الشيخ عبد الرزاق جنكو…. كما أعرفه

بافي بيمان

لو سمحت لنفسي بحصر رموز الفكر الديني المعتدل في منطقتنا الكردية لكان شيخنا من بين الأوائل إن لم يكن في صدارتهم ولو سمحت لنفسي أيضا بذكر المخلصين لقضيتهم الكردية – وهم كثر – لكان شيخنا عبد الرزاق في مقدمتهم، اعذروني فأنا جدا معجب بشخصيته على الرغم من اختلاف التوجه الإيديولوجي بيني وبينه !!

عرفته مناضلا كرديا متدينا يبدع في التوازن بين فكره الديني والقومي فمنذ أيامه الأولى وفي شبابه درس في تل معروف عند بيت الشيخ احمد الخزنوي ثم تابع دراساته إلى أن تخرج من كلية الشريعة في بدايات سبعينيات القرن الماضي.
كان في الوقت نفسه عضوا نشيطا في الحزب الديمقراطي التقدمي في سوريا وكان مثالا لأصدقائه في التضحية وكان يتميز بشخصيته الجذابة وتمكنه من كسب جولات المناظرات لصالحه ، كل ذلك قبل أن يترك الحزب في عام 1977 م بسبب تبني الحزب للاشتراكية العلمية منهجا ، حيث كان الأستاذ عبد الرزاق يرى فيها فكرا خاطئا لا يمكن له أن يستمر في مجتمعه وقد صدقت تنبآته.
ومع انه ترك الحزب بقي محافظا على نضاله الكردي وتوج ذلك عندما تولى تقديم فقرات أول نوروز علني في سوريا وكتب يومها مسرحية وأخرجها بنفسه واعتلى المسرح في يوم لا ينساه من رآه.
بقي محل احترام من قبل جميع القيادات الكردية وخاصة قيادات الحزب الديمقراطي التقدمي فلم يوجه الاتهامات لرفاقه بعد اعتزاله للعمل الحزبي كما يفعل الغالب و لم يعرف عنه عداء لأحد الأحزاب ولا ميلا لأحدها في مواجه الأخرى.
اعتقل الأستاذ عبد الرزاق في عام 1981م في ذروة الأحداث بين الإخوان المسلمين والسلطات السورية لكنه أفرج عنه لبراءته وعدم وجود أي علاقة بينه وبين الإخوان بل على العكس كان شديد الانتقاد لهم لعدم تناولهم مظلومية شعبه الكردي.
عمل شيخنا عبد الرزاق خطيبا في مسجد جرنك والتي سماها (كوندكي كولا) لمدة عشر سنوات تربى على يده أهالي القامشلي وهو يتناول مواضيعه بكل اعتدال وفكر نير حتى أصبح مثالا لكل فئات الشعب السوري فكان زملاؤه المسيحيين يحترمونه لدرجة كبيرة كما كان محبوبا وذو منزلة خاصة عند أهالي قرية أبو خزف العربية التي ترعرع فيها.
وأذكر وللتاريخ أن الأستاذ عبد الرزاق أول من تناول استكارا على مجزرة حلبجة في أول جمعة بعد وقوعها من على المنبر في خطبته المشهورة بعد أن ألهب المشاعر وأبكى الحضور في خطبة له لم اخضر سواها في مسجده إذ لم أكن من المصلين !!
لم يعرف عنه عداءا لأحد من أجل مصلحته الشخصية وقد أصبح داره مجلس قضاء شعبي حل فيها الكثير من المشاكل الاجتماعية.
كنت اعلم ان له علاقة جيدة مع الشاعر جكر خوين حتى سمعت يوما أن الشاعر جكر خوين قال ما رأيت شخصا يجيد إلقاء قصائدي مثل عبد الرزاق وكما كانت له علاقة من بالشاعر ملا أحمد بالو.
أكثر الأماكن التي كان يلمع فيها شخصه الكريم كان في مجالس العزاء حيث كان يقدم النصائح والتوجيهات العامة ويحث على الأخلاق والإلتزام الديني ، كما كان يعرف بتمكنه من مهنته الوحيدة وهي التدريس وهو ما جعله محبوبا من قبل طلابه في ثانويتي الطلائع وتشرين.
كل ما ذكرته يعرفه من له علاقة بشيخنا لأنه واضح في شخصيته غير غامض مرح ومتفائل كنا نأخذ عليه حدته في المناقشات.
عائلته معروفة ومحترمة في مجتمعها وأفرزت شخصيات معروفة كالأستاذ حسن جنكو والأستاذ حمزة جنكو وليس بغائب عنا ولده البكر الدكتور علاء الدين الذي اخذ فكره منه المعتدل في كتاباته ومقالاته.
عاد شيخنا من الإمارات بعد غياب اضطراري نتيجة ظروف الحياة القاسية حيث عمل هناك مدرسا واخذ مكانه الطبيعي كداعية ديني معتدل.
تعرض شيخنا لمصيبة في أحد اولاده عندما ألقت القوات الأمريكية القبض عليه وأودعته سجن غوتناموا لكن صبره وقوة عزيمته أبت إلا ان ينتظر قرار براءة ابنه من قبل المحكمة الفيدرالية الأمريكية لتؤكد نزاهة ولده وحسن تربة ابيه له ولتمسح فترة زمنية عصيبة عاشها شيخنا وعائلته الكريمة.
عاد شيخنا للأضواء مرة أخرى هذه الأيام ولكن بصورة لم يكن احد يتمناها له وهي اعتقاله من قبل المخابرات الجوية في مطار حلب الدولي من دون ذكر أية أسباب وهو في طريقه لزيارة أحد أفراد عائلته هناك.
استطيع أن أقول شيئا واحدا للأمن في سوريا افعلوا ما شئتم ولكن يبقى شيخنا عبد الرزاق مثالا للوحدة الوطنية محبا لوطنه سوريا ورمزا كرديا خالدا في ذاكرتنا.

صبرا يا شيخنا الوقور عبد الرزاق وكل مصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون كما كنا نسمعها منك دائما في مجالس عزائنا التي فقدناك فيها هذه الأيام القليلة الماضية.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…

فواز عبدي

في شقة صغيرة في مدينة دورتموند، جلس دارا أمام شاشة الكومبيوتر يتصفح أرشيفاً رقمياً عن معرض دمشق الدولي. لم يكن يبحث عن شيء محدد. فقط كانت لديه رغبة عارمة في أن يربط بين ذاكرته الممزقة وبلدٍ لم يعد يعرفه إلا من صور باهتة وأخبار تأتي من بعيد محمّلة دائماً برائحة من آثار الحروب، وأحاديث…

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…