البريد الالكتروني وقلة الذوق الكُردية

 ابراهيم محمود  
 

يتفاجأ أحدنا بين الحين والآخر، وفي بعض
الحالات بشكل يومي ولفترة من الزمن، بسيل من ” الرسائل ” أو المواد
المرسلة من أشخاص لا صلة له بهم إطلاقاً: مقالات، أو ما يندرج في سياق المقالات
لهم أو لغيرهم، أو موضوعات مختلفة، إلى جانب أطراف أخرى: حقوقية، وثقافية، وسياسية
وخبرية..الخ، ومن خلال مجموعة لافتة من العناوين المرفقة، لها أبعاد دعائية،
تسويقية، إعلامية معينة، واستعراضية..الخ. إن أقل ما يمكن قوله إزاء هذا النوع من
التعامل ودون وجود معرفة أو استئذان أو أي اعتبار للطرف المرسَل إليه، هو أنه : قلة
الذوق الكردية بامتياز
!
لا أذكر أسماء أو أطرافاً تدأب على اتخاذ هذا
المسلك، إذ لا بد أن أحد هؤلاء الأشخاص المتطفلين أو الحشريين، أو يعيشون نوعاً من
” الزعرنة النفسية: الزعران حمار مبتور الذنب عملياً ” رغم أنهم
أوشكوا أن يبلغوا أرذل العمر، كونهم أعرفهم خارجاً، لا بد أن يأخذ علماً بذلك، أو
ما يخص أي طرف كردي يعتبر ما يقوم عملاً كردايتياً إنما الأسلوب خطأ في أساسه .

أعتقد أن من أولى التعامل مع الآخر، أي آخر:
احترامه، ومحترم الآخر عارف بنفسه نوعاً ما” يحترمها بصورة ما “، ولا
يعدو إرسال مادة تحت أي بند دون استئذان للآخر، أن يكون في مقام من يدخل بيت أحدهم
دون طرق بابه، أو التسلل من النافذة، أو على غفلة، وتحديداً، حين يكون المرسِل:
شخصاً أو طرفاً معيناً غير متنبه إلى مستويات العلاقة وتفاوت مواقعها. 

  هنا أسمّي، إنما في مسار الفكرة دون تجريح:
حين أرسل موضوعاً ما ” أي موضوع ” إلى أشخاص لهم مواقعهم ” د. أحمد الخليل،
د. محمود عباس ، جان دوست،  هوشنك بروكا،
ابراهيم يوسف…الخ “، فلا بد من وجود علاقة قائمة، حيث الموضوع يعنيه أو
يعني الطرفين، وبعلم سابق، أو حين يخص المرسَل مجموعة معينة من الأشخاص: كتاباً
وغيرهم، لا بد أن يكون أن يكون هناك علم من وراء ذلك.. ما عدا ما تقدم، أعتقد
” وكوني أعتمد هذه الطريقة، ومن خلالها أقيم علاقتي مع الآخر “، أن
الدخول في علاقة اعتبارية مع طرف أو شخص عبر تبادل معلومات مفيد جداً، بل ضروري، ووفق
سوية ثق
افية وأدبية ونقدية معينة، بين شخصين أو أكثر، وهذه بداهة، لكن أن
يتم إرسال موضوع ما لشخص ودون أخذ الإذن منه، دون أي تقديم، ففي ذلك استعراض مباشر
ودعاية للشخصية، وخاصة حين يكون المرسِل مغموراً، أو لا توجد أي صلة بينه وبين
المرسَل إليه، كما لو أن المرسَل إليه ينتظر منه مادته: موضوعه، أو أن المعني بعيد
عن عالم الإعلام والنشر، إنما في الحالات كافة ثمة القيمة الاعتبارية للشخصية، ثمة
الخصوصية، وما عداها: يكون كما شددنا عليه : قلة الذوق الكردية، وما أبرزها! 
 
في هذا النطاق، وهذا من أعجب العجب الكردي،
حين يندفع أحدهم، أو طرف ما، في القيام بدور ” السمسار العاطفي- السمسرة
المتبادلة ” والدعاية لآخر، لأنه تناوله إيجابياً في موضوع أو أكثر، ولا يكف
عن كيل المديح له شفاهة، إنما دون أن يمتلك الحد الأدنى من الشجاعة في ذكره ضمن
مقال له، أو من خلال مقال عنه، وهي أكثر درجات الشعوذة الثقافية لدينا. 
 
