حوار مفتوح مع العاشق للفن والحياة عنايت عطار (10)

 غريب ملا زلال 
غريب:
علاقتك مع اللوحة علاقة عشق كبير ، فيها من الذوبان الكثير ، أحدكما يرسم الآخر ، هي ترسمك بقدر ما ترسمها أنت ، هذه الحميمية مع اللوحة من أين جاءت ، كيف ولدت ، و من يكون صاحب القرار للبدء ، أنت أم هي ، أم هناك طرف آخر يلعب المحرض بينكما ، و كيف يبدأ عنايت بالعمل ، و متى يعلن الإنهاء ، أيضاً هنا من يكون صاحب القرار أنت أم هي ؟
عنايت:
علاقتي باللوحة ؟ 
أعتقد أن القارئ و من خلال ماكتبته في الأجوبة السابقة قادر أن يستشفها، و حتى لو أمعن النظر في أعمالي واستطاع أن يتلمس زلات الريشة و إنسياب اللون وما أبقيه تجريداً سوف يرى التأكيد على الوجوه، بمعنى إنني أقف أمام المساحة البيضاء بما كان يقلقني، أو بما كان يريد الخروج إلى الضوء، وقلما أستعمل مبدأ التخطيط الأولي، أو الدراسة المسبقة ، ولكنني هنا (أنا أيضاً) أبحث عن شرارة البدء وسط البقع التي وضعتها دون أي تفكير، و دون أي تأمل، ليأتي بعدها دور التفحص أو (التأمل) حتى أتعثر بما يشبه ظلّاً يمشي على قدمين مثلي، مثل من يرى في تشكل الغيم صوراً يقرأ بفنجان من القهوة بعد شربها ، ومن هنا أكون قد إنخطفت تماماً وكأن اللوحة غير المنتهية تناديني من هنا أو من هناك ، وفي هذه الحالة أعتقد أن التجربة السابقة لكل عمل، أو الموضوع الذي يشغلني وأنا في الطريق أو و أنا أقود السيارة أو وأنا في متنزه، أو في سهرة مع الأصدقاء… تلك الأوقات التي يستوي فيها المخاض بمخاض الولادة بحيث تكون العين جاهزة للإصطفاء 
وفق تراكم الحلم والهذيان والقلق والحزن والفرح ، إن اللوحة عندي هي منصة للرقص و آلة للعزف و كأس لخمرتي وعشق يأخذني إلى فضاء الإنسكاب كما لو كانت نهاية اللوحة التي هي بمثابة إعلان للإنطفاء سواء حزناً كان، أو فرحاً، أو سكرة خاطفة ، ولذلك لا أستطيع الجزم من منا هو الأسبق لطالما هناك تداخلات للوعي بين الحين والحين ، والتي تنقذني من زلات التكوين أو الوقوع في نشاز اللون، كما هناك أيضاً استرسال واستغراق مثل سكران في نهاية السهرة يعرف العودة إلى بيته و لا يؤذي أحداً من السمار، أو أشبه بحالة صوفي يرى نفسه على باب السدرة وهو في مكانه.. نعم يا صديقي ففي كل لوحة هناك إنخطافة عشق أو سكرة أو مغامرة .
غريب:
لا يمكن الفصل بين المبدع و حياته ، عنايت و على مدار عمره ، بزخمها و عذاباتها ، و في كل تحركاته و نبضه و كأنه يرسم الحياة ، فالرسم ليس هاجسه ، بل زاده و دقات قلبه و شهقة روحه ، و لهذا لا بد أن يحضر في تنقلاته و ترحاله ، في عشقه و نبيذه ، في ذاكرته حيث رائحة تراب قريته ، و هسيس والدته و هي تبثه حبها و شوقها ، عنايت مجبول باللون سواء أكان يرسم أو بصحبة حبيبته أو كان يشرب الشاي مع أحد أصدقائه في قهوة ما و على رصيف ما ، أحب أن أسمع هسيس عنايت في فك و حل هذه المعادلة الحياتية ؟
عنايت:
إنها ليست بمعادلة كي أفك رموزها، إنها ليست أكثر من إنني أعيش حياتي بصدق,,, أنا و كأسي وذاكرة الحنين,,. ألوان طفولتي وثوب أمي,, زغاريد الأعراس وحصاد الزيتون ,,,
وحماقات المراهقة الجميلة، و كأن الماضي حاضر أبداً، أو ممزوج باللحظة الراهنة، و ككل الفنانين أو كمل الشعراء لابد من تراكمات المكان والزمان حتى يتشكل مايسمى بالخميرة الأولى للعطاء ، كما لوكانت ذاكرتي خابية، أو أفرغها كلما أحسست بالامتلاء.. أعتقد أن الومضة التي تفرغ نفسها بدون تدخل المحيط في تشكيل اللوحة أوفي بناء القصيدة، فتبقى هي الأصل، والفكرة والمبنى والمعنى في أي عمل إبداعي.. و لاشك بأن ذلك يتم تحت حراسة وعي بعيد الإرجاع كمنقذ لزلات الريشة أو لهفوة الإنزلاق إلى مكان آخر,,, إن الحياة هي الأصل في الإبداع بهدوئها أو صخبها كما ذكرت في سؤالك، لا بل هي ومن خلال التفاعل مع الثقافات والقامات والأرض والزهر والشجر والملامح والغيم واللقاءات والعشق تشكل رسم الهوية الأصيلة للفنان رغم تآلفنا وإنسجامنا أو لنقل تكيفنا أينما وجدنا – كما قال أحد الفلاسفة إن الإنسان حيوان متكيف، كما أن الأصالة لاتعني أبداً أن نبقى بعيدين عن المجتمعات التي نحل فيها ولو ضيوفاً، إن فرنسا أو الغرب عموماً قد منحني أولاً حرية القول ,من أنا ؟
نعم حرية أن افصح عن وجداني,, أن أريهم مقاييس أخرى للجمال، زاوية أخرى لرؤية العالم الخارجي، أن أراقص إمراة ، أو أغني لحناً، أو حتى أغمر سلطة العشاء بتوابل الشرق، و أرجو ألا يفهم بالخصوصية إنني أغرد خارج السرب لأنني أولاً وقبل كل شئ إنسان مثلهم ، ولا بد أن أقبل فيما أحل من قوانين السير والمحاكم والمحافل ,,
وحتى لون الزهور في كل مناسبة
,,, خذوا مني ماتشاؤون فقط أعطوني حرية إختيار اللون والاداء لأفتح لكم نافذة على عالم قد لاتعرفونه…..
يتبع

