بحث في ألوهية الخطاب الشعري للجزري

ألقى الباحث خالد محمد أمس الاثنين 21-5-2012 محاضرة بحثية بعنوان (الأُلوهية في الخطاب الشعري للملا الجزري)؛ في مركز أصوان صبري الثقافي بمقر حزب يكيتي الكوردي في سوريا. 
بدأت المحاضرة بالوقوف دقيقة صمتٍ على أرواح الشهداء, ثم عزف العازف سيبان مقطوعات جميلة على آلة الكمان, ليبدأ بعده المحاضر بقراءة محاضرته باللغة الكوردية, مع الترجمة بين مقطع وآخر باللغة العربية, لتوصيل الأفكار إلى الحضور.
تحدث المحاضر عن المعرفة لدى الشاعر ملايي جزري, والتي كانت يقينية لا شك فيه, واستشهد بمقاطع من شعره, والتي تثبت اليقينية, وأشار إلى تلك المقاطع الشعرية للجزري والذي يدل على أن العلم عنده لدوني والعلم اللدوني هو العلم الذي يوهَبهُ الصوفي من لدن اللهِ كما هو معروف وهذا العلم إذا هو علم يقيني لا شك فيه, وهذا ما دفعه لتناول موضوعاتهِ تناولا جسديا على ضوء ما مر في هذه الابيات التي قرأناها .
الالوهية حسب الباحث خالد محمد تتناول موضوعات تتعلق (بالوجود, الكون, ومصير هذا الكون و كيفية صدور هذا الكون الى الوجود ), ويتناول السؤال أيضا ً القوة الخفية التي تسُير هذا الكون وهذا العالم ومعرفة طبيعة هذه القوة الخفية التي تُسير العالم بالإضافة الى تناول السؤال الذي يبحث في إمكان خلود هذه الطبيعة على غرار خلود صانعها وخالقها, المقصد من تلك القوة الخفية هو (الله ) حيث نزل من وجوده الواجب بالوجود بذاته الى الممكن الوجود عندما خلق المخلوقات, لأن هذا الواجب الوجود بذاته ما كان ليُعرف إن كان بقي في خفائهِ الذات ،حتى يُعرف هذا (الواجب الوجود بذاته) كان يجب أن يتنزل في الإمكان ،و هذا ما جعله يخلق الخلق و الكون و الكائنات ليُعرف ,لأنه كان كنزاً مخفياً كما يقول الجزري في مقاطع أخرى من شعره.
ومن ثم استشهد الباحث بأبيات أخرى ليدلنا على أن الجزري يقصد في مقاطع أخرى من شعره أن سر اللا مكان حيث لم يكن ثمة مكانٌ لأنه هو الذي خلق المكان, أي هو كان خارج المكانِ حيث لم يكن ثمة مكان فنزل (الواجب الوجود بذاته ) في الإمكان بعد أن خلق الكائنات فأين العلم به و بوجوده و أين المعرفة العينية بوجوده ما دام لم يكن ثمة قدرة على معرفته وهو كنز مخفي, (الأين) هو السؤال عن الوجود في المكان, عندما كان الله موجودا وجوداً واجب الوجود ما كان بإمكان الكائنات أن تعرف وجوده لأنه لم يكن ثمة أين يتواجد فيه هذا (الواجب الوجود)أي الله طبعاً صعوبة الكلام ليست من الكتابة إنما خِطاب الجزري أصعب من هذا الكلام بكثير ,إن الخطاب الشعري للملا الجزري يعكس و يظهر مفهوم وتجليات مفهوم الالوهية عنده .
وأكد الباحث أن الجزري أورد في خطابه الشعري كثيراً من المفاهيم و من المصطلحات التي تعكس طبيعة خطابه في مجال الألوهية مثل )المعرفة, الجمال, الأزل, الأبد, الكون, الخلق, المدة .) هذه المصطلحات كلها استخدمها الفلاسفة قبل الجزري كذلك وردت في خطاب الكثير من الصوفية ومن الفلاسفة المتصوفين ومن الصوفية المتفلسفين ايضاً و هذا ما اورده الجزري بسعة كبيرة في شعره و في خطابه الشعري .
فالجزري حسب الباحث أراد أن يعكس مفهوم الالوهية عنده في أشعاره على أساس مبدأ مفاده (أن كل ما ليس له بداية ليس له نهاية).
على أساس هذا المبدأ أبعد الجزري القلب والنفس عن الإحساس والإدراك و المدركات العقلية وبقي في وحدة مطلقة وجال فيها, لأن وجود الإله الخالد كان بداية هذا الكون ليس له عدم ولا زوال ولاغياب .
إن الله خلق الإنسان على صورته في جمال ليس له مثال .
اي أن الجزري على هذا الاساس جعل خطابه الشعري يتسم بخصائص الالوهية.
أشار الباحث إلى أبيات من شعره حيث يقول فيها الجزري أربعة عناصر (الماء التراب الهواء النار) وأربع طباع تقابل هذه العناصر… الماء تقابله طبيعة الرطوبة…التراب تقابله اليبوسة…النار تقابله طبيعة الحرارة…الهواء تقابلها طبيعة البرودة .
اجتمعت هذه العناصر وهذه الطبائع بميزان معين و مقدار ثابت لكنها متخالفة في صورتها الشخصية ان لم تجتمع و تتصل الأصول الأربعة بمقدار موزون ودقيق فان الأجسام لا ينفصل بعضها عن بعض ولا تنشق العضد عن العضد إنها أربع أمهات وثلاث بنات يعني اربعة عناصر تنتج اربعة طباع هذه الطباع تنتج ثلاث بنات ما هي هذه البنات (الحيوان, النبات والجماد) لا ثبات لها ولا قرار فهن ذوات عشق شديد وميل والتفات في هذا الدير الحادث العتيق (يقصد الدنيا).
ليس الجزري سباقا في هذا الموضوع اي ان الجزري ليس هو الوحيد الذي طرح العنصر الخامس بصفته عنصرا روحانيا يختلف عن العناصر المادية سبقه الى ذلك فلاسفة اخرون ,مثلا امبادوقليس طرح مفهوم الحب و الكراهية.
يؤكد الباحث على أن الجزري يرى أن الوجود هو كالكتابة هو الكتابة بعينها لان هذا الوجود بدأ كما تبدأ الكتابة من نقطة واحدة كان الوجود نقطة واحدة ويقصد بها الوحدة المطلقة ثم بدأت الكتابة اي بدأت الرموز الكتابية بالخروج من هذه النقطة فتشكل الخط هذا الخط هذا الخط هو نتاج تلك النقطة هذا الوجود هو نتاج تلك النقطة اي تلك الوحدة المطلقة فالوجود هو الحروف و الوجود الالهي و الوحدة المطلقة هي تلك النقطة فاذا اعدنا تلك الحروف الى اصلها لعادت نقطة هذا يعني ان هذا الوجود يجب ان يعود الى اصله .
هذا يعني ان الجزري يختلف عن بعض الفلاسفة مثل فيلون و افلوطين و غيرهم اللذين يرون الوجود على شكل دائرة و الدائرة ليس لها بداية و ليس لها نهاية.
وفي نهاية المحاضرة, أجاب الباحث خالد جميل محمد عن أسئلة واستفسارات الحضور.

