لتكن بوتان عاصمة كوردستان

 إبراهيم محمود

دون مقدمات، لم أثبت هذا العنوان انطلاقاً من وازع سياسي، فأنا لا ” كار” مباشر لي في السياسة، إنما جاء حرفياً على لسان “سينم خان” ابنة المير جلادت بدرخان 1897-1951، عبر كلمة مرتجلة لها في ” بانوراما: قاعة كلية الآداب في دهوك، بتاريخ25-6/2013، في فيستيفال المير جلادت بدرخان، على إثر مرور اثنين وستين عاماً على رحيله، ولمدة يومين، لقد تم تقديمها تأكيداً على مكانة جلادت المحتفى به، وكونها ابنته والمقيمة راهناً في هولير.
كانت واضحة في صوتها، مسموعة تماماً، وهي تتهجى الكلمات التي ترجعها إلى حاضنتها الجغرافية : بوتان، موطن آبائها البدرخانيين الكورد ذوي الصيت، كما لو أنها تريد أن يتناهى صوتها ذاك إلى مسامع كل المتواجدين في القاعة، وربما أكثر من ذلك، أن تكون كلمتها بمثابة رسالة لها صلة بالمير الأب والمستحيل رمزاً كوردياً، وما للرسالة من قيمة اعتبارية ووجدانية.
ما أود التوقف عنده، هو ما قالته في سياق كلمتها الارتجالية: لتكن بوتان عاصمة كوردستان!
قالتها، وتوقفت هنيهة، ثم علقت: ماذا تقولون في ذلك؟ لم يكن هناك من صوت سوى تصفيق من بعض الحضور ليس إلا !
لقد لفت انتباهي كلامها ذاك، ولا أدري كيف كانت ردود أفعال الآخرين، أو ما إذا كان هناك من تعليق سيقرَأ حول ذلك لاحقاً في منبر ما، غير أن المؤثّر هو وجوب مقاربة بنية هذا الكلام واقعاً:
ماالذي حفّز سينم خان لتقول كلمتها تلك؟ أي رغبة نفسية، تاريخية، ثقافية، اعتبارية…الخ، حملتها إلى إطلاق القول ذاك، وفي هذا الوضع الراهن؟
هل كانت تعيش حلم أبيها،وما هو أبعد من حلم الأب، في أن تستعاد بوتان بدمغة بدرخانية؟ الحلم الذي سعى إليه جلادت وسواه من العائلة البدرخانية، وحين فشل هذا الحلم، كانت الممارسة الثقافية نظيراً لافتاً، كما لو أن الجغرافيا الكوردستانية تجد ضالتها في هذا الذي تجسَّده المير جلادت في اللغة وحيثياتها، كما لو أن بوتان التي لم تؤمَّم كوردياً هنا، أريد لها أن تحتفظ بالأثر الذي لا يُمحى، وهو ما يبقيها في الذاكرة الحية: عبر اللغة التي رسم المير معالمها، وكأنها في قرارة نفسها تعيش الحضور البوتاني وعظمة العائلة البدرخانية، في مواجهة تاريخ عاصف!
هل ثمة ما هو أبعد مما تقدَّم؟ أن تكون صحيفتاه: هاوار- روناهي، بوتانيتين في معلَمهما التاريخيين والرمزيين؟ ألم يكن المير يريد الاستمرار ميراً من خلال الحلم المتمثل في البعد الثقافي المحتفى به والذي استقطب كتاباً وسوى الكتاب كوردستانياً؟ ألم يكن ذلك” الهوى” السياسي المحترَف محوَّلاً بنوع من المقايضة على أرضية الثقافي من باب الضرورة، حيث جراح التاريخ لا تُحصى.
هل أرادت سينم خان أن تبوح بسر، ليس بالعفوية التي يمكن غضّ النظر عنها، وإنما بوعي يرتكز إلى تاريخ متجذر في النفوس، وربما بنوع من الجمهرة، لتكون الثقافة مدخلاً إلى السياسة، وتطهيراً لها بمقاييس ثقافية؟
هل كانت سينم خان على وعي بخطورة المتفوَّه به، بطريقتها الارتجالية تلك؟ كما لو أن التاريخ لما يزل يتهجى بدرخانياً، وانطلاقاً من المحتفى به ثقافياً: فيستيفالياً؟ أم تراها أرادت أن تكون أمينة وحريصة على بث صوتي لما أراده الراحل الكبير المير جلادت، انطلاقاً من تقدير تاريخي يبيح لها أن تطلق كلمتها تلك في القاعة تلك؟ أم ترى كلمتها كانت رثاء معكوساً لماض أسري امتد بمفهوم قومي، وبتلك الثقة المدعمة من الوزن الأسري أو العائلي ذاك، دون أن تقيم زناً لأي تعليق أو تحفظ أو رد فعل مختلف لهكذا كلام، وربما كان هناك تهكم لم يعلَن عنه، حيث الجغرافيا الكوردية بتوضعها الكوردستاني وتجلّيها السياسي متغيرة كثيراً؟
أم تراها شكوى الثقافي وبعض شطحاته غير البريئة مما هو سياسي له تاريخه التليد؟؟!!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

بنية جكرخوين

أنا لست أنا
أنا لست كما عرفتني
فمذ انفصلت عني
ياتوأم الروح
انشلت حواسي
وإلتوت مفاصلي
وانطفأ النور في عيوني
وداهمتني الوحدة
حينها أدركت بأنك
كنت محقاً عندما
كنت تسألني دوماً
كيف ستكونين من بعدي!
كيف ستعيشين بدوني!
ارفع رأسك وانظر إلي
أنا لست أنا
لست كما عرفتني
فالأبيض تغير لسواد قاتم
والأحمر أصبح ممزوجاً بالأصفر
ربما أصبت بعمى الألوان
أو اختلفت الأمور علي
فانا لست انا
لست كما عرفتني
كل شيء تغير
إلا حبي لك
مازال يسمو…

ا. د. قاسم المندلاوي

انتهى الصراع الكروي الكبير بين المنتخبات العالمية على لقب كأس العالم 2026 ، التي استضافتها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، وسط منافسة قوية بين المدارس التدريبية الأوروبية وأمريكا الجنوبية. ويعكس تتويج إسبانيا باللقب للمرة الثانية في تاريخها حجم التطور الكبير الذي شهدته كرة القدم الإسبانية خلال السنوات الأخيرة على مستوى التخطيط…

فراس حج محمد| فلسطين

في السياق الفلسطيني الراهن الذي يواجه فيه الشعب محاولات مستمرة للمحو الوجودي والثقافي، يبرز فعل التذكر أداة استراتيجية تتجاوز حدود الرثاء الشخصي لتصبح فعلاً نضالياً بامتياز، ويأتي كتاب “أسماء في الذاكرة: من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة والسلام” للأديب محمود شقير الصادر مؤخرا عن دار التنوير في رام الله ليجسد هذه الفلسفة؛ حيث…

نصر محمد / المانيا

هذه هي المرة الأولى التي أتصفح فيها ديوان الصديق الشاعر حفيظ عبد الرحمن، ومن سوء حظي أن الصدف لم تسعفني للحصول عليه من قبل. وقد أهداني هذه الفرصة الصديق الشاعر والروائي إبراهيم يوسف في آخر زيارة لي له للاطمئنان على صحته في منزله بمدينة إيسن الألمانية.

ديوان “خلاخيل الكلام”…