بالتأكيد، ما أشير إليه، موجود في مختلف
المجتمعات، ولكن الحديث عنا ” ككُرد ” له منحى أخلاقي واجتماعي وثقافي ونفسي آخر، من خلال
مجموعة من ” الكَولكات : الفهلويات “، وما في ذلك من ترجمة” أمينة
” لأشخاص أو أطراف غير ” أمناء ” فيما يقولون ويفكرون ويكتبون
ويتنشطون في أوساطنا. إنه ” بيزنس ” تبادلي أحياناً أخرى”
حكّ لي حكّ لك “، لكنه الوباء المتنامي فيما يسمى بـ ” التواصل
الاجتماعي ” الفيسبوكي وخزعبلاته كثيراً، وطرق استثماره، حيث مرارة الفم تعني
نتانة الرائحة المنبعثة من الفم أو الأعمق غوراً . 
 
ضمناً، حين يتصرف آخرون، وهم صغار جداً في
أفكارهم وقاماتهم، رغم طعنهم في السن، باعتماد هكذا تصرفات، تحت زعم أنهم يمتلكون
حقاً ما في هذا السطو على البريد الالكتروني للآخر، وخاصة حين لا يتلقى أي رد منه. 
 
أن يحترم بعضنا البعض الآخر، باعتبارنا
مختلفين فيما نفكر فيه وفيما بلغناه في الحصيلة الثقافية، لهم الجسر الوحيد الذي يمكننا من
بلوغ الطرف الآخر، حيث رحابة المجتمع المنشود وسوية المنبني فيه اجتماعياً
وسياسياً وثقافياً . 
 
لم أكن لأثير هذا الموضوع، إلا انطلاقاً من
مقولة أحاول تمثلها: أتعلّم وأعلّم..هل سطوت هنا على ” أحد ” ؟

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

مصطفى عبدالملك الصميدي/اليمن*

تُعدّ ترجمةُ الشَّعر رحلة مُتفَرِّدة تُشبه كثيراً محاولة الإمساك بالنسيم قبل أن يختفي سليلهُ بين فروج الأصابع، بل وأكثر من أن تكون رسماً خَرائِطياً لألوانٍ لا تُرى بين نَدأَةِ الشروق وشفق الغروب، وما يتشكل من خلال المسافة بينهما، هو ما نسميه بحياكة الظلال؛ أي برسم لوحة المعاني الكامنه وراء النص بقالبه…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تَتميَّز الرُّوحَانِيَّةُ عِندَ الكاتب اللبناني الأمريكي جُبْرَان خَليل جُبْرَان ( 1883_ 1931 ) بِعُمْقِها الفَلسفيِّ، وقُدرتِها عَلى تَجاوزِ الماديَّاتِ ، والتَّعبيرِ عَن الحَنينِ إلى مَا هُوَ أسْمَى وأرْقَى في النَّفْسِ البشرية . وَهُوَ يَرى أنَّ الرُّوحَانِيَّة لَيْسَتْ مُجرَّد شُعورٍ أوْ طُقوسٍ تقليدية ، بَلْ هِيَ حالةُ وَعْيٍ مُتكاملة…

ابراهيم البليهي

من أبرز الشواهد على إخفاق التعليم الذي لا يقوم على التفاعل الجياش عجزُ الدارسين عن اكتساب السليقة النحوية للغة العربية فالطلاب يحفظون القاعدة والمثال فينجحون في الامتحان لكنهم يبقون عاجزين عن إتقان التحدث أو القراءة من دون لحن إن هذا الخلل ليس خاصا باللغة بل يشمل كل المواد فالمعلومات تختلف نوعيا عن الممارسة…

خلات عمر

لم يكن الطفل قد فهم بعد معنى الانفصال، ولا يدرك لماذا غابت أمّه فجأة عن البيت الذي كان يمتلئ بحنانها. خمس سنوات فقط، عمر صغير لا يسع حجم الفقد، لكن قلبه كان واسعًا بما يكفي ليحمل حبًّا لا يشبه حبًّا آخر.

بعد سنواتٍ من الظلم والقسوة، وبعد أن ضاقت الأم ذرعًا بتصرفات الأب…