ثورات الكاسيت

إبراهيم
اليوسف
   أحدثت
أشرطة الكاسيت تحولات كبيرة،  ليس في عالم الفن، وحده، فحسب، وإنما في
مجالات أخرى عديدة، باعتبارها احتضنت الأغنية والموسيقا، مدة عقود من الزمن،
لاسيما في الثلث الأخير من القرن الماضي، إلى ذلك الوقت الذي ارتفع فيه الخط
البياني لاستخدام الحاسوب، وبات يدخل بيوتاتنا جميعاً، ومعه أنواؤه الأنترنيتية
الكونية التي تعيش ذبذباتها معنا، أينما كنا، ولما تزل تلك الأشرطة  تؤدي
جزءاً من مهمتها ، وإن في حدود جزئية، بعد أن  استطاعت وسائل التوثيق
الإلكتروني أن تتطور، في عالم الخطاب الثقافي الفني كاملاً.

 كان الكاسيت-بحق-
حاملاً ثقافياً فنياً، ووسيلة لنشر الثقافة والفن، حيث خلاله تم تداول قصائد كثيرين
من الشعراء البارزين، عبر هذا القرص المدمج، كما أن بعض أصحاب الخطاب السياسي أنفسهم
لجؤوا إليه، من أجل إيصال أصواتهم إلى جمهورهم، لاسيما في ظل ظروف المنع، والسدود،
والحدود التي كانت توضع في وجه ما هو غير مستحب، أو مقبول من الأفكار المناسبة، ناهيك
عن أن رجل الدين ذاته استخدم هذه الوسيلة في نشر رؤاه.

 

وشريط الكاسيت كان يتداول في محيط الأسرة، صغيرها وكبيرها، فللأب مكتبته
من هذه الأشرطة، وهكذا لربة الأسرة، وأبنائها وبناتها، حيث أنها تحدد المزاج الثقافي والفني لكل منهم على
حد سواء، كما كانت هناك مكاتب لهذه الأشرطة 
لدى شرائح المجتمع كله، بدءاً من سائق التاكسي، ومروراً ببائع السوبرماركت،
وليس انتهاء بالمربي، أو الأكاديمي، في المدرسة أو الجامعة.

 

ولا يمكن النظر بتسطح، ضمن هذه الحدود، إلى القرص المدمج، الذي ظهر لأول
مرة مع “الفونوغراف” الذي عدّ أعجوبة عصره، وكانت له طريقة تسجيله المسبقة، قبل أن ينتشر بديله “المسجل”
على نطاق أوسع، وهو يحمل مزايا أكثر، إذ أنه قادر على تسجيل الأصوات تلقائياً، بوساطة
شريط مختلف، وإن كنا هنا أمام مرحلة  إمكان
توثيق الأثر ومحوه، في آن، وكان له زخمه، ودوره في تطوير الفن والثقافة والأدب والخطاب. 
 

حيث أن الشريط-هنا- انعكاس لحالة وعي محددة، بل إنه استطاع أن يؤثر على
المزاج الشعبي العام، من خلال التجسير مع روافد محددة، عبر الخطاب والموسيقا والإبداع، كما أن هذا التأثير قاد
إلى تغييرات جذرية في أكثر من مكان جغرافي.

 

وإذا كانت السينما قد أحدثت-من قبل- ثورة كبرى في عالم الفن، وجاءت كحالة
تطور كبرى في تاريخ الثقافة والفن، بل وإذا كان الفيلم السينمائي، قد استعان بالصوت، أم اقتصر على الصورة، فإن شريطاً
من نوع آخر، كان يحضنه، جاء عبر تطور ثورة 
الصورة، أو ثورة “الكاميرا” وبات للفيلم حضوره العميق في حيوات أوساط
جد واسعة، بل كانت له تأثيراته في عملية البناء وتطور المعرفة والوعي.  
 

وبعيداً عن الاستعانة بسجل الولادة التاريخي، وتفاصيل بيانات كل مرحلة
من هذه المراحل، فإن شريط الفيديو حقق ثورة فعلية، في هذه المجالات كلها، وذلك لأنه جمع بين خاصيتي: الصوت والصورة
معاً، ولا تزال له أهميته، لاسيما أنه احتضن السينما والأغنية ، والمسرح، والخطاب،
وكان أداة توثيق لأفراح المرء، و أتراحه، وحاضنة لعصارة روحه، ولحظاته. 

 

ولعل المحطة التي وصلنا إليها-الآن- وهي مرحلة “الفلاش ميموري”
باتت في مستوى إيقاع ما بعد الحداثة، لاسيما عندما نجد هذا الجهاز تجاوز الميزات التي باتت تتمتع به الرقاقة الكمبيوترية،
أو “السيدي” حيث في إمكان كليهما أن يحضنا مكاتب عملاقة من الكتب، تختصر
المنجز المعرفي للإنسان منذ بداية العالم وإلى الآن.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عبدالجابر حبيب

النبض

ارتفعت أسعار المحروقات، فأطفأت الحارات مولداتها. خرج الفقراء إلى الشوارع يحملون ظلام بيوتهم وهتاف أطفالهم. أمام الكاميرات تكلم رجلٌ بقلبٍ مثقلٍ بالجوع؛ صفق له الواقفون طويلاً. في المساء، دخل غرفة العمليات. طوال الليل ظلّت المدينة تراقب نشرات الأسعار.

********

خصومة

كدّسوا الملايين في الخزائن، تركوا المدينة تتصبب عرقاً. تمددت الأسلاك إلى بيوت الأغنياء، انطفأت مصابيح الفقراء. عند…

إبراهيم اليوسف

كثيراً، ما استعنت بالمحامي والشخصية الاجتماعية والوطنية عثمان عثمان بهلوي، في أكثر من قضية، لاسيما فيما يتعلق بتوثيق سيرة الشاعر جكرخوين، وعلاقته بالحزب الشيوعي السوري، ومن كانوا معهم في تلك المرحلة، وأسباب اختلافهم مع الحزب، كما لبى مشكوراً، تقديم شهادة في جكرخوين، من خلال الإجابة عن أسئلة وجهتها إليه، تم إدراجها في كتابي الصادر-…

ماجد ع محمد

“هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ” سورة القلم

من شبه المؤكد أن ليس لدى عموم الناس مصدات تحول بينهم وبين عشاق النميمة، ولا كلهم يمتلكون صبرًا واستراتيجية مثل استراتيجية ونستون تشرشل بخصوص عدم التفاته إلى ما كان يُنقل إليه من الكلام عن الآخرين، لكونه كان يرى بنفسه جيدًا وقادرًا على معرفة الناس لا من خلال ما يُقال…

خالد حسو

حقّاً …

عفرين ليست مجرد مكان على الخريطة، بل لوحةٌ تنبض بالحياة والجمال والسكينة، كأنها قصيدة كتبتها الطبيعة بحبٍّ عميق.

نهرها العذب يجري كحكاية صفاء لا تنتهي، يعكس ضوء الشمس كأنه مرآة للروح، وجبالها الشامخة التي احتضنت تاريخها العريق تقف كحراسٍ للزمن والذاكرة، شاهدةً على حضارةٍ متجذّرة في عمق التاريخ والجبال.

وتلالها الخضراء تمتد كبساطٍ من الطمأنينة،…