 – موفد مكتب قامشلو لاتحاد الصحفيين الكورد في سوريا
قامشلو 22- 5 – 2012

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

بنية جكرخوين

أنا لست أنا
أنا لست كما عرفتني
فمذ انفصلت عني
ياتوأم الروح
انشلت حواسي
وإلتوت مفاصلي
وانطفأ النور في عيوني
وداهمتني الوحدة
حينها أدركت بأنك
كنت محقاً عندما
كنت تسألني دوماً
كيف ستكونين من بعدي!
كيف ستعيشين بدوني!
ارفع رأسك وانظر إلي
أنا لست أنا
لست كما عرفتني
فالأبيض تغير لسواد قاتم
والأحمر أصبح ممزوجاً بالأصفر
ربما أصبت بعمى الألوان
أو اختلفت الأمور علي
فانا لست انا
لست كما عرفتني
كل شيء تغير
إلا حبي لك
مازال يسمو…

ا. د. قاسم المندلاوي

انتهى الصراع الكروي الكبير بين المنتخبات العالمية على لقب كأس العالم 2026 ، التي استضافتها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، وسط منافسة قوية بين المدارس التدريبية الأوروبية وأمريكا الجنوبية. ويعكس تتويج إسبانيا باللقب للمرة الثانية في تاريخها حجم التطور الكبير الذي شهدته كرة القدم الإسبانية خلال السنوات الأخيرة على مستوى التخطيط…

فراس حج محمد| فلسطين

في السياق الفلسطيني الراهن الذي يواجه فيه الشعب محاولات مستمرة للمحو الوجودي والثقافي، يبرز فعل التذكر أداة استراتيجية تتجاوز حدود الرثاء الشخصي لتصبح فعلاً نضالياً بامتياز، ويأتي كتاب “أسماء في الذاكرة: من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة والسلام” للأديب محمود شقير الصادر مؤخرا عن دار التنوير في رام الله ليجسد هذه الفلسفة؛ حيث…

نصر محمد / المانيا

هذه هي المرة الأولى التي أتصفح فيها ديوان الصديق الشاعر حفيظ عبد الرحمن، ومن سوء حظي أن الصدف لم تسعفني للحصول عليه من قبل. وقد أهداني هذه الفرصة الصديق الشاعر والروائي إبراهيم يوسف في آخر زيارة لي له للاطمئنان على صحته في منزله بمدينة إيسن الألمانية.

ديوان “خلاخيل الكلام”…