الطفل الشقي عدواً

أحمد اسماعيل اسماعيل
دأب الكبار، الراشدون، ومنذ عقود، بل قرون،على جعل الأطفال يتمثلون سلوكياتهم في كل ما يمارسونه من عادات وتقاليد وأفكار وسلوكيات.. وحتى أحلام وطموحات، رغم كل ما قيل وما يقال عن انتماء الأطفال لزمن غير زمنهم، واختلاف خصوصياتهم عن تلك التي تخص الكبار، يظهر هذا السعي أكثر ما يظهر في المجتمعات المتخلفة، المبتلية بفيروس القمع بكل أشكاله وتجلياته، بدءاً بالأسرة حيث الولد يجب أن يكون «زلمة البيت» بعد الأب، وشبيهه، ومروراً بالمدرسة التي يُعامل التلميذ فيها كسجين وبنك معلومات، وعسكري وطليعي في حزب القائد.. وانتهاء بالشارع ودُور العبادة أيضاً.
وكان من الطبيعي، والحال هذه، أن تتم برمجة الطفل ليساهم بدوره في تفعيل هذه العملية التي ستشوه أجمل مراحل عمره، من خلال التماهي أو التقليد، الخاصية النفسية المعروفة لدى الأطفال، والتي تستثمرها المجتمعات الأكثر تحضراً في تربية الطفل، وذلك من خلال تقديم الشخصيات الإيجابية على المسرح للتّماهي معها، كالشّخصيات الوطنية والعلمية مثلاً، أو السيّئة، كالخونة واللصوص والكسالى. لتجنّبها، ونستهلكها نحن أسوأ استهلاك، أمّا بالتهريج وتقليد الآخرين، في الشارع والمدرسة، أو، وهذا أخطر ما في الأمر، بتماهي الطفل في دور الذكر سيد البيت، بجديّة وصرامة، تبدأ بالتدخين، وتكتمل بتقليد الراشدين في كلّ حركاتهم وتصرّفاتهم، ليتحوّل الطفل المُقلِد إلى كائن ممسوخ، طفل مسترجل، لا طفولة ولا رجولة، وتتضاعف هذه المأساة في حالة الأنثى، ومنذ أولى خطواتها، بدءاً باللباس والسلوك والكلمات المنتقاة والحركات والعلاقات واللعب.. وإلى أن تزفّ إلى بيت الزوجية، وتصبح أماً وهي ما تزال طفلة. وكل ذلك بمباركة من المجتمع وصناع ثقافته من الكبار.
إذا كان كل ما سبق من حديث عن إهدار الطفولة في مجتمع متخلف، وأثر ذلك على الطفل ومستقبله، ومستقبل المجتمع، على المدى البعيد، غير ظاهر إلاّ للعين الخبيرة، فإن الأمر يختلف تماماً تحت سماء الحرب، حيث المناخ مشبع برياح تنعش النباتات السامة وأزهار الشر وتنمّيها، ليكون الطفل هنا أيضاً، أولى ضحايا هذه الأجواء، وأكثرها خطورة، على مستقبل المجتمع والوطن، ويصبح معها من الصعوبة بمكان، بل من الغباء التاريخي، الحديث عن النهوض وإعادة البناء، لأن آلة الحرب، لا المعمل، هي التي ستدور، في حروب أخرى مستقبلية، صغيرة أو كبيرة، داخلية أو خارجية، بسلاح أو بلا سلاح. وبإدارة طفل الأمس، طفل الحرب الشقي، وكل طفل شقي هو مشروع دكتاتور ومجرم حرب وعميل في الغد،ولعلّ ما نشاهده من مظاهر سلبية تتعلق بالأطفال في حروبنا الدائرة اليوم، ومما ينشره شباب صغار على صفحات التواصل الاجتماعي من عبارات وشتائم للآخر، تهدر وطنية وإنسانية شريكه في الوطن، المخالف له طائفة أو قومية أو مذهباً أو سياسة. وما يتم استخدامه في ألعابهم، التي تغيرت طبيعتها، وأدواتها، وغير ذلك من مظاهر مماثلة.. يؤكد هذه الهواجس.
ولأهمية اللعب، الذي يكاد يكون المجال الأكثر أهمية في نمو الطفل من جميع النواحي النفسية والادراكية والجسدية، فإن التحوّل الذي أصابه نحو العنف، والذي بدأ عفوياً في الشوارع والساحات، وانتهى حقيقياً على جبهات القتال. يزيد من مخاطر هذه التحولات.
ولقد كانت البداية في إقامتهم الحواجز في الشوارع الضيقة، ومنع المارة من العبور إلا بعد أن يرفعوا أيديهم عالياً، أو يبرزوا بطاقات إثبات شخصياتهم، والتي يمكن إدراجها في عملية إيهام وتقليد حروب الكبار الجارية في معظم مناطق الوطن: جيش حر وشبيحة، داعش ووحدات مقاومة شعبية،عسكر نظام وثوار.. راحوا يمارسونها في عملية قتال شوارع بعتاد حربي مؤلف من بنادق بلاستكية وأسلاك وعصي.. وغيرها من أدوات حرب الصغار التي تحاكي حرب الكبار. لتتحول هذه الألعاب من الإيهام إلى الحقيقة، أشبه بمسرح تفاعلي يستدرج جمهوره من اللعب إلى الاندماج والمساهمة في التمثيل.
قد لا نبالغ بالقول إن أياً من أصحاب النظريات التربوية والتعليمية الذين تناولوا موضوع اللّعب ودوره في حياة الطفل، كوسيط لتطبيق المعارف وممارسة الاكتشافات حسب رأي عالم تربوي معروف مثل بياجيه، والناهض بدور أكثر فاعلية ومحورية في عملية النمو، بمختلف جوانبه، حسب عالم آخر هو فيجوتسكي، لم يكن ليتخيلوا هذا التحول في لعب الأطفال، وبهذا الشكل المرعب، والذي سينعكس، ولا بدّ، على منظومة القيم في حياة المجتمع والوطن، وفي علاقة الفرد مع الآخر، الفرد والمجموع، وليجترّه صاحبه في حالة نكوص تدميري وتشويه عميق لن يتعافى منه حتى عندما تضع الحرب أوزارها وتنهض الأبنية وتُقام الجسور ويعود العمال إلى المصانع والطلاب إلى المدارس.
إنها لعبة الحرب، عجز السياسة، كما وصفها مفكر سياسي، بدأت بدمج الأطفال فيها بشكل إيهامي، أطفال تقودهم نزعة التماهي في أدوار الكبار، ثم بشكل فعلي: جنوداً وثواراً وتكفيريين.. يرتدون الزي الحربي ويتقلدون أسلحة حقيقية يتم تصويبها نحو أهداف حية، لا تشبه الزجاجة الفارغة المثبتة على مرتفع، أو الدريئة المنصوبة في حقل الرمي أثناء تدريبات الطلاب الجامعيين، بل مؤلفة من بشر وأماكن وسيارات.. ورؤوس حقيقية من لحم ودم يفصلونها بسكاكين حقيقية، كبيرة وحادة، عن أجساد أعداء؛ حتى لو كان أحد هؤلاء الأعداء: لصق بيته، بيت بيت.
ولم لا؟ مادام هذا العدو مرتدّا وطنياً أو دينياً أو مذهبياً أو سياسياً..
كارثة وطنية وإنسانية تفوق الوصف بالكلمات!
أحمد اسماعيل اسماعيل
كاتب مسرحي من سوريا
عن مجلة الجديد

