اصدقاء يرحلون من اجل شهرتنا !!

فرهاد راوندوزي

“اليوم قرأت الانجيل للمرة الثالثة وانهيت قراءة عدة روايات قديمة انهيتها للتو ورميتها فوق طاولتي و  الاصدقاء يمرون من خلف الستائر بجلبتهم الجميلة و انا ما زلت اقرأ و ابحث بينما كان صديقي المبدع الكبير الذي مات منذ يومين معي …….. ”

هذه الجملة هي تركيبة مني عزفا على كل ما قرأت من كتابات  مؤخرا على صفحات الانترنت و في معظم المواقع الالكترونية سواء أكان الموضوع مقالة او  قصيدة شعر او نثر او حتى كتابة في رثاء صديق، فما كان للكاتب في كل مرة الا و  ان يجد لنفسه و ذاته موقعا في النص.

 نعظم الاخرين لانهم كانوا اصدقائنا، و نقول ان هذا العظيم الذي مات فوق قبور الموتى كان صديقي!!!  لست هنا  بصدد ان  اطرح رؤية نقدية تلقينية و انما المسألة واضحة لأي قارىء بسيط. فا ايها العظام اتركوا هذه الجلبة الرديئة و اذا كنتم تودون فعلا ان تتحدثوا عن الموتى الاصدقاء، فاكتبوا عنهم ادبا و ابداعا لكي نحسها مرتين : مرة بكتابتكم و مرة احتراما لذلك المبدع الذي رحل.
 و انا هنا خائف ان موت ذات يوم و تصبحون كلكم اصدقائي ، فمنذ الان اعلن لكم: لا احد منكم يستطيع الدخول الى مهجعي الصامت ، فلا تكتبوا عني و اذا كتبتم فلا تنسوا ان تمدحوا انفسكم كاصدقاء لي و تطنبوا في الحديث عن المغامرات التي قمنا بها سوية في رحلة الابداع و الفن و الفكر و تصفون انفسكم كمثقفين تتأبطون كتبا للقراءة و الثقافة و كأن الثقافة سيف يمكن ان نسلطه على رقاب العاديين من البشر و لا تنسوا كم حبكتم الحيل و المؤامرات الخاوية التي اردتم بها اظهار ذواتكم !
ايها الاصدقاء! نتعامل مع الابداع لكي نتخلص من هذا الرعب الابدي الجاثم فوق عقول البشر الا و هو ذلك العزف الهادىء للاحتماء من الموت ،ثم نتلجىء الى معزوفة أخرى دفاعا عن كل الاشياء و الافكار التي فتحوا لها نافدة في ادمغتنا حين كنا اطفالا نتسكع في الحواري و الطرقات المغبرة ،  و قتها كانت الكلمات جميلة دونما كره او عداء او نفاق اوتضخيم للذات…. اعذروني ! كل جملة من جملكم التي اقرأها الان و  كأنها نصل مثلوم يقطع شرياني الوحيد بينما تظنون انكم كتبتم او فعلتم شيئا  من اجل ميت ما… احذركم بمودة ان ليس لي صديق منكم فانا عشت في قارة بعيدة صادفت عرافا مد لي منظارا اراكم من خلاله.
و لكي اسعدكم اكثر اقول ان احد المبدعين سيموت عما قريب فجهزوا من الان عدتكم و لا تنسوا ان تذكروا اسماء زوجاتكم و اولادكم و ان تنشروا صور اطفالكم مع كاتب شهير  منسجم مع نفسه لدرجة انه قد تخلى عن اخر قطعة ثياب له في المحافل الدولية.
اذا ، جهزوا مراثيكم للموتى الجدد من اصدقائكم…و ما يؤلم اكثر انكم لا تكتبون الا  حين يموتون ! ها قد احببتم الغرانيق فجاءة بعد ان احببتم الحجل الذي يشبهكم كثيرا يا احبائي، لماذا تغريكم كلمة غرانق هكذا دونما استئذان من ذاكرتكم؟! . و لقد كتبتم  ، مجموعات شعرية او لوحات او روايات كتلك التي تتحدث عن الجهات كلها دون ان تقترب من الجهة الحقيقة الوحيدة للرواية فهي ضائعة الاتجاهات و المضمون و الرؤى.
اصدقائي الموتى ! لنكن صادقين مع انفسنا و لا نكون مقلدين نجتر المكرر من الكلام في وعينا اذا كنا نريد ان نقتريب من سلم الابداع الحقيقي. هنا، سأورد بعض الاسماء بالشيفرة ممن امتهنوا كتابة مراثي البكاء عن اصدقاء ماتوا منسيين : (ط.خ – خ.ع.- ي . ح – م. ع.ح.- ف.ج-.ب.ه- ج. د ) .

