في رثاء الشاعر الذي استشهد مرتين

إبراهيم اليوسف  

 

ما الذي يلزمني، كي أستطيع أن أعد نفسي،
لرثاء الشاعر “بنابر” كما سمته قصيدته المكتوبة بلغته الأم “أو”
عماد” كما سماه أبواه، ليس لأني لا أعرف الكثير عنه، وإن كنت لا أتذكر إن كنت
قد التقيته، من قبل، أم لا، وهو ابن مدينتي “قامشلو” بل ابن رئتها “الهلالية”
علامتها الفارقة، وتاجها، و أكثر وهجها، وألقها، من لدن من يعرفها، وإن كان أول
سبيل عياني، من طرفي، نحو اسمه، وعمله، وموهبته، وعضويته في رابطة الكتاب
والصحفيين، لما يزل ماثلاً أمام عيني، منذ أن قدم زميلنا الشاعر -عمران علي- ممثل
رابطتنا الأكثر نبلاً وشهامة ووفاء وصدقاً –طلب انتسابه إلينا مع آخرين، ومعه صورة
عن عالمه، وعمله، وإبداعه، وكان من عداد من افتخرنا بهم، في هذا الزمن الذي تباع
فيه القيم، مقابل وليمة عابرة، أو جاه مفترض، أو حتى ربطة عنق، أو ضمير، أو نقود، تقل
أوتكثر، أو حتى مجرد وعود معسولة، أو خف “حنيني”، من قبل سياسي كذاب.
أجل، لم أعرف الشاعر الشهيد، على نحو عميق،
كما يفترض به، وهو أنموذج عن شبابنا الكردي، الذي تجرع علقم الألم، منذ مهاده
الأول، بل لقد كانت معاناته مضاعفة، فهو ابن حي الهلالية، الفقير، بل ينحدر من
أسرة مدقعة، لم تنحن، فها هو رغم أنه يحمل شهادة أحد المعاهد العلمية-وكان في
إمكانه أن يحمل شهادة أعلى لو ولد في أسرة ميسورة كما شأن كثيرين من حملة
الشهادات- ولم تسعفه شهادته هذه في تأمين مصدر لقمة عمل له، ما جعله يعمل في أماكن
كثيرة، ليؤمن الرغيف، لأفواه جائعة، لاسيما بعد أن أصبح هو نفسه رب أسرة، وعلى
عاتقه مسؤولية تأمين سبل حياتها، فكان أن عمل “نادلاً” في مطعم سنترو كافييه
– وهو من المطاعم الجديدة في مدينتنا كما يبدو- يواصل ساعات نهاره، وليله، في
عمله، دون كلل أو ملل، لتستقطب روحه، قبل قصيدته، أنظار مرتادي المكان، من الكتاب
والمثقفين، ومن بينهم زميلانا ملكون ملكون وعمران علي. 
عندما قرأت، عبر شبكة التواصل الاجتماعي نبأ
حريق شب في أحد مطاعم مدينة “قامشلو” في حيه الأوسط، لم يكن في بالي إلا
أن كل من في هذا المطعم، هم من أهلنا:كرداً، وعرباً، سريان، وأرمن، وآشوريين،  شركساً، وشاشان، مسلمين، ومسيحيين، وإيزيديين،
ويهوداً، أوسواهم، ممن لم ندقق في أرومتهم، يوماً ما، ونحن ندرج أنفسنا-طويلاً- ضمن
خانة البيت الواحد،  بل وإن كان هناك شعور متنام
لدينا، أن ثمة مستبداً واحداً، ولصاً واحداً، وقاتلاً واحداً، هو من يتربص بنا،
أجمعين، ولم تنطفىء فيَّ  جذوة القلق
على  مصائر من تعرضوا لهذا الحريق الذي تم
نتيجة خلل فني، طالباً لهم الشفاء، والسلامة، لاسيما أن خبر الحريق الأول، لم يبن
التفاصيل كلها، وهو أشبه بالشعور نفسه، أنى تصادى  إلينا، عبر وسائل الاتصال أو الإعلام صوت قذيفة
على “قامشلو” أو “كوباني” أو “عفرين” كما “حمص”
و”دمشق” و”حلب” حيث كل هؤلاء، أهلنا، أبناء بيتنا، ممن شربنا
من ماء واحد، وأكلنا من رغيف واحد، وعانينا من سلطان سيف أمني واحد. 
  
