أكراد ـ أخوتي بالرضاعة

  منذر مصري

أول ما تعرفت على عباس بيضون قال لي: (إن لم تكن كردياً ولا تركمانياً ولست من السلمية، إذن أنت شاعر سوري… حاف!؟(.

في (ديار بكر) حاروا بأمري، سألوني عن عبد الله أوجلان، أجبت: أعرف عنه بعض ما تناقلته الصحف من أخبار! فسألوني، عن رمضان البوطي، فأجبت أيضاً: لا أستمع لبرامجه ولم أقرأ أيّاً من كتبه!؟ وعندما وقف أحدهم وقال لمحمد أبي سمرا ويوسف بزي وفرج بيرقدار، إن ما سمعه في ندوتهم يخالف ما قالته له أمه يوماُ: (أعداء الكردي يا ابني ثلاثة، العربي والتركي والإيراني!) عمدت أن ألتقيه بعد انتهاء الندوة لأقول له: (يا صديقي، أعداؤك الثلاثة هؤلاء هم أخوتك الثلاثة! أما لماذا أخفت عليك أمك حقيقة كهذه، أنا أقول لك، لأن أخوتك العربي والتركي والإيراني ليسوا من بطنها، بل من بطون أمهات أخر، لغات أخرى!!
تستطيع أن تفهم أن بشار عيسى وعمر حمدي وبهرم حاجو (سبهان آدم وأحمد برهو ليسا كرديين، وطوال الوقت كنت أظنهما كذلك) ومحمود حسو ونهاد الترك وحسكو حسكو ونديم آدو وعبد الكريم مجدل بيك وعمران يونس وناصر إبراهيم… رسامون أكراد.. لماذا لا!؟ الرسم لغة عين، رغم أنك لا تستطيع أن تأخذ صورة للفن التشكيلي السوري المعاصر منذ السبعينات لليوم، دون أن تضعهم قريباُ من الوسط وقريباً من المقدمة، ويقول نزار صابور إنهم قريباً سيحتلونها. ولكن ماذا عن حامد بدرخان، سليم بركات، شيخموس علي، إبراهيم يوسف، محمد عفيف الحسيني، لقمان ديركي، الأخوان حسين وعارف حمزة، طه خليل، (عمر قدور ليس كردياً أيضاً!) لقمان محمود، إبراهيم حسو، مها بكر، وصلاح داود، وحسين حبش، ورفعت شيخو، ومحمد رشو، ودلدار فلمز، وسلام أحمد، وأحمد حيدر، عبدالرحمن عفيف، فتح الله الحسيني، ومروان علي، وإسماعيل كوسة، وطلال ديركي (هل يحتمل الشعر السوري شاعرين من آل الديركي أحدهما لقمان!؟)… وآخرين كثيرين، دونكم أمثالهم العراقيين، كيف نستطيع أن نقول عنهم إنهم شعراء أكراد، وهم حقاً شعراء أكراد، ولكنهم يكتبون أشعارهم باللغة العربية. وهذا لا يشابه، إذا أردنا المقارنة، حالة الأمريكيين والأستراليين عندما يكتبون باللغة الإنكليزية، ذلك أن الأمريكيين والأستراليين هؤلاء قد اتفقوا أن تكون الانكليزية لغتهم الوطنية، وليس لديهم اليوم سواها، وكذلك الكولومبيين والتشيليين والأرجنتينيين والفنزويليين إذا كتبوا بالإسبانية. ولكن للأكراد لغة ذات إرث، ذات ماضٍ وذات حاضر، وجميع من ذكرت، أحسب، يغني بها.
أتعلمون ماذا تعني جملة: (يكتبون أشعارهم باللغة العربية)؟ أتعلمون ماذا تعني كلمة: (أشعارهم)؟ تعني أنهم يحبون ويهجرون، يتسلطنون ويتضرعون، يضحكون ويبكون، يأملون وييأسون، ينتصرون انتصارات الشعراء الصغيرة وينهزمون انهزامات الشعراء الكبيرة، يتألمون ويشفون، إذا كان في الشعر رشفة شفاء، وينامون حتى الساعة الثانية ظهراً لأنهم سهروا حتى الساعة السادسة صباحاً، ولا أحد يدري بماذا راحوا يحلمون… باللغة العربية.
لا أحاول أن أبني على واقعة سحرية كهذه، فكرة ما تتجاذبها سياسة أو عصبية أو تفاخر، من أي نوع. ولكني أنتهز فرصة نشر هذه الحلقة من: (دعوة عامة لشخص واحد) التي كتبتها بالمشاركة مع قصائدهم، على النحو الذي ذكرت بالحلقتين السابقين، لأقدمها لهولاء الشعراء، أخوتي، الذين رضعوا من حليب أمي، الأبيض، الحلو، الدسم. فأحبوه وأدمنوه. ولكنه، بالمقابل، لم ينسهم طعم حليب إمهاتهم، ليس لأم كخالدية أن تشد بالطفل من ذراعه، لـتأخذه لنفسها، دون أن يهمها ألمه وصراخه. طوال حياتها معي، أنا ابنها في الحليب والدم، لم تفعل مرة شيئاً كهذا.
إليهم، احتفاء بهم بيننا، احتفاء بجمالهم وروعتهم، احتفاء بالمعنى الذي يعطونه لحياتنا، حياتنا معاً، كما في الماضي، كما الآن، وكما يجب دائماً، في القادم من الأيام..

عن موقع قصيدة النثر

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ممدوح عبد الستار (روائي وقاص)

تتمحور الفكرة الرئيسية لرواية “تذكرة عودة” – الصادرة حديثاً- للروائي “جوان سلو” حول استكشاف أثر الحرب والصراع على الهوية والذاكرة والإنسان، من خلال التركيز على مدينة كوباني (عين العرب) الكردية في شمال سوريا، والتي عانت ويلات الحرب ضد تنظيم “داعش”. الرواية رحلة في نفوس شخصياتها، وكيف أثرت الحرب على حياتهم، وعلى…

خالد بهلوي

تبرز أهمية مهرجانات الشعر بوصفها فضاءات ثقافية تجمع الشعراء والمثقفين والجمهور، وتمنح الشعر الكردي فرصةً للاستمرار والتطور والانتشار. خاصةً أن الشعر يُعدّ من أكثر الوسائل تأثيرًا في نقل اللغة بين الأجيال. فعندما يجتمع الشعراء لإلقاء قصائدهم سواء كانت باللغة الام ام باللغة العربية، فإنهم يساهمون في إحياء المفردات والتعابير الكردية وإبراز جمال اللغة وقدرتها على…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من السهل أن يسأل الكاتبُ: إلى أين أنتمي؟. السؤالُ في الظاهر بسيطٌ، لكنَّه حين يخرج من فم كاتب أفريقي عاشَ الاستعمارَ، وورث لغته، وغادرَ بلدَه، ثم وجد نفسه يكتب من فضاء آخَر، يتحوَّل إلى سؤال ثقيل، يكاد يكون سؤالًا عن الحق في أن يكون الإنسانُ نَفْسَه.

الكاتبُ…

جوان سلو

“أخطط لمواصلة الاستفادة من استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة رواياتي، مع السماح لإبداعي بالتعبير عن نفسه على أكمل وجه”
(سي إن إن بالعربية 20 يناير 2024).
هذا ما قالته الكاتبة “ري كودان” الفائزة بجائزة الرواية اليابانية لعام 2024، والبالغة من العمر 33 عاماً، حيث أنها اعترفت بأنها حصلت على مساعدة من مصدر “غير مألوف” أي…