فيلم «ضربة البداية» الكردي…. إسقاط سريع بطيف لوني آخر

أيهم اليوسف
تحديداً، من ملعب كركوك، حيث اتخذته 300 عائلة كردية مسكناً لها في أكواخ من الصفيح، بعد أن شردهم النظام السابق، يضع المخرج “شوكت أمين كوركي” عدة تصوير فيلمه على أرض الملعب، يتوجه بفريق العمل إلى الزوايا المعتمة تحت مدرجات الملعب، يعتلي المدرجات حيناً، ويرمي حيناً آخر بمصفوفة الحوار إلى أرضية الملعب، في محاولة لتسليط الضوء على المشهد المؤلم الذي تعيشه تلك الأسر، بجملة إسقاطات سريعة خلال فترة زمنية راكدة، بعد سلسلة أحداث مهمة مرّت بها المنطقة بعامة، في استهلال لوصف حالة تلك الفئة المشردة، بمختلف انتماءاتها، يبدأ المخرج فيلمه الروائي وينهيه في لحظة ترقب المشاهد للأحداث اليومية على الساحة العراقية بعامة..!
بدءاً من لحظة دخول بوابة الملعب، يرصد لنا المخرج الخيط الأولي للفيلم، خلال وصول “آسو” إلى بيته الصفيحي، برفقته شقيقة الصغير ذي الساق المبتورة، والذي تعرض لوعكة صحية. يركن “آسو” دراجته النارية أمام باب مسكنه ويتقدم لمساعدة أخيه للولوج داخل ألواح الصفيح، فيما يسمى في تلك الرقعة الأرضية ب(المنزل)، فاستقبالهما من قبل والدتهما المتلهفة لعودتهما، حيث يطمئنها آسو على صحة أخيه.. مدخل سريع لمتابعة أحداث الفيلم، في سيطرة شبه تامة للوني الأسود والأبيض على طيف الألوان، بذلك هيأ المخرج مشاهد الفيلم، واستدرجه للدخول إلى الجو العام للفيلم، موعزاً تلك المعادلة اللونية بانعكاس لحالة أبطال فيلمه..!
“شوكت أمين كوركي” إذ نسج خيوطه الأولى بكتابته، ثم إخراجه في حلته النهائية، يرصد حالة اجتماعية ونفسية لساكني ملعب كركوك، بعدسة كاميرا سينمائية، وطاقم عمل يضم يابانيين، ليكشف الغطاء عن حال تلك الأسر بعرض الفيلم على شاشات السينما الدولية، متخطياً حدود السينما المحلية.
فيما يجسد “ضربة البداية” حالة بؤس قائمة بحد ذاتها على أرض الواقع، فالنسبة الغالبة من أبطال الفيلم شخصيات حقيقية تم تسخيرها بهدف إنجاح الفيلم، وهي نقطة تحتسب لصالح مخرجه..! الذي بدأ أولى أعماله باسم “عبور الغبار” الحائز على عدة جوائز في مهرجانات دولية، يليه فيلم “ضربة البداية” الذي نال في أول مشاركة له في الدورة الرابعة عشرة لمهرجان أفلام بوسان في كوريا الجنوبية جائزتين، الأولى جائزة “المسيرة الجديدة “30 ألف دولار” والثانية جائزة “الفيلم المختار” من قبل اتحاد نقاد الفيلم الدولي.
تلك الجائزتان إنما هما نتاج مراحل وخطوات حقيقية للسير بموهبة المخرج وفريقه الفني نحو العالمية، واستغلال المهرجانات لعرض الأعمال المنجزة، والمنافسة على الجوائز، وآخرها المشاركة في مهرجان دبي السينمائي الدولي، بدورته السادسة، الممتد من الفترة من 9 ولغاية16 من شهر ديسمبر 2009، منافساً تسعة أفلام، لنيل جائزة قسم ” المهر العربي” من مجموع 168 فيلمًا سينمائيًا من 55 بلدًا، في ستة عشر قسماً بالمهرجان، حيث تم عرض الفيلم في المهرجان مرتين، واستحقاقه شهادة تقديرية من اللجان المختصة.
(يقوم “آسو” بتنظيم مباراة لكرة القدم بين الصبية الكرد والعرب الذين يعيشون في الملعب، سعياً للترفيه عنهم وعن أخيه الصغير من ناحية، ونيل إعجاب جارته الجميلة “هيلين” من ناحية أخرى، ومع حلول الموعد المنتظر، تتحول حياة هؤلاء إلى فوضى رهيبة إثر حادث مأساوي).. هكذا عبّر المخرج عن قصة فيلمه باختصار، مفسحاً المجال لمدارك المشاهد وانطباعاته، بعد أن أزاح الغشاوة عن واقع الحياة في تلك المنطقة، معتمداً على المختصرات الرمزية وإثارة قضايا تأخذ فيما بعد طابع الاستفسار أو السؤال، منها:
