استنساخُ بقرة

نارين عمر

كان يعتدّ بنفسه كثيراً, ويذكرُ أمام رفاق دربه ومعارفه دوماً انّه ولِدَ وفي فمه ملعقة من الأدبِ الخالص النّفيس.
إنّ الكونَ احتفلَ بضيافته تيمّناً بالخصبِ المقروء في عمق فؤاده, لذا فقد جعله نبضاً دفاقاً في شراراتِ الأدبِ والثقافة. فهو خيّالٌ يصولُ ويجولُ في معمعانه دون رادع, صيّادٌ لا يُشقّ له نَفَسٌ أو تنفس.
خشبة المسرح عرينه, القصّة كبده, الخاطرة ملهمته, الشّعرُ…آهٍ منه …إنّه وتينُ بقائه.
حكمته المفضّلة في الحياة/حياة من دون شعر  سماءٌ من دون مطر/.

لم يكن يختلي بنفسه إلا للضّرورة القصوى, فمجلسه يضجّ بالمعجبين من مختلفِ الشّرائح.
لا يدعُ المللَ يعضّ خواطرهم, فصولٌ من مسرحيّة, خاطرة, طرفة, وفي حضرةِ الشّعر يتحوّلُ إلى عالم من الكائناتِ المرئية واللامرئية, تختلط أنفاسه البعضَ بالآخر لتنتجَ نسائمَ سحرية تلاعبُ المستمعين, وتمدّ لهم أنامل الهفهفةِ التي تنقلهم إلى ملكوته.
كان معتاداً على امتشاق عبق نطقهم, وحسْن ثوابهم على كلّ ما تشدو به قريحته.
كان غائصاً في ملكوتِ إحدى فلذاتِ شعره, إذ تلقى هاتفاً:
– نعم…؟ ماذا…؟ مسابقة…مسابقة لانتقاء شعراء…العنوان…الموعد…
ابتسامة واثقة من نفسها غزت ملامحه.
– هيّا يا بطل, حان وقتُ الجدّ/قالها في نفسه/.
لم تتمكن الرّهبة من التلاعبِ بأعصابه, لثقته بنفسه وبما يكتب أوّلاً, ولاعتقاده بضمانه صكّ اعترافٍ مسبق الدّفع بموهبته وقدراته ثانياً.
حانَ الموعدُ المقرّر, لم يتأمّل طويلاً في أحشاء مخطوطاته, كلّ ما تحتضنه ممتعٌ جديرٌ بالاختيار.
في رحلةِ مسيره نظرَ إلى السّماء المزهوّة ببريقها:
– هل تعلمين أنّ ما تضمره هذه الصّفحات التي ربّما تسخرين منها, قادرة على إحراجكِ
أمام صديقتكِ الأرض؟!
ولأنّه كان سريع التساؤل والرّد, أجابَ:
تحجبُ إشعاعاتكِ جزئياتها وكلياتها, ومَنْ ثمّ تنثرُ عليهم ومضاتٍ منبثقة من أنوارها.
تابعَ مسيره إلى حيثُ المكان والموعد…لمحَ عدداً ممّنْ كانوا مثله مالكين لنبض الشّبابِ والفتوّة.
ولحرصه المتناهي على المواعيد ودقتها لم ينتظر طويلاً حتى نادوا باسمه.
ترحيبُ أعضاءِ اللجنة ورئيسها, منحته فائضاً من الثقة والاعتداد:
– هيّا يا بنيّ هاتِ ما عندك.
بدأ يشدو بما هو مدوّنٌ في ثنايا الورقة الأولى دون أن يدعَ لآيةٍ واحدة تدلّ على ارتباكه أو تردده:
– ليتني درّة في جبين خيمتك لأرقصَ حتى النّشوة… بين أناملك
ليــــــــــــــــ
– تصويرُ جميل, لكنه مسلوبٌ من خيام عمر الخيّام, هاتِ جديدكَ يا بنيّ قالها أحدُ أعضاءِ اللجنة مقاطعاً.
– حاضر أستاذ…إليكم…
– سكونُ الليل يزيدني قوّة
يهبني حياة ليست كدنيا النّهار
يـــــ…يــــــــــ
-لا…لايا بنيّ الليلُ وسكونه صارا من محرّماتِ جبران ولا يجوزُ المسّ بهما إطلاقاً قالها آخر.
حاضر أستاذ قالها المسكينُ بعدما تسللَ إلى إحدى نبراتِ همسه وَهَنٌ ضعيف لكنه ولتداركه الموقف حاول أن يدعمه بحقنةٍ من فائض ثقته:
– غداً عندما تولدُ النّجمة الحبلى وتنجبَ درراً برّاقة من السّعادة سيكونُ لدروبِ الكون مسار جديد
– الغد وتنبّؤاته؟؟! ألا تدري أنّ ناظم حكمت لم يوّرث غده لأحدٍ سواه؟
– نعم…كما تشاء…وبدأ ينشدُ:
هفهفَ الودّ الخمولُ في النســيم        واستفاقَ العشقُ في كأس النّديــم
واستغاثَ اللهو غصنَ الأقحوان       بعدما ملّ الخفاء في الهشــــــــيم
– مهلاً…مهلاً يا شاعر: على الرّغم من أنّكَ تبدو واسعَ الثقافةِ والاطلاع, إلاأنّكَ ربّما تسرّعتَ في تسللكَ قوافي/أحمدى خاني/ الذي تفرّدَ بحياكتها للهيبِ /مم وزين/..
