لماذا هذا الجدار بين المثقف والسياسي!!!؟

 سلمان بارودو

كتب الكثير من المقالات والكتابات في الآونة الأخيرة من قبل بعض اللذين يدَعون أنفسهم بالكاتب أو المثقف وأخص في موضوعي هذا ب( العلاقة بين المثقف والسياسي ) هذه المقالات والكتابات التي قرأت بعضاً منها في عدد من المواقع الانترنيتية تسيء حتى إلى المثقف والسياسي معاً كونهم – أي هؤلاء الكتاب – يجهلون دور الاثنين معاً وبذلك يخلطون الحابل بالنابل من خلال كتاباتهم بهذا الشأن.
وإن ما أثارني لكتابة هذا الموضوع هو استمرار البعض من هؤلاء الكتاب في الكتابة بالشأن المذكور، وحتى أن بعضاً منهم في الواقع العملي بعيد كل البعد عن هذا الفهم والدراية الكافية بالموضوع الذي يتناولونه بأنفسهم، بذلك يرسمون صورة سوداوية لمفهوم ولأداء الاثنين معاً في ذهنية القارئ أو المتلقي، وبالتالي يشكلون نوعاً من الإحباط لدى الناس، ويزرعون اليأس وعدم التفاؤل بالمستقبل لدى الجيل الفتي، يجهلون ويتجاهلون العلاقة الجدلية بين السياسي والمثقف، إذ لا سياسة بدون ثقافة، ولا معنى للثقافة بدون تجسيد عملي من قبل السياسي في برامج عمله، ومن ثم ترجمتها في الواقع العملي لنضاله اليومي، صحيح هناك دوران مختلفان لكل منهما ولكن متكاملان بنفس الوقت.
نحن نتحدث عن فوكوياما، فننتقد نظريته حول «نهاية التاريخ» قائلين بأنها مقولة متهافتة لا قيمة لها على الصعيد الفلسفي أو العلمي. هذا ما نقوله ونعلنه،ولكن ما لا نقوله، وهو الأهم، هو أن مقولة فوكوياما قد اخترقت عقولنا وخطاباتنا من فرط أهميتها، بدليل أننا ننشغل بها ونشتغل عليها بالشرح والتفسير، أو بالرد والتعليق. أما ما نقوله عنها فهو مجرد ردود فعل لا توازي الفعل نفسه، أي مجرد خطاب إيديولوجي في منتهى الضعف والهشاشة.
ولذا لم يتولّد عن نقدنا لفوكوياما فكرة جديدة أو قراءة مهمة للعالم تستأثر باهتمام أهل الفكر على الساحة العالمية.
ولذلك، ليس الكلام أو بالأحرى الكتابة عن دور المثقف أو السياسي بالشيء السهل أو الهين إن صح التعبير، خاصة في تغيير المجتمعات وتقدمها وتحريرها من كافة أنواع التخلف والاضطهاد والاستغلال الذي تمارسه الأنظمة الاستبدادية، لأن المثقف تقع على عاتقه زرع بذرة المعرفة والتاريخ والقيم والعادات في ذهنية الجيل الفتي ويعزز ثقته بنفسه فيسير نحو المستقبل بعيون مفتوحة وبذهنية معرفية تعي مهامها ودورها في صناعة المعرفة الإنسانية.
إذ لا يجوز ابتعاد المثقف عن السياسة ولا السياسي عن الثقافة، إن الإشكالية لا تكمن في تعريف من هو المثقف أو السياسي، بل في تجديد دورهما وعمليهما في خدمة المجتمع بشكل عام.
إن الإنسان المثقف بشكل عام، هو من تتوفر فيه متابعة ما يحدث في المجالات المعرفية المختلفة وليس فقط في مجال تخصصه، وذلك، كي يستطيع أن يلم بالحركات الفكرية وتياراتها المختلفة والتي يموج بها العالم في الوقت الراهن، وأن لا تنحصر معرفته لها في الحاضر فقط لأن الحاضر ما هو حصيلة الماضي، أما الأهم أن تتوفر في المثقف هو أن يتفاعل مع المجتمع وإحداثه وليس فقط مع الثقافة العامة التي حصل عليها عن طريق القراءة والمتابعة،ويكون هذا التفاعل على مستويين:- الأول – هو محاولة نقل خبرته الثقافية ومعلوماته إلى المجتمع بحيث يطوع هذه الثقافة. والثاني – هو أن تكون لهذا الإنسان نظرة نقدية لمجتمعه، بمعنى ألا ينعزل عنه وإنما يدخل في حوار مع إحداث هذا المجتمع سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.
إذن، الإنسان المثقف، هو الإنسان الذي يعيش بكل حياته ووجدانه وتفكيره مع المجتمع الذي يحيا بداخله، وأن يظل بعيداً عن المهاترات، وأن يكون عف اللسان، وأن لا يكون منافقاً أو متملقاً.
وعليه، فالمثقف، هو الإنسان الذي يعي ذاته وذات مجتمعه، من خلال الصلة بواقع هذا المجتمع وموارثيه الفكرية والحضارية، وبقدرته على إدراك واقعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتفسير هذا الواقع تفسيراً حقيقياً.
لذلكً، من غير المعقول والمنطقي فك الارتباط بين المثقف والسياسي، فالسياسة والثقافة تخترق أحداهما الآخر إن قبلنا أو لن نقبل، أي لا يمكن فرزهما بشكل ميكانيكي أو اعتباطي إن صح التعبير، لأن السياسة أو الثقافة ليس حكراً لفئة معينة دون أخرى، لذا ينبغي على جميع المهتمين والغيورين على مصلحة المجتمع بشكل عام المساهمة والمشاركة في رسم مستقبل أفضل لمجتمعاتهم، خال من كافة أشكال التمييز والظلم والاضطهاد.
لكن الذي لا لبس فيه، أن مهما تعارضت الرؤى والأفكار، فإن كليهما أي المثقف والسياسي يسيران في خطين متوازيين، حتى وأن بدت العلاقة بينهما بالتنافر والاختلاف.فمهما تكن نقاط الاختلاف والتباعد فإن كليهما بحاجة إلى الآخر في نهاية المطاف، أي من الصعب بناء جدار صيني بينهما، كون العلوم خطت خطوات جبارة في البحث، وتشعبت إلى فروع متميزة بصورة لم يعد لدى أكثر العلماء عبقرية سوى لمحات عن العلوم التي ليست هي العلم المختص فيه ذلك العالم. ويعود هذا الأمر إلى وتيرة التقدم العلمي التي أصبحت بقدر جعل من يتبعها يلهث وراءها، ذلك أن التقدم بات يسير لا وفق سلسلة حسابية وإنما وفق سلسلة هندسية.