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

بنية جكرخوين

أنا لست أنا
أنا لست كما عرفتني
فمذ انفصلت عني
ياتوأم الروح
انشلت حواسي
وإلتوت مفاصلي
وانطفأ النور في عيوني
وداهمتني الوحدة
حينها أدركت بأنك
كنت محقاً عندما
كنت تسألني دوماً
كيف ستكونين من بعدي!
كيف ستعيشين بدوني!
ارفع رأسك وانظر إلي
أنا لست أنا
لست كما عرفتني
فالأبيض تغير لسواد قاتم
والأحمر أصبح ممزوجاً بالأصفر
ربما أصبت بعمى الألوان
أو اختلفت الأمور علي
فانا لست انا
لست كما عرفتني
كل شيء تغير
إلا حبي لك
مازال يسمو…

ا. د. قاسم المندلاوي

انتهى الصراع الكروي الكبير بين المنتخبات العالمية على لقب كأس العالم 2026 ، التي استضافتها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، وسط منافسة قوية بين المدارس التدريبية الأوروبية وأمريكا الجنوبية. ويعكس تتويج إسبانيا باللقب للمرة الثانية في تاريخها حجم التطور الكبير الذي شهدته كرة القدم الإسبانية خلال السنوات الأخيرة على مستوى التخطيط…

فراس حج محمد| فلسطين

في السياق الفلسطيني الراهن الذي يواجه فيه الشعب محاولات مستمرة للمحو الوجودي والثقافي، يبرز فعل التذكر أداة استراتيجية تتجاوز حدود الرثاء الشخصي لتصبح فعلاً نضالياً بامتياز، ويأتي كتاب “أسماء في الذاكرة: من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة والسلام” للأديب محمود شقير الصادر مؤخرا عن دار التنوير في رام الله ليجسد هذه الفلسفة؛ حيث…

نصر محمد / المانيا

هذه هي المرة الأولى التي أتصفح فيها ديوان الصديق الشاعر حفيظ عبد الرحمن، ومن سوء حظي أن الصدف لم تسعفني للحصول عليه من قبل. وقد أهداني هذه الفرصة الصديق الشاعر والروائي إبراهيم يوسف في آخر زيارة لي له للاطمئنان على صحته في منزله بمدينة إيسن الألمانية.

ديوان “خلاخيل الكلام”…