أنا كُردي وهمي أكبر من كرديتي

 ابراهيم محمود

  الكردية- وخاصة راهناً- مقاسات تتراوح بين عدم رؤية الكردي لمَا هو أبعد من أرنبة أنفه، وما أكثر هذا ” النوع “، وما يمكنه النظر إلى ما وراء الأفق المنظور، وما أقل هذا ” النوع ” . ثمة كرديُّ الزوايا الميتة والمعتمة، وكردي ما وراء الكواليس تباعاً، وكردي الإطار الضيق للبيت المغلق، و كردي الزقاق ” الزابوق ” الضيق والرطب ، وكردي المحلَّة طبعاً، ومن ثم كردي الشارع، وكردي الساحة الملتهبة، وكردي المنحدرات.
ثمة كردي القرية، كردي الريف، وكردي المدينة المدينة، وكردي الدعوات والمناسبات والتأزمات والعراضات، وكردي الجهة الواحدة، وكردي الجهات الأربع للبلد، وكردي العالم دون نسيان إحداثية الاسم  الثلاثي وصفة الانتماء ضمناً، وهو المعتبر ” سدرة منتهى ” الانتماء إلى شجرة الإنسانية. ثمة كردي اليد، وكردي الرجْل الواحدة، والعين الواحدة، والنفَس الواحد، والاتجاه الواحد، والتوقيت الواحد، والموجة الواحدة، والإيقاع الصوتي الواحد، والحلف ” المقدس ” الواحد ” حتى النفس الأخير. ثمة كردي الفكرة الواحدة والمجترة، وكردي التقلبات والشقلبات، وكردي الحواجز، وكردي الجغرافيا ذات التنوع التضاريسي.

عذراً! إلى أين يأخذنا الكلام ؟

حين يتحدث الكردي عن زمانه ومكانه وتختلط عليه الجهات كما لو أنه الكردي المنزوع الجهات بعلمه الواحد ولغته الواحدة، وزمرته الدموية الواحدة، ومكمنه القومي والثقافي الواحد. يستحيل هنا، راهناً، وحتى إشعار آخر، أي حديث عن الكردي الذي يرى الكردية ذات الجهات الجغرافية في نفسه، وهي منقسمة على نفسه، وفي لغته، ولغته متشظية وأي تشظٍّ، وفي مشاعره وهي ملغمة وعلى نار ملتهبة هنا وهناك، يستحيل التعبير عن ذات كردية وثمة ذوات تحوُل دون وحدتها المكانية والزمانية، وهو ذاته بالكاد يتواصل مع كرديه جاره هنا أو هناك، في هذه الجهة أو تلك، إلا ويستعين بلغة وسيطة، أو عليه أن يلوذ بلغة الإشارات اضطراراً، هذا إذا تحقق له ذلك، وأن يسمي وطنه الوطن، وحدوده الحدود، دون أن يستدعي جيوشاً وعروشاً تتقاسمه قبل غيره مشاعر وخواطر. يوتوبيا أبعد من كونها أفلاطونية أو توماس مورية لحظة الحديث عن كردستان، وكأنها على طبق من ذهب، وحوله تكالبُ لصوص الذهب، هذا إذا استطعنا غضَّ النظر عن لصوص في نسختهم الكردية ” الأصلية ” ، كما هو الصائر والدائر في جل الجهات الكردية ” الكردستانية، إلى إشعار آخر واقعاً “، إذ لا ضير أن ” يبلع ” الكردي رأس ” الموس ” أفضل من أن تصبح الموس كاملة في قلبه وكبده، كما هو متطلب السياسي وطريقته في تفهم المستجدات الكبرى .
 أنا كردي، وهمي أكبر من كرديتي! وأنا أتلمس في المتنافس والمتقاتل والمتصارع باسمه وعليه كردياً، أكثر من كونه مواجهة ” الأخوة الأعداء” هذا إذا بلعتُ رأس الموس مجاملة للسير إلى المرسوم نهاية معينة، أكثر من اعتباره ” سوء تفاهم “، هذا الذي يسم التاريخ الكردي ربما مذ وجد الكردي، قبل بلورة مفهوم ” الأمة الكردية ” و” الشعب الطردي ” و” القومية الكردية ” في الأذهان والخطاطات التحزبية والإملاءات المجيشة للمشاعر هنا وهناك ، لأن من المستحيل التفكير في كرديتي دون مكاشفة هذا الحشد من الأصوات والأشكال التي تتداخل مع صورة الكردي وصوته ومشاعره، من المستحيل علي ككردي أن أفكر في كرديتي دون أن أوسع حدود كينونتي الكردية راهناً، وفي ظل تسارع الأحداث، في هذه الجهة أو تلك، خوفاً من أن أخسر حتى كرديتي النسبية حتى ضمن بطاقة هوية تقدمني ” ع. س ” ، أو ” ت ” أو ” ف “، أو …الخ، لأن ما كابده الكردي جرّاء المشاعر والفرص المقدرة ربما يعادل الكثير مما خسره في معاركه الفاصلة مع أعدائه التاريخيين في الجوار الجغرافي وأبعد أبعد منه .
 أنا كردي وهمي أكبر من كرديتي، لأن الأكبر الذي أعنيه هو الذي يشغلني ضرورةً وعلي أن أتفهمه لأتمكن من معايشة حدود كرديتي الفعلية، وأتفاعل معها، وأضع نقاط استناد/ ارتكاز لها، أفضل من أن أصبح في بيداء تاريخ منزوعة الذاكرة. ربما كان في وسع الكردي، والمعتبَر في عداد المثقف أن يفصح عن توجه من هذا النوع، أن يهيب بـ” سياسيه ” والسياسي فيه وفي سواه أن يكون أكثر تماسكاً، وقدرة على الانفتاح، لأن ليس كالكردي ومن الكردي من يمكنه أن يدفع فاتورة الخسارة في الجغرافيا الكردية والتاريخ الكردي من الكردي نفسه. لا أحد بفالح في مواجهة مع الآخر.
 ربما هو تمثل الكردية وقد استشرفت حدود الجهات الأربع من حولها ما يمكّن الكردي من صورة وجهه بأبعاده الثلاثة أكثر أهلية لأن ينتسب إلى تاريخ فعلي قادم. ربما هذه المواجهة الناخرة في الكردي في هذه الجهة أو تلك، تنطلق من هذه الجهة الناقصة: الجهوية، كما لو أن ثمة صوتاً يتردد في الجوار: لم يحل زمن الكردي بعد، وهو يعمم همه الزابوقي على ما هو كردستاني …!