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ممدوح عبد الستار (روائي وقاص)

تتمحور الفكرة الرئيسية لرواية “تذكرة عودة” – الصادرة حديثاً- للروائي “جوان سلو” حول استكشاف أثر الحرب والصراع على الهوية والذاكرة والإنسان، من خلال التركيز على مدينة كوباني (عين العرب) الكردية في شمال سوريا، والتي عانت ويلات الحرب ضد تنظيم “داعش”. الرواية رحلة في نفوس شخصياتها، وكيف أثرت الحرب على حياتهم، وعلى…

خالد بهلوي

تبرز أهمية مهرجانات الشعر بوصفها فضاءات ثقافية تجمع الشعراء والمثقفين والجمهور، وتمنح الشعر الكردي فرصةً للاستمرار والتطور والانتشار. خاصةً أن الشعر يُعدّ من أكثر الوسائل تأثيرًا في نقل اللغة بين الأجيال. فعندما يجتمع الشعراء لإلقاء قصائدهم سواء كانت باللغة الام ام باللغة العربية، فإنهم يساهمون في إحياء المفردات والتعابير الكردية وإبراز جمال اللغة وقدرتها على…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من السهل أن يسأل الكاتبُ: إلى أين أنتمي؟. السؤالُ في الظاهر بسيطٌ، لكنَّه حين يخرج من فم كاتب أفريقي عاشَ الاستعمارَ، وورث لغته، وغادرَ بلدَه، ثم وجد نفسه يكتب من فضاء آخَر، يتحوَّل إلى سؤال ثقيل، يكاد يكون سؤالًا عن الحق في أن يكون الإنسانُ نَفْسَه.

الكاتبُ…

جوان سلو

“أخطط لمواصلة الاستفادة من استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة رواياتي، مع السماح لإبداعي بالتعبير عن نفسه على أكمل وجه”
(سي إن إن بالعربية 20 يناير 2024).
هذا ما قالته الكاتبة “ري كودان” الفائزة بجائزة الرواية اليابانية لعام 2024، والبالغة من العمر 33 عاماً، حيث أنها اعترفت بأنها حصلت على مساعدة من مصدر “غير مألوف” أي…