حتى نالَ بها أن يكونَ نبض شعر الحبّ والغزل. قالها أحدُ الأعضاء الذين كان يستبشرُ الخير في محيّاه.
– أقولُ…
أعشقكَ…أحبّكَ ..
هذه مفرداتٌ عفا عليها الحبّ
لذا…سأقولُ: أعشقكَ…أحبّكَ بنبضِ الحبّ
و…و…
– العشق…؟!… الحبّ وهل لأحدٍ التجرّؤ على مغازلةِ الحبّ ومفرداته في حضرةِ نازك الملائكة شاعرة العشّاق؟؟ هيّا يا صديقي هاتِ ما أسفرتْ عنه تنقيباتُ فكرك.
حاولَ أن يغيّر قليلاً في بعض مفرداتِ نشيده القادم, ويربكَ مصيدة المتربّصين به:
أختاه…
أحنّ إلى لمسةِ أناملكِ
تهبّ على جبيني…والوالدة تدغدغُ
إرسالَ الشّاي في ليلةٍ شتائيــــــــة
– كفى…كفى بنيّ, أَمِنَ اللائق أن تسطو حتى على حرمةِ بيوتِ الآخرين؟ أما كان مفترضاً أن تستأذنَ من كبير العائلة/محمود درويش/ قبلَ أن تقدمَ على فعلتكَ هذه؟!
– هيّا يا صديقتي…
مدّي كلّ ما تملكينَ من إشعاعاتِ الـــــــــرّوح والجســـدِ معــــــــاًً الفضاءُ بكلّ أحراره وجواريــــه
بانـــــــــــــــــــــــ
– الفضاء… النّجوم…المرأة…؟؟ ومَنْ بعد /جكرخوين/ عاش ليمتلكَ ناصية الفضاءِ ومكنوناته؟؟!! طلبنا إليكَ جديدكَ.
أدركَ المغلوبُ على أمره أنّ المجتمعين مصمّمونَ على إلقاح عزيمته بلقاح الشّلل النّصفي, فأرادَ أنْ يتلاعبَ بشرايينهم للحظاتٍ, لطالما تلاعبوا به لساعات.
ألقى كرّاسه جانباً, توجّه نحو المنصّةِ القريبةِ من أعضاءِ اللجنة, اتكأ بإحدى يديه على طرفها, وبالأخرى بدأ يلوّحُ هاتفاً:
حبيبتي…
كلما لمحتُ كلباً يحرسُ قطيعاً من البقر وبين القطيع بقرة تشـــبه بقرتكـــــــــم
أرقصُ منتشياً كالسّكران…..كالنشوان
إذ أتذكر………………..
وهنا قاطعه أحدهم موبّخاً:
ويحكَ…أتعتدي على محرّماتنا في عقر دارنا؟! حتى كلبكَ صار يتقمّصُ كلْبَنَة كلبي؟!
وقبلَ أن يتمّ هذا حديثه…انتفضَ رئيسُ اللجنةِ ضجراً زاجراً:
الويلُ لك…تطاولتَ على عمر الخيّام, إذ حرّكتَ أحجار خيامه, غفرنا لك.
عكرتَ سكونَ جبران خليل جبران وليله غفرنا لك أيضاً, تسللتَ إلى عمق حكاياتِ
العشق التي نسجتها شرايينُ /أحمدى خاني/ لم نحاسبك, أجهضتَ عشقَ نازك الملائكة …, اقتحمتَ حرمة دار/محمود درويش/…, حاولتَ السّطو على غدِ ناظم حكمت…, غزوتَ فضاء/جكرخوين/ وهدّدتَ نجومه………..
لكن أن تستنسخَ بقرتي, فهذا ما لا أرضاه أبداً.
– نعم أستاذ؟؟!! استنساخ…اختلاس…بقرتكَ, بقرتي؟؟؟ بدأ الشّابُ يتمتمُ بينه وبين نفسه.
صمتَ قليلاً بعدما لمح طيفَ /غاليلو/ يحرّكُ الأرضَ من تحتِ قدميه المقشعرتين.
-أستاذي…كيف استنسختُ بقرتكَ وأنا المسكينُ لا أقدرُ على استنساخ….؟؟!!
– صه يا فتى, وتنكرُ أيضاً؟؟ ألَمْ تسمع ما صدحتُ به يوماً:
حبيبتي…
كلما أصغيتُ إلى زقزقةِ بقرةِ ضيعتنا وتغريــــــــــــدِ ثـــــــــــــورهـــــــــا
تذكــــــرّتُ همــــــــسَ نجـــــــوانـــا بين أكواخ العشق وحظائر الغــــــرام
ما إن التقطتْ أنفاسُ سمعه هذه الطلقات المنبعثةِ من موقدِ غضبِ , وفَوَرَان رئيس اللجنة, حتى سقط أرضاً, لينفصلَ عقله عن جسده, ويعومَ في عوالمَ أخرى.
بعد غيابٍ استمرّ للحظات, يفيقُ على هيئةِ حاوٍ يسلخُ البشر , بعد أن ملّ من استنساخ البقر.
أيّها السّادة…
أحضروا المشرحة… وبحركةٍ بهلوانية ينط على الطّاولةِ المستطيلةِ التي خلقت البعدَ المكاني بينه وبين أعضاءِ اللجنة, لتعزفَ عيناه المتسعتان جدّاً…جدّاً تراتيلَ
البدءِ والنّهاية
– لنبدأ بكَ ومعكَ يــــــــــا/سيّــــــــــــدَ القــــــــــوم/.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