و انا هنا لا لكي افتح معركة معكم كديكة بركات في معسكراته الابدية، على صفحات النت الرديئة و من السخرية بمكان ان النت باتت نافذتكم الوحيدة تمارسون فيها ما شئتم من رداءات ! ارحمونا اذا و انتم كما ارى تستطيعون بالقليل من التمهل و الحذر و الرجوع الى الذات المتورمة ان تكونوا فنانين و شعراء  نموذجيين دونما حاجة الى ذكر اسماء زوجاتكم و اولادكم او الجامعات التي لم تكونوا يوما اعضاء فيها بالرغم من رداءة التأهيل الجامعي !
ان ما تنشرونه يقرأرغم كل الرداءة الانترنتية لذلك انصحكم كصديق لم يمت بعد و  يتمنى لكم الخير ان تنتبهوا بعض الشئ الى كلماتكم و مواضيعكم الغريبة التي تربطونها مع ذواتكم دوما و هذا تجني كبير على الكتابة، تلك المهنة الرائعة التي يفترض بها ان تطور انساننا و تجعلنا ككرد في مصاف الشعوب و الملل المتطورة على مستوى التعايش مع الحقيقة الاخلاقية في عالم الصواريخ المدمرة و الحروب و الصراعات الكثيرة .
اعذروني ! لقد كنت قاسيا معكم بعض الشىء، لكنني اعدكم انني في المرات القادمة سأكون أكثر قسوة و الى اللقاء عند موت اول صديق مبدع .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

جواد ملكشاهي

في السنوات الأخيرة، فرضت الحروب والهجرات القسرية حضورها على الرواية الكوردية، لكن الأعمال التي استطاعت تحويل المأساة إلى أدب حقيقي بقيت قليلة. ومن بين هذه الأعمال تبرز رواية «مدينتان ونصف وطن… في زمن النزوح» للروائي الكوردي ماهين شيخاني، بوصفها نصًا يوازن بين صدق الشهادة وجمالية السرد، ويعيد صياغة تجربة النزوح بوصفها سؤالًا وجوديًا أكثر…

مشعل أوصمان
في سوريا لم تتعب البيوت من غلاء المعيشة وحده ولم تثقلها سنوات الحرب والفقد والنزوح فقط، لقد تعبت الأرواح أيضا..
خلف كل باب حكاية لا تروى كاملة وأم تخفي خوفها كي لا يخاف أطفالها وأب يحاول أن يبدو قويا وهو يحمل في داخله سنوات من القلق، وطفل كبر قبل أوانه لأنه رأى من الحياة ما…

إبراهيم محمود

المؤخرة أحد الوجهين!
ألا يقال ذلك؟
حسنٌ!
لنتوقف هنا
دلّني على وجه يستحق التسمية
بعيداً عن كونه مؤخرة؟
أنا لا أتحدث عن مؤخرات لا تطلق كربوناً
بما أن جوعاً قد امتص كامل أوكسجينها
أو يكاد
وما أقلها!
أتحدث عن مؤخرات لها تاريخها
في دفن :
أمم
شعوب
جماعات
عقائد
مذاهب
نظريات
قوانين
معادلات
في نفاياتها
أو أودعتْها نفاياتها كرْهاً

من إنسان نياندرتال
إلى إنسان ديجيتال


لنتوقف هنا قليلاً
لئلا يضجر الزمن منا
ونحن نشير إلى الأمس القريب
بحساب الزمن المسمَّى
سائلين متسائلين
عما…

ماهين شيخاني

في ذلك الصباح من عام 1959، دخل مير علي أورال، رئيس بلدية إغدير، باحة البلدية كعادته.
كان الصباح بارداً.
رفع عينيه إلى الجبل البعيد، ثم اتجه نحو الكوخ الخشبي الصغير القائم في طرف الحديقة.
كان يذهب إليه كل صباح.
لم يكن الكوخ سجناً، رغم أن من دخله لم يكن يعرف كيف يعيش خارجه.
ولم تكن المرأة التي تسكنه سجينة،…