هل الطفولة ستبقى رهينة حقول الألغام؟، ويزداد عدد ضحاياه يوماً بعد، بين موتى وأطفال عاجزين جسدياً إلى نهاية العمر؟ فالرضوخ إلى فكرة الانتحار، هرباً من الواقع المأساوي الذي يعيشه أحد الأطفال بعد أن فقد ساقة في حقلاً للألغام، يقوده إلى ذلك التفكير حرقة قلبه على لعبة كرة القدم، وهو يشاهد أصدقاءه يمررونها لبعضهم بعضاً في ساحة الملعب، بينما يستسلم بسجيته الطفولية لآلة حادة لقطع شرايين ساعده، للتخلص من واقعه الأليم، حالما انتهت به الطفولة  إلى عالم الشيخوخة والعجز..!
هل التعليم سيقتصر على المحاولات الخجولة لمحو أمية الأطفال..؟ بينما الأطفال يشكلون صفوفاً على مدرجات الملعب، تشرف “هيلين” على تعليمهم بطرق بدائية حسب الإمكانات المتوفرة، لمحو أميتهم المفروضة عليهم جراء فقرهم، وعدم تمكن أهليهم من الإنفاق عليهم لتعليهم. ترى هل ستوفق “هيلين” في التقرب إلى قلوب جميع الأطفال وتستقطبهم للتعليم..؟ هل ستبقى أسيرة ذلك المكان للإشراف على تعليمهم ونذر وقتها لهم؟
إلى أين سيتوجه ساكنو الأكواخ الصفيحية بعد المحاولات الجادة لطردهم منها..؟ في الوقت الذي لا يجدون المال الكافي لأن يقتاتوا به ما يسد جوعهم، السؤال الأكثر إلحاحاً لمن يود السماع في رحلة انتظار الجواب عنه، لأنه المؤشر الرئيس، لتغيير منحى حياة تلك الأسر فيما اجتازوا تلك العقبة..؟
هل سينتهي الحب قبل الإشهار به بمقتل الحبيب، فيموت أحد قطبيه، ويعيش الآخر على أنقاض الذكريات..؟ فيما يلف المشهد الأخير من الفيلم إيقاع جنائزي حزين، بعد أن عاد “شوان” محملاً على دفة خشبية، إثر تعرضه لعملية انفجار واستشهاده، ليتقدم بجسده لآخر مرة إلى حبيبته التي لم يستطع مصارحتها بحبه لها، نظراً للحالة الفقر التي يعيشونها، والمستقبل الذي ينتظرهم، والذي انتهى بغبارٍ يتناثر في كل الجهات محجباً الرؤية، حيث الكلمة الأخيرة للحب ول”هيلين” التي عالجت الموقف بدمعة ذرفتها في عراء الملعب الخاوي من أي حس، سوى الفراغ الذي أعقب موت حبيبها..!
جملة أسئلة يصوغها الفيلم بعلامات استفهام فارقة بانتظار من يجيب عنها..؟
في جدول تقويم الفيلم، ثمة نقاط ايجابية، وأخرى سلبية، وهي عائدة لمترادفة طويلة من الشروط التي حققها الفيلم في جوانب ما، وأخفق بها في جوانب أخرى، حيث المادة تلعب دورها الأهم لخروج الفيلم إلى النور، إضافة لعنصر اللمسة الفنية على مستوى الطاقم ككل.
سيطرة الطابع الوثائقي على الفيلم، أضفى على الحوار وقعاً ثقيلاً، نظراً للاعتماد على الصورة في الشرح والوصف بشكل شبه كامل، بالإضافة إلى الموسيقا والمؤثرات الصوتية، بذلك غدا الحوار عنصراً إضافياً مكملاً، لا عنصراً أساسياً، فيما أتى عنصر الإثارة والتشويق ثقيلاً، مرهقاً للأعصاب في شد وإرخاء حبل التشويق في تتبع بعض اللقطات والمَشاهد ونقاط الوقف..!
على الرغم من عمر صناعة السينما والتجارب القليلة على مستوى الساحة عموماً، إلا أنه تم التفادي قدر الإمكان من اصطدام المشاهد بالجدار الثقيل الذي يخلفه فقر التقنية، والذي بدوره يعكس شحّ الإمكانات المادية، منها على سبيل المثال، الاستعانة بالخدع السينمائية، التي يخلف غيابها خللاً أو نقصاً في المشهد، رغم تخطيها في بعض الأحيان، وتمردها أحياناً أخرى لاستظهار جسد بعض المشاهد غير مكتمل، وهذه الخدع بدهية، معروفة لدى الجميع.

