أحبَّ الصغرى فعرضوا عليه الكبرى !! سلسلة ألحان الورد في فلسفة الحب والجمال في الإسلام ( 16)

د. علاء الدين جنكو

سمعت مؤخرا أن فتاة من قريتنا تزوجت ، وما إن وصل خبرها إلى مسامعنا حتى تحول دارنا إلى قاعة احتفال وعرس .. صدقوني الفتاة لا تمت لي بأية صلة قرابة سوى أنها ابنة قريتي .. كانت قد تجاوزت الأربعين من عمرها رغم امتلاكها لقدر من الجمال والأخلاق والحشمة !!

وبكل صراحة فرحتنا لم تكن لزواجها بقدر ما كان لإزاحة عائق كبير أمام تزويج أخواتها الخمس اللاتي تصغرنها ، حيث بقيت العائلة مصرة على عدم تزويج بناتها الصغيرات ما دامت العنوسة تأكل من حياة الكبيرة ..
هذه واحدة من المعضلات التي تقصم ظهر المحبين وخاصة عندما يقع الشاب في حب فتاة ملتزمة ، ويرغب في الزواج منها لكنه يصطدم بما ابتلي به مجتمعنا .. نعم لا يمكن أن تتزوج الصغرى قبل شقيقتها الكبرى ..
كم كانت الوقعة أليمة على شاب تقدم بطلب فتاة أعجب بها ، لكنه ذهل عندما عرضت عليه العائلة أختها الأكبر منها !!
إن هذا الأسلوب من التعامل مع فتياتنا لم يرد به نص قرآني ولا حديث شريف ، وأعتقد جازما أنها من إفرازات عاداتنا وتقاليدنا التي اشرأبت في ذرات أفراد مجتمعنا ..

هذا هو السبب :
ربما أريد بهذا التصرف الحفاظ على سمعة الفتاة الأكبر في العائلة ، حيث الزواج من الصغرى ربما يثير بعض التساؤلات عن سبب تأخر شقيقتها الكبرى ؟!
كما أن هذا الأسلوب كان سائدا في نظام الزواج قديما ، وهي إشارة من الأسرة على جاهزية الكبرى للزواج ، وذلك بسبب الظروف التي كانت تحول دون خروج الفتاة ، واقتصار العلم بوجودها على أن فلان أب لفلانة وفلانة ..
على أن الظروف قد تغيرت ، وتوسعت دائرة اتصال الفتاة بمجتمعها بسبب خروجها للدراسة والعمل ، ومن ناحية أخرى يرى البعض أن الأخت الصغرى إنما تصل لقمة سعادتها بزواجها قبل شقيقتها في الوقت الذي تتقطع شقيقتها ألما لتجاوزها وتخطيها في خطوة ليست لشقيقتها الصغرى أي ذنب فيما حصل لها ..

وتزداد تعقيدا :
لكن المشكلة تزداد تعقيدا عندما تكون الأخت الصغرى قد حظيت بحب شاب قرر الزواج منها ، لكنها تواجه شقيقة أكبر منها تعاني من بعض العوائق ، وربما بعض النواقص التي تسبب في عدم رغبة الشباب في التقدم لطلب يدها ..
وكم تكون المأساة أكبر إذا كانت الكبرى متكبرة متعجرفة لا ترضى إلا برجل بمواصفات عالمية كأن يكون رجلا سوبرمانا !!
حينها تكون قد ارتكبت جريمتين ، الأولى في حقها ، والثانية في حق شقيقاتها !!
ومن هنا أتصور أن الإنسان عليه أن يرضى بقضاء الله وقدره ، ويقتنع بنصيبه في هذه الدنيا ، ولا شك أن المسلم سواء كان ذكرا أو أنثى أمره كله له خير ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أصابته سراء شكر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء شكر ، فكان خيرا له ..
فيا قارئ ألحاني يا إخوتي وأخواتي المتحابين في الله :
إن كنت الأخت الصغرى فحاولي أن تفسحي مجالا لشقيقتك ، وخاصة إن كانت خطوبتها أو زفافها قد اقترب موعدها ، فمن الجميل أن تنتظري حتى تسير شقيقتك على بركة ربها جل شانه .
وإن كنت الأخت الكبرى فلا تحرمي شقيقتك الصغرى من مستقبلها لأمر ليس لها أي ذنب !!
أما أنت أخي الحبيب إذا لم تكن مرتبطا بفكرك وذهنك بفتاة معينة وأنت تبحث عن شريكة حياة ، تكون لك سكنا وأمنا فلا يكن كلمة ( الكبرى ) سببا في صرف نظرك عن الكثير من الصالحات الجميلات من بناتنا …

صراع أبوي :
وفي خضم هذا الجدل يعيش الأبوان في حالة صراع بين دعوة الشرع والعقل في الإسراع بتزويج الفتاة إذا جاءها خاطب على خلق ودين واتزان التزاما بأمر النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال : ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ) .
وبين نداء العاطفة بتأخرها مراعاة لمشاعر أختها التي تكبرها سنا ..
في الحقيقة يتألم الأبوان أضعاف ما تتألم به الفتاة الكبرى ، لأنه كما قيل : ( هم البنات إلى الممات ). وهذا عن دل على شيء إنما يدل على علو مكانتها وقدرها والاهتمام بها وفي كل شؤونها . كيف لا  ؟ وهي الحياة بكل معانيها …. نعم إنها الحياة
ومن طرائف هذه المسألة أن شابا خطب فتاة وبعد أن رآها في لقاء عائلي ، فوجئ في ليلة الزفاف أن العروس غيرها !!  إنها أختها الأكبر منها !!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…

عبد الجابر حبيب

لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.

أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.

لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما…

نصر محمد / ألمانيا

1.العنوان – التشخيص الأول

” ثقبٌ في ترقوة الأيام ”
الترقوة هي العظمة الرقيقة التي تربط الكتف بالصدر ، التي تحمل القلادة ، التي نضع عليها رؤوس أحبتنا . الأيام عند آفين لها جسد ، وهذا الجسد مثقوب . ثقب لا يلتئم . ومنذ العنوان نعرف أننا أمام زمن مريض ، زمن ناقص .

2….

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…