 وحين
وصلتنا، رسالة زميلنا عمران “مسؤول الرابطة” في الداخل، بأن “بنابر”
– وهو واحد من عداد أسماء تقدمت بطلباتها للحصول على شرف العضوية- وتمت الموافقة
على طلبه، من قبل اللجنة المختصة، بالإجماع، على ضوء إمكاناته، وموهبته الواضحة،
وهو يكتب بلغته الكردية الأم، شعرت بصدمة كبرى، بخيبة كبرى، بمرارة لا تحتمل، على
مصير هذا الشاعر، الفارس، والبطل، والمقاوم- ولعل بعضهم يتوهم أني مسترسل  هنا مع جموح العاطفة لا أكثر كما يحدث أثناء كل
فجيعة- بيد أن الأمر مختلف، لأن ما أقوله مستقى من سيرة هذا الشاعر الشهم، نفسه،
بل إني في موقع من لا يستطيع أن يفيه إلا القليل مما يستحق. 
أجل، إن معرفة أن الشاعر بنابر، كان أحد هؤلاء
الشباب الكردي الذين كتبوا ضد غزاة المنطقة، بتصانيفهم المتعددة، منذ “سري
كانيي/رأس العين”، خلال أول غزوة ما قبل داعشية، من قبل من سيصبحون نواة
داعش، أو راسمي أكروكي مسارهم-كردياً-  دون
أن تحيله ظروف معيشته القاسية عن الانخراط في غمار الكتابة المتواصلة عن ألم أهله،
وأملهم، وصمودهم، ومقاومتهم،  لاسيما أنه
عاش أكثر من مأساة يتعرض لها، وطنه، وشعبه، وكان له موقفه، كما أسرته، ما يرفعه
إلى مستوى مرتبة الشهادة المسبقة، شهادة مقاومة المحتل، الغازي، عبر الكلمة، كما
شهادة المقاومة من أجل الحياة، مستكملاً بذلك: المقاومتين، بل الشهادتين. فها هو يعيش
مأساة شنكال، ويكتب عنها، كما أنه يعيش حالة “كوباني” وما تتعرض له من
غزو بربري، من قبل ميكروبات الألفية الثالثة، وهم مدججون بالظلامية، والتكفيرية،
وعداء الحياة، وعداء البشر، دودرة التاريخ، وأرومة الجغرافيا،، وسط تواطؤ عام، ليس
معهم -فحسب- بل ومع حاضناتهم، وداعميهم أيضاً. 
اسم بنابر، سيظل بيننا-كزملاء له- اختار أن
يناضل معنا، وقصيدته ستظل أمانة في أعناقنا، ورسالته ستظل أمانة في ضمائرنا، كما
يظل، هو وأسرته، أمانة في ضمير شعبه، وبلده، ووطنه، شأن من سبقوه من زملائنا، على
طريق التضحية، مثل: مشعل التمو- الشيخ محمد معشوق الخزنوي- عبدالرحمن آلوجي – آرشف
أوسكان، وغيرهم، من زملائنا في الرابطة، ممن لن ننساهم، وهم في ضمائرنا، ووجداناتنا،
ماحيينا. 
أجل، الحريق، الغادر، الذي التهمت ألسنته جسد
بنابر، ومن معه في المطعم، ومنهم زميله “مايك”، يمكن التأريخ له، ضمن
صنافته، على أكثر من صعيد، فهو قد غيب خلفه روح شاعر، وقصائد شاعر، ظلت متناثرة،
هنا وهناك، لتكون هناك محرقة روح وإبداع، ولوفي ميزان الخطأ في الصرف، بالتوازي مع
نار راحت تلتهم بيوت أهله في كوباني، عنوان آخر قصائده، بعد أن راحت “شرارات
“أراكيل” رواد المطعم تشعل بخارمازوت خزان المكان، كي تترك ندبة، لا تمحى،
ندبة عميقة، في ملامح مدينة استثنائية، اسمها “قامشلي” . 
الشارقة 
30-9-2014 
ضمن ملف الشاعر الشهيد- بينوسانوالعدد29-10-2014 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أ. د. قاسم المندلاوي

أولاً: مستوى التحكيم

من خلال متابعتنا لعدد كبير من مباريات كأس العالم 2026، يمكن تسجيل جملة من الملاحظات حول المستوى التحكيمي، إذ بدا في بعض المباريات أن هناك تباينًا في تطبيق القوانين، الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا بين الجماهير والإعلام الرياضي ،

وقد برزت شكاوى عديدة تتعلق بعدم الثبات في القرارات التحكيمية ، ولا…

متابعة: عبد اللطيف الحسينيّ

قَبلَ حوالي عَقدين كنّا ثلاثةً: ياسين حسين وغسان جانكير وأنا، وبينَنا الأدبُ والسياسةُ، وصخبُ الحياة وتكاليفُها على رجلٍ تَرَكَ حلبَ ليقيمَ في مدينته التي أحبَّ “عامودا” حيث لا عمل والقبضةُ البعثية الأسديّة ومخابراتُها تحصي أنفاسَ مخالفيها بخلاف ما روّجه البعثيّون بانكفائها، لكن بقي البعثُ” قائداً للدولة والمجتمع” أو شيء من هذا الوضيع…

صبري رسول

 

تضعك شمس عنتر في قلب الحدث، فيشعر القارئ أن القصّة تجري معه، أو حدثت قريبا منه وفي محيطه، إلى أن يصل به الأمر أن يشعر أنّ الكاتبة تروي الحكاية له، القصة التي حدثت للتوّ.

النّصوص هي سيرة أهل الجزيرة، سيرة مدنها وأزقتها وقراها. هي سيرة النّاس في أزمنة الحرب، سيرة النّساء والشّهداء.

وبخلاف قصصها السّابقة، التي…

فرهاد دريعي / ألمانيا

عزيزتي:

المسافة لم تصنع لي وطنا بديلاً، ​فقط كانت هي الأقدار حينما كتبتْ فصولاً لم أخترها، وألقت بي في فيافي غربةٍ أجرّ خلفي حقائب ممتلئة بالذكريات، وتاركاً قلبي حيثما أنتِ، يهيم في طرقات قامشلو نهاراً وفي الليل يندس تحت وسادتكِ.

​هذه ليست قصة إقصاء أو سفر، إنما سيرة روح شُرخَت، فنصفٌ يعيش مرغماً في…