جحش تركي مفقود في المركز الثقافي!!!!!

 المحامي محمود عمر

لم يستطع الحصول على  الشهادة الإعدادية إلا بالمساعدة وبعد عدة سنين من تقديمه لامتحاناتها, وإتباع كافة وسائل الغش التي كان محترفا فيها, وبعد ذلك أصبح همه الوحيد هو الفوز  بفرصة للعمل في القطاع العام, فقط كي يطلق عليه لقب موظف, ولبلوغ مراده سلك كافة الطرق المشروعة وغير المشروعة وتذلل لهذا وذاك, وعرض الرشا على أكثر من شخص, وأيام المسيرات لم يترك واحدة إلا وكان فيها يصعد فوق الأكتاف ويصرخ بأعلى صوته وهو يردد هتافات ذلك الزمان, ليزاود بها على الجميع ويلفت انتباه المسؤولين إليه, جاءت الفرصة  وحصل بسرعة لم يكن يتوقعها هو على فرصة العمل في إحدى الدوائر التابعة لوزارة الزراعة, غير شيئا ما من مظهره الخارجي ومن طريقة لبسه, ويوم بعد يوم أصبح  انفه ـ وكما يقال ـ في السماء
 ولكن طموحه لم يتوقف عند هذا الحد عندما رأى الامتيازات التي يحظى بها شخص المدير في الدائرة فهو الآمر الناهي والكل يسعى وراء إرضائه, إضافة إلى الامتيازات المادية التي يمكنه منصبه منها, لذلك قرر أن يسعى وراء هذا المنصب ولا يهم في أي دائرة كانت, عاد إلى وسائله القديمة من جديد وعرض خدماته على أكثر من جهة وبدأ بمسح الجوخ هنا وهناك وبعد فترة وجيزة جاءته البشارة, فمدير إحدى المراكز الثقافية في إحدى بلداتنا قد أحيل إلى التقاعد, وليس لشغر هذا المكان من هو أنسب من صاحبنا حديدان , بسرعة البرق صعد منصب الإدارة بعد إن كان قد اشترى عدة أطقم رسمية ليرتديها, لزوم المنصب الجديد تعلوها قمصان وكرافات ذوات ألوان فاقعة, وكان قد كلف صاحب المحل بأن يعقد له عقد جميع الكرافات لأنه حاول مرارا وتكرار ولكنه لم يستطع أن يتقن فن عقدها, وأمر المستخدم بأن تكون قهوته المرة جاهزة على الدوام ودس في جيبه بعضا من النقود ليرسل باقات من الورد في اليوم التالي  لتهنئته بالمنصب الجديد, بعد ان كان قد زوده بقائمة الأشخاص التي يجب أن تحمل هذه الباقات أسمائهم ,وقع على محاضر الاستلام والتسليم دون أن يدقق فيها وما تحتوي,سارت الأيام ومرت الشهور وتتالت السنون وكان صاحبنا قد استطاع أن يحتفظ بمنصبه ببراعة, ولم يكن يكدر حياته سوى أمران:الأول تلك العادة المقززة التي لازمته منذ الصغرـ ولم يستطع تركها ـ وهي عادة دس أصابعه في مناخير انفه على الدوام وكم كان يصاب بالإحراج أمام ضيوفه وموظفيه  حين يمارس عادته هذه, أما الثاني انه ما زال محتارا في أمر أحد أقلام المفقودة في محاضر الاستلام والتسليم ,لأنه وبعد عدة أشهر من صعوده لمنصب الإدارة وجد أمام هذا القلم مكتوب عبارة (جحش تركي), وهو لا يرى في المركز أي اثر لجحش أو حمار,وهو يخجل أن يستفسر موظفي المركز عن حقيقة هذا القلم, وكم مرة بحث عنه حتى في فسحة المركز, ولكنه لم يكن يجد ضالته, وكان يقول:آه لو تعلق الأمر بجحش عادي لكان من السهولة إيجاد بديل فما أكثرها في القرية,ولكن جحش تركي, كانت هذا المعضلة تؤرقه مرارا وتكرارا ولكنه كان في النهاية يمني نفسه حين يصل الى طريق مسدود في الحل بالقول من سيدقق أو يسأل ما دمت أنا هنا.

