحوار المباشر، بل يترك للصورة والإحساس مهمة إيصال رسالته، في محاولة للوصول إلى وجدان المشاهد بعيدا عن الخطابات التقليدية….

عبد الجابر حبيب

 

“أن تروي غزال الأرضَ بدمها ذروةُ كرامةٍ، أمّا حجبُ صلاةِ الجنازة عنها، فسقوطٌ في النذالة”

 

في العتمةِ…

تآكلَ الضوءُ ببطءٍ يا غزالُ

وتدلّتِ الروحُ من حافّةِ الصبر،

غصناً يابساً لا ماءَ فيه

لا يداً تمتدّ إليه،

جدرانٌ صامتة،

تُصغي طويلاً…

وتنحني الخطى على حافّةِ الانكسار.

 

آهٍ وألفُ آهٍ يا غزالُ

هناكَ…

انفجرَ الجسدُ

حين هبطتِ النارُ…

حين انحنى الترابُ على الوجع،

حين تُركَ معلّقاً بين الأنفاسٍ

حين أُغلِقَتِ…