دهوك
  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أمين عبدو*

​من طقوس الموت الجماعي إلى التبعية المطلقة: تقديس القادة وتدبير العجز
​شهدت الحضارات القديمة، ولا سيما في بلاد الرافدين، طقوساً تضحوية يُقدم فيها أتباع الملك أو الحاكم على الموت الجماعي فور وفاته، انطلاقاً من عقيدة جازمة بأنه “لا حياة بعد رحيل الحاكم”.
​والملفت أن هذه الفكرة لم تندثر تماماً؛ إذ نجد حتى اليوم شعارات وممارسات تغازل…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

يبدأ الألمُ في اللحظة التي يتعلَّم فيها الإنسانُ أن يعيش وهو يَعرف أنَّ صوته لن يُغَيِّر شيئًا. القهرُ في جَوهره ليس فِعلًا خارجيًّا يقع على الجسد فقط، وإنما عملية طويلة تتسلَّل إلى الداخل، وطريقةِ التفكير، واللغةِ، والعلاقاتِ بين الناس.

مِن هذه المنطقة المظلمة يمكن أن نقرأ عالَمَ الروائي…

عصمت شاهين دوسكي

أَنَا مَا أَنَا فِي الْوَحْدَةِ أَمَلٌ
وَإِنْ حَمَلْتُ مِنَ الْأَسَى جَبَل
كُلُّ الْخُطُوبِ لَمَسَتْ كَتِفِي
كَأَنَّهَا تَهْرُبُ مِنْ وَاقِعٍ جَلَلٍ
رُوَيْدًا … رُوَيْدًا تَمْضِي
لَا تَحِسُّ بِمَا فِيهَا من عَلَلٌ
جَارَتْ عَلْيَا الْأَيَّامُ بِصَمْتٍ
كَأَنِّي وَحِيدٌ عَلَى الْأَرْضِ يَسْأَلُ
يَبْحَثُ عَنْ نُورٍ بَيْنَ الْعَبَرَاتِ
وَشُرُوخُ الزَّمَنِ تَتْرُكُ طَلَلً
أَنَا مَا أَنَا شَخْصَانِ
وَاحِدٌ يَثُورُ وَآخَرُ يَبْكِي مِنْ خَلَلٍ
صَوْتُ غُرْبَةِ الرُّوحِ تَجَلَّى
كَأَنَّ الْغُرْبَةَ فِي الرُّوحِ…

فراس حج محمد| فلسطين

أقدّم هذه القراءة في ديوان الصديقة الشاعرة السورية هند زيتوني “جدران عازلة للحزن” احتفالاً بعيد ميلادها الذي تكوّن نرجسة طافحة بالجمال في هذا التاريخ التاسع من أيلول، متمنياً لها حياة شعرية طافحة بالجمال سنة بعد سنة، وديواناً يتحلّق ميلاده بعد ديوان، وأقول هامساً لقلبها النابض بالعشق والحياة: كل عام وأنت والشعر بألف…