عموماً، إمكانات مادية خجولة، وطاقم عمل متكامل، وموهبة فطرية، مجتمعة في عمل فني سينمائي واحد، ترجح كفة الميزان للجانب الإنساني الخلاق الذي ساهم وأبدع في إعداد هذا العمل، لكشف الستار عن الخبايا التي يجهلها العالم وهي تفتك في ذلك المجتمع بصورة فنية جميلة..!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

جوان سلو

“كانت القهوة قد ابتردت في فنجانه عندما رفعه إلى فمه، وارتشف منه رشفة صغيرة. وضع الفنجان وهو يتأمل أمامه، عبر الواجهة الزجاجية الكبيرة. لا شيء يثير الانتباه في ساحة “سعد الله الجابري”، كل ما فيها يشتت الذهن.. وقبل أن تشده البلادة إلى الكسل أمسك بالقلم، وعاود الكتابة من جديد”

يمتد المقهى كحيّزٍ وجودي يأخذ من…

إبراهيم محمود

لا أذكر منذ متى أحلم بزوجيْ حذاء يناسبان رجْلي اللتين لا يفارقهما ناظريَّ ، وبي سخط وقهر وقنوط!

أذكر أن أبي كان يعاني من المشكة نفسها، وهو يتحسر على امتلاك زوجي حذاء يريحان رجليه حين يمشي، ويبقيهما أمامه حين يجلس في مكان ما، ليعرف كل من يراه أنهما يخصانه.

لم أصدقه حين كان يشدد على حرمانه…

ا. د. قاسم المندلاوي

اختُتمت منافسات كأس العالم 2026 ، التي أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، بمشاركة 48 منتخبا للمرة الأولى في تاريخ البطولة ، بدلًا من 32 منتخبًا ، في تجربة تنظيمية جديدة للاتحاد الدولي لكرة القدم ( فيفا ) وقد شهدت البطولة إقامة 104 مباريات خلال الفترة من 11 يونيو إلى 19 يوليو…

كيفهات أسعد
ثَمّةَ كائنٌ خمسينيّ في مكانٍ ما،
بعيدا عن أخطاء أبيه.
حزينٌ في مكانٍ ما،
تعيسٌ في مكانٍ ما،
يطمئنّ على أوجاعه كاملة،
ويطمئنّ على الطغاة
الذين دخلوا قلبه مرةً
ثم رحلن،
كعناكبَ سوداء،
أو كنصفِ حوريةٍ ونصفِ ملاك.
ثَمّةَ كائنٌ خمسينيّ
ترك التدخين،
والنساء،
والخبز الأسمر والأبيض،
ترك السكر والنشويات.
ينام بقلب طفل،
ويصحو بهِمّة شيخ.
لم يعد يفرّق
بين الوردة وفنجان القهوة.
لم يعد يلتفت
إلى من انتحرت
بكامل أناقتها،
وبياضها،
وزينتها،
وحُلِيّها،
ومرحها.
في مكان ما،
هناك خمسينيّ
لم يعد…