فالعلاقة بين الثقافة والسياسة يجب أن تكون منتجة وفعّالة. بمعنى أن يؤدي انفتاح المثقف على المجال السياسي إلى تغيير سياساته الفكرية، وبشكل يتيح له ابتكار إمكانيات جديدة للتأمل والتفكير، كما يؤدي انفتاح رجل السياسة على منتجات الفكر، إلى تغيير فكره السياسي وبصورة تتيح له اشتقاق إمكانيات جديدة للعمل والتدبير. على هذا النحو يمكن أن تنشأ علاقة تبادل مثمر وتفاعل خلاق، بحيث أن تغيير سياسة الفكر، يسهم في خلق واقع فكري تتغير معه العلاقة بالواقع السياسي، كما أن ابتداع ممارسات سياسية جديدة، يسهم في خلق واقع مجتمعي تتغير معه العلاقة بالأفكار.

لذلك، على السياسي أن يقدر ويراعي الظروف والإمكانيات المتواجدة لديه بشكل دقيق وجدي لكي يخلص مجتمعه إلى بر الأمان بكل نجاح وتقدم،لأن التطبيقات العلمية هي بشكل أصبح معه كل فرد يدرك ويهتم بالتغيرات الهائلة التي دخلت على نمط الحياة وعلى الحياة السياسية والاقتصادية في مجملها، وحتى على طريقة فن إدارة الحروب. أما المثقف فعليه القيام بدور المحرض على العمل والبناء، وذلك مستخدماً قلمه بكل جرأة ووضوح، وهو في ذلك يقدم كل الدعم للسياسي في مواجهة الصعوبات والعقبات التي تعترض سبيله.

 

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود

إن “جعل القراءة شكلًا من أشكال الكتابة التي تسد الثغرات” هو أحد مواهب وقدرات القراءة الرديئة التي يُسلط البحث الضوء عليها. حيث لا يكمن السؤال في ما إذا كان المرء ينتمي إلى فئة القراء الجيدين أو الرديئين بعد هذه القراءة الأخيرة، بل في كيفية أن يصبح قارئًا أفضل من خلال الجمع بين نقاط قوة…

أجرى الحوار: عبدالقادر حسن

لم تكن ميديا حسين مجرد حارسة تقف بين القائمين في طريق منتخب سوريا نحو لقب غرب آسيا، بل كانت واحدة من أبرز بطلات المشهد، بعدما تحولت لحظة تصديها الحاسم لركلة الترجيح أمام لبنان إلى صورة تختصر الإصرار والهدوء والثقة.

ابنة الحي الغربي في قامشلو، القامشلي، القامشلية… سمِّها ما شئت، نشأت…

جوان سلو
“كاتب وناقد أدبي”

هل نحن نفكر؟
من الذي يجعلنا نفكر؟
ما هو المسار إلى التفكير؟
بهذه الأسئلة الوجودية يصدمنا الكاتب بكتابه ومعادلاته الفلسفية، ويفتح لنا أبوابا من التفكير في ماهية العقل والإدراك، ويدعونا كي نغوص معه في بحر فلسفة أساسها الواقع، لما لهذه الأسئلة من أهمية في حثنا نحو التقدم إلى الأمام ومعرفة طبيعة…

نصر محمد

جوان سلو إنسان محب كالنهر، كزهرة، كقبلة، يجد لذته بعد كتابة النص بلحظات لا توصف لجماليتها، يحس بسعادة السلام الداخلي كحجلة ترعى أفراخها أعالي الروح. تهيمن على روحه الطبيعة في كل الفصول، وفي أودية قلبه براكين معاناة سريالية تجعله يكتب ولا يشبع.

قبل أن أدخل عالم القراءة، يجب إعطاء لمحة للقارئ عن الكاتب.

جوان…