 دارت الأيام وجاء اليوم الذي كان أشبه بيوم قيامته فالقرار الذي صدر بضرورة أن يتولى خريجو الجامعات  منصب الإدارة في المركز الثقافية كان بمثابة القشة التي قصمت ظهره,وفي اليوم الموعود حضر البديل وكان أول ما سأل عنه هو محاضر الاستلام والتسليم وضرورة مقارنتها بالموجودات, حاول صاحبنا أن يراوغ  أو يؤجل الأمر, ولكن البديل كان حازما حين شعر من تصرفاته إن هناك ما يدعو للقلق, تذلل له هذا الأخير وأطلعه على القلم المفقود وطلب منه بأن يكتم سره ولكن رفض البديل كان قاطعا وتحجج بأنه لا يستطيع تحمل هذه المسؤولية وان الدولة لا تتنازل عن حقوقها لأحد,وان الأمر يتعلق بجحش وليس بشيء صغير يمكن إخفاءه, بالغ  صاحبنا في الترجي والتذلل وأخبر البديل انه رهن إشارته  فيما يطلب, دقق البديل في المحضر وأخفى ابتسامته الغامضة عن صاحبنا وبعد طول ترج رضي بأن يكتم سره على شروطه, فما كان منه إلا السمع والطاعة, ومنذ ذلك اليوم ولعدة أشهر كان البديل وعلى الدوام يبتز صاحبنا ويستغله وكان قد أثقل كاهله بطلباته وعزائمه التي لا تنتهي, وحين أدرك تذمره وتململه طلب منه الحضور إلى المركز لتسوية هذا الأمر نهائيا, مدعيا انه قد وجد المفقود, لم يصدق صاحبنا الأمر وظن إن مكيدة أخرى تحاك ضده, ولكن ليس باليد حيلة, حضر في اليوم المحدد ولم يجد في الإدارة سوى المدير وبجانبه آلة موسيقية يجهل اسمها ,وحين سأله عن القلم المفقود الذي يدعي بأنه قد وجده أشار البديل إلى تلك الآلة, ظن صاحبنا لأول وهلة بأنه يسخر منه, ولكنه  أشارمن جديد الى الآلة قائلا هذا هو الذي شغلك كل هذه السنين يا…… ألم تسأل نفسك يوما ما حاجة المركز الثقافي إلى جحش أو حتى  حمار, أن القلم الذي تبحث عنه هو هذه الآلة  وتدعى(جمبش تركي) وليس جحش تركي أصيب صاحبنا بالذهول وكاد أن يغمى عليه, ومن شدة خجله ترك ـ ومن فوره ـ المكان مطاطىء الرأس وهو يقول إنا من أستحق أن يطلق عليه لقب جحش تركي.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود

هي ذي روجافا الصخرة

نهرٌ يرسم مجراه في عهدتها

أرض توقظ أمساً فيها ليراها روجافا

وغَداً كم طال تحققه لقيامة روجافا

هوذا كاوا

مطرقة ذات دوي

جبل يشمخ بالكردية

الشعلة تأخذها نشوة أيد في وثبة روجافا

وجهاً كردياً يعطي للنهر سلاسته

في الصخرة بصمة كرديته

وجهات تأتيها

وهْي تردد في جملتها

مرحى

بردٌ وسلام يردَان

ينعطفان عليك

روجافا ليست نحتاً في خشب مجهول…

صبحي دقوري

ليس أخطر على الثقافة من لقبٍ يُمنَح قبل الاستحقاق، ولا أضرّ بالفكر من صفةٍ تُعلَّق على الصدور كما تُعلَّق الأوسمة على صدور الجنود في مواكب الاستعراض. فالفكر عملٌ، واللقب دعوى،…

إبراهيم محمود

“إلى إبراهيم يوسف طبعاً من شرفة مشتركة بيننا “

لأول مرةْ

سأرفع صوتي

مدوّ صداه

مداه مسمَّى

تسامى

إلى عتبات المجرَّة

وأعلنني طائراً في سماء تراني

كما لم أكن قبل في شرح ظلي

كما هي روحي

وفي لحظة العمر مُرَّة

أنا جمْعُ كرد

أحدّد جمعَ اعتبار

هنا في المكان

ملايين صوت

ملايين حسرة

وأعني بشارة ثورة

لهذا

سأحفر كرديَّتي في غد ٍ مستدام

على كل جذع لنبت ٍ

وفي كل صخرة

ومنعطف للزمان

وقمة…

صبحي دقوري – باريس

يُعَدّ هنري غوهييه أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ تقاليد كتابة تاريخ الفلسفة في فرنسا خلال القرن العشرين، لا بوصفه صاحب نسق فلسفي مستقل، بل باعتباره مفكّرًا اشتغل على الشروط المنهجية والمعرفية التي تجعل من تاريخ الفلسفة حقلًا فلسفيًا قائمًا بذاته، لا مجرّد فرع تابع للتاريخ العام أو لعلم…