إننا نُوأد في القرن الـ 21 !!..

لافا خالد

حالة من الحزن الصامت والبكاء في زاوية ما لوحدي كانت تعتريني دائماً حينما كانت جدتي التي عانقت الحزن طيلة سنوات عمرها وهي تحكي لنا قصصهم الواقعية في زمن عاشوه.. صحراء قاحلة وبقايا بيوت من طين وعيدان حطب مع رجال قساة جدا. هذه الصورة بقيت عالقة في ذهني مع إني كنت أفرح لقصص سيدات التنور وأطفال لعبة الأحجار السبعة وحياتهم التي كانت تغيب عنها زيف أشياء كثيرة نعايشها اليوم, كل تلك الأشياء كانت تفرحني بها جدتي وما أحزنتني ولا أدري أهو سر سأخون به من أحببتها ولازلت أبكيها واستذكرها في كل دعاء أم سيكون وفاء لجدتي؟. 

سيما إن ما عانته من إجبار على الزواج من رجل آخر بعد وفاة جدي دون أن تتفوه لأحد يفوق قدرة الكثيرات على الاحتمال.
جدتي ليس من متسع كلام في أن أعاتب أخوك الذي زوجك لرجل مجنون عشتِ معه أربعة عقود في بيت أشبه بالكهوف مقابل ليرات قليلة. لكنني متأكدة أنك عندما ستقفين أمام الله، ستكونين قانعة أنك كنت وفية حتى مع رجل كان مجنوناً.

بين الشريعة
والتقاليد كل يغني على ليلاه ؟
 كل الشرائع السماوية تؤكد على حق المرأة في اختيار من ترغب الزواج به وألا تجبر مطلقاً على الزواج بمن تكره، بالمقابل وكي لا نتجنى على الآباء ونغفل حقوقهم, يجب على الفتاة أن ترتبط وتتزوج برضى والديها مع ورود أدلة من القرآن الكريم والسنة حول ذلك, ومن أعرافنا الاجتماعية التي تربينا عليها تؤكد على هذا الحق, أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل, مع الإشارة أيضاً إلى أن الزواج عقد لابد أن يتم بالتراضي بين مختلف الأطراف فلابد أن ترضى الفتاة ولابد أن يرضى وليها وينبغي أن تستشار أمها, ربما سماحة ديننا إن قوانينه صالحة لكل زمان ومكان لنأتي نحن البشر ونتعالى على شرع الله ونخالف أحكامه في أهم القضايا المصيرية التي تبدأ وتنتهي بها حياة الكثيرين

بين الماضي
والحاضر أحداث تتشابه كثيراً
قديماً كانت المرأة تتزوج ولاتعرف في أغلب الأحيان شريكها ولم تكن قد التقت به إلا في ليلة الزفاف و سواء أكان كرهاً أو طوعاً فهكذا كانت العادات والتقاليد آنذاك وكفى , وفئة أخرى كان تزوج بناتها تبعاً لعادات العائلة والعشيرة. سألت والدتي عن ذاك الماضي الغير بعيد  كثيراً عن هذه الظاهرة لتصعقني إن أغلب بنات جيلها تزوجوا دونما استشارتهن وكثيرات كنّ يتعرضن للضرب إن اعترضن على اختيار أهلها لشريكها الأبدي وبحكم إن الطلاق كان من الكبائر ووصمة العار للعائلة في حينها,  فقد دفعت الكثيرات الثمن.. تعذيب نفسي و جسدي لإجبارهن على الاستمرار مع شخص ربما كن مختلفَين معاً جملة وتفصيلاً, ربما إن حكمنا على تلك الفترة سنقول إنها موروثات عقود مع أجيال عاشوا الفقر والتخلف رغماً .
قياساً لظاهرة إجبار الفتاة على الزواج فالكثيربن يغطون على حدث هو قديم حديث دائماً، فالظاهرة أو الكارثة لازالت تفعل فعلها في مجتمعاتنا المثقلة بموروثات لا يدري غير الله كيف ستتغير، وتبعاً لتقارير الكثير من المنظمات الحقوقية لازالت المرأة  تتعرض للعنف بمختلف مستوياتها وأشكالها وإنها لازالت تكره على الارتباط بمن لا تشاء ويحدث ذلك في المدن والأرياف معاً ولا أحد يحرك ساكناً سوى شجب واستنكر, كثيرات وكثيرات سمعت قصصهن لا بل عشت أسوأها مع مقربات جداً في الحيّ، عندما أجبرتهن الظروف وقسوة الزمن وتعامل المقربين على أن يوافقن على من لا تريد ومن ثم ترفض وتهرب وتعود وتجبر على عدم متابعة الدراسة وتضرب مع أخواتها الخمسة ويسمع الحي دائما صراخهم وتتعالى أصواتهم!! ولكن لا حياة لمن تنادي ولشدة معاناتهم وفرط آلامهم وواقعيته يبدو للكثيرين وكأن الموضوع أشبه بقصة محاكة في الخيال وهذا هو شأن الواقع دائما لا يصدق حتى تقع الكارثة ….