كيفهات أسعد

لا أحبكِ كما لو أنكِ مسبحةٌ من الكهرمان أو الياقوت.
لا أحبكِ كسيارةٍ قديمةٍ تتدرّج بغرورٍ وسط زحام المدينة.
أحبكِ بالطريقة الوحيدة التي أتقنها،
تنبت بين ظلّكِ وروحي،
بلا غرور،
بلا مواربة،
كي أستردَّ الواقع من الحلم،
كي أعصر قصائدي بماء الزهر،
وأنقّي كلماتي الرعوية في مدح حزنكِ الجميل،
في مدح امرأةٍ أطحتُ بقلبها كمطرٍ صيفيٍّ في روحي.
فمها برعمُ حبقٍ في شقوق الرخام.
منتشياً…

د. ياس خضير البياتي

في سنجار، تلك المدينة التي تتكئ على الجبل وتطل على السهل وتتنفس الصحراء، وُلد كفاح محمود كريم عام 1954. هناك، في بيئة تتقاطع فيها الصلابة مع الحلم، بدأ الطفل الصغير يختبر قوة الصوت والكلمة، فكان خطيباً في مدرسته الابتدائية بين عامي 1961 و1967، يعلن مبكراً أن للكلمة وقعاً لا يقل عن وقع…

شيرين خليل خطيب

 

“حرمة الجسد في زمن اللايك.. حين تتحول الهشاشة إلى خيانة ناعمة”. هو موضوع استقيته من خلال مراقبتي لكل ما يدور حولي، ومِن تجارب مَن حولي مع مواقع التواصل الاجتماعي وما ينجم عنها، وما سينجم عنها مستقبلاً. ففي ثقافتنا، اعتدنا أن نربط مفهوم (حرمة الجسد) بالمرأة فحسب، وكأن الجسد الذكوري خارج معادلة القداسة والانتهاك….

خلات عمر

كانت هيلين تمتلك موهبة ربانية، وصاحبة حنجرة ذهبية. أسعدت آلاف الناس بأغانيها الرائعة والممتعة. كان حضورها مميزاً، تزرع الابتسامة في الوجوه وتوقظ الحنين في القلوب. وكان تواضعها وأخلاقها سببًا في حب واحترام كل من عرفها.

قصتها المؤلمة بدأت عندما التقت بفارس أحلامها، وجمع بينهما حب كبير لا يوصف استمر سنوات طويلة. رسم كلاهما مستقبلاً جميلًا…