 
تروي زهرة ما عندها..
نحن ست بنات تيتمنا قبل 9 سنوات نتيجة خطأ طبي دفع والدي حياته الثمن، ليطرد عمي والدتي ويتولى هو مسئوليتنا لا بل اضطهادنا ويقوم بنقل كل أموال والدي على اسمه ويجبرنا على الانتقال من العيش في دمشق إلى القامشلي كي نجاوره السكن ليتولى هو دوره في رعايتنا بطريقته الخاصة, كنت في الصف التاسع عندما أجبرني عمي على الارتباط بابنه وحالما انهي الثانوية سيزوجني منه رغما عني، كنت صغيرة وقاصر عقد قراننا بكتاب عند الشيخ. لا أطيقه لا أريده ولا أحبه يهددني عمي إن لم أتزوجه سيقتلني ويدمر حياة اخوتي البنات. هذه السنة حصلت على شهادة البكالورية بمعدل عالي وقبلها سبقتني أختي لتدرس في الشام والآن ترفعت للسنة الثانية وعمي يرفض إرسالها لجامعتها إن لم أوافق على ابنه, أوصلت مع اخوتي البنات صوتنا لكبار وجهاء العائلة لكن الكل يتجنبون التدخل بحجة إننا بنات ونحتاج لرعاية العم والكل يشهد كم نعاني وعانينا على يديه, قبل أيام قلائل حاولت أختي الانتحار أرادت أن ترمي نفسها من السطح  اعتراضا على ما يقوم به عمنا وزوجته التي تحرضه علينا وتدفعه لضربنا وإهانتنا, جدي الذي نعيش معه لا حول له ولا قوة, لا رأي له لا يستطيع التفوه بأي شيء نعيش تحت رحمة عمي الذي يخطط لتزويج اخوتي لأولاده فهو يقول للناس انه حجر عليهم لأبنائه أفضل من أن يتزوجوا من غرباء وبالتالي يضمن مستقبلهم كما يرى هو. الآن تسجيل الجامعة سينتهي وأختي عندها دوامها واخوتي صغار ووالدتي التي تركتنا ولو مجبرة كان عليها ألا تتزوج كي تحضننا, أمامي حلين سأوصل صوتي للقانون إن لم ينصفنا ولم أعد أثق أن ينصفنا أحد، أو سأنهي حياتي بطريقة ما أو أهرب حيث الضياع الأبدي!!.
أهو المنطق أن يتعالى عمي على شرع الله؟ أي منطق يصدق إن هناك ظاهرة الإجبار على الزواج الذي ترفضه كل الأديان والشرائع قلت لشيخ الحارة أنت تعرف الله وتعرف ظلم عمي كيف وافقت على عقد قراني من رجل أرفضه بالمطلق ليجيبني إنه بإمكاني فسخ عقد النكاح بمن لا ارغب, كيف سأقوم بذلك وعمي أصاب قلبه العمى والصمم  وعيونه  تحاصرنا في كل زاوية
ضاع كل شيء
ضاع مستقبلنا
أمي تركتينا لكن لما تزوجتي؟ كنا سنحمي بعضنا ولو في خيمة ..
( لنستمع لزهرة التي تصرخ إننا نوأد في القرن 21 )  
—-

مجلة الثرى

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

كلستان بشير الرسول

■ النشأة والتحصيل الأكاديمي :

المخرج السينمائي الكردي العالمي شيروان حاجي (مواليد 1985) هو صانع أفلام وممثل وكاتب كردي (روجآفا) – فنلندي. تخرّج من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، قبل أن ينتقل إلى فنلندا عام 2010 لمتابعة مسيرته الفنية والأكاديمية.
في عام 2016، نال درجة الماجستير بامتياز في إنتاج الأفلام والتلفزيون من جامعة ARU…

فواز عبدي

شهدت تركيا بعد انقلاب عام 1980 العسكري واحدة من أقسى الفترات في تاريخها الحديث. فقد فرضت حالة طوارئ طويلة، وانتشرت عمليات الاعتقال والتعذيب والمداهمات الليلية، وصارت الحياة اليومية، وبشكل خاص في مناطق كردستان، محكومة بالخوف والرقابة الشديدة؛ حيث كل زاوية تنبض بالرهبة: خوف من زيارة صديق، من الاحتفاظ بكتاب، من كلمة تقال في مقهى،…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لَيست الأمكنة مُجرَّد جُغرافيا صامتة، ولا هي حَيِّز مُحايد تتحرَّك فيه الشخصياتُ كَيفما اتَّفَق، إنَّها كائن حَي ، يتنفَّس الذاكرةَ ، ويتشكَّل بالزمن ، ويُعيد تشكيلَ الإنسانِ في الآن ذَاتِه .

في أدبِ كُلٍّ مِن الروائي الفِلَسْطيني إبراهيم نصر اللَّه ( وُلد 1954 ) والروائي التُّركي أُورهان باموق…

ماهين شيخاني

في كوردستان، لا يُولد الأديب وفي يده قلم فقط، بل يولد وهو يحمل سؤالاً ثقيلاً:

كيف أكتب… وأنا لم أؤمّن خبزي بعد؟

ليست معاناة الأديب الكوردي رومانسية كما يتخيل البعض، وليست تلك الصورة الحالمة لشاعر يجلس تحت شجرة ويكتب عن الحب والحرية.

الحقيقة أكثر قسوة:

الأديب هنا يعيش بين جبهتين:

جبهة الحياة… وجبهة الكتابة.

الأديب الذي يعمل خارج حلمه

في الصباح،…