هواجس الحنين

أحمد مرعان

ها قد تجاوزت الستين ، وحنيني يتلاشي بين الكاف والنون ،هواجس تهامسني انهض بعكازك البني ، وارسم خارطة الهجران ، لبلاد الفرنجة بلا عنوان ..
استطرد كل نوارس البحار ، أتسكع بين أحراش الغابات ، وأجعل لي مملكة بين الضباع حتى الضياع ..حذار أن أغفو ويهلكني الطريق ،وتختلط عليَّ خطوط الطول بالعرض ،حتى إبرة بوصلتي تعاندني ، لممر ضيق وآثار أقدام قد مرت من ها هنا،  وتحوم الغربان ، ربما جيفة إنسان ، ذاب عنها الثلج بعد فوات الأوان ،ضريح فاتح فاه ، يستنجد الأكوان ،يناجي ضمير الأوطان ،فلا سبيل ينقذ صرخاته ، سوى ملك الموت الحاضر في كل مكان..
كل الأصوات تحاكيني،  والخيال تخونه الذكريات ،عُدّ ، ارجع حيث ما كنت ، لكني ضعت وتاه العنوان..
جرس الهاتف يوقظني من حلمي …..
لكني أيقنت وتدربت على دروب الهجران ، للهاربين من الموت والدمار وتبعية السلطان ..
فأدركت بأني مازلت أمتلك بقايا روح تتردد بين الأنفاس..
وطني المتهالك ، وعصابات تتحكم هنا وهناك ، صمتي يصرخ بألمي ،ينام على صدري رغم الضوضاء، وفي مخيلتي آلاف من الأوهام ..
نواقيس الكنائس تناديني ، ودعاء الشيوخ من المحراب ، والأم الثكلى تصرخ أين ابني ، وأطفال قد تيتموا وتاهوا في الأزقة بلا رداء ،ومازال القواد يوعزون للجنود باستمرار الدمار ،أصداء تدك المكان ، وأزيز الرصاص يرسم خارطة الطريق على الجدران..
الآن.. الآن أدركت بأني لم أخطأ العنوان…..
سمعت صياح الديك في الصباح ، بعد غفوة الرنين ، وعلمت بأني مازلت على قيد الحياة ، لملمت جراحي من جديد ، وأودعت أشيائي بحقيقة السفر ..
إذا : قررت الرحيل !!
مادامت الأحلام توجع ذاكرتي ، وأعرف أن اليوم أسوء من الأمس ، وتتشابه الأيام في سباق الأنين !!
فما أنا بكاهنٍ ، ولا منجمٍ ، ولا بقارئ فنجان ، فلسان الحال يخبرني،  ستندم إذا لم تقرر الهجران !!
أين نحن من بلاد ساد فيها : الفساد والعناد وتجار الحروب ،أين نحن من قول النبي ( ص): لا يعلم القَاتلُ لِما قَتَلَ ، ولا المقتَولُ لمِا قُتل ..
الخَيارُ مُر ، والرحَيلُ أَمَر  ،فلا بديل ليّْ ، إما قاتل أو مقتول أو معتوه الأجل،  إذاً لا مفَرّ ..
انج بروحك من بلاد بلا أمل ،  إذ أصبحتْ فيها الأمانةُ مغنما ، والزكاة مغرما ، وأوكلَ الأمر لغير أهله ، فأصبح سيد القوم أرذلهم ..
فحان الضياع إذا : نعم قررت ، ودموع الحنين تؤرقني في كل وقتٍ وحين !!..   
وطني المهاجر في الغربة منذ الأزل ، بفعل حفنات من بقايا رجال أغنتهم الأعلام والصور ، تاهوا بغرور النفس لأنهم عاشروا الحَجل ، أولاد ال…… ، لا مشورة لهم ولا أمان إلا الغدر ، وأسفي على شباب ضحوا بأرواحهم على أمل ، وتجمدت الدموع بالمُقل ، لئلا يقال عنهم خافوا من وجل ، ويعرف العالم كله بأنهم أُسود بالوغى لا تثنيهم رصاصات العدو إن قرروا تحدي الأجل ، أسفي لمن غدروا بهم من أبناء جلدتهم والكلام لا ينفعه الندم ، لا قيم الرجولة والشهامة تقيهم من شر منتظر ، ومازال بعض السذُّج يصدق مقولتهم بأن الشهيد خير البشر ،
شوهوا التسميات والمعاني والعبر ، جردوا القيم لمفردات اصطنعوها بلا أجر ، ويبقى الشهيد القانع بالقيم أنبل بني البشر ، أين نحن من محكمة الذات إن تبقّى شيء من ضمير يقضي وطرا ، سيلعنكم التاريخ يوما قريبا مهما تخبأتم في الحفر ، ومحاكم الإله سترميكم إلى جهنم وإلى سقر ، أتضرع إليك إلهي بألا تقي منهم أحد ولا تذر ..
وطني الشامخ ، هزلت منك العرب والفرس والتتر ، وخاب ظن الشرفاء بالأمل ، التاريخ يعيد نفسه في كل مرة ، لا لشيء إلا لعناوين الخيانة والغدر ، 
أما أنتم من تدَّعون حماة التبر ، لملموا جراح التاريخ وأعيدوا النظر ، بالعلم والأخلاق أنشئوا جيلاً صادقاً يؤمنوا بالقدر ، أنشئوا محاكم ، وانصبوا مقاصل ، لكل من تسول له نفسه حتى التفكير بالخيانة والغدر ..
علنا نعيد الأمل لحلم متوارث من جيل إلى جيل ينتظر ../ ..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

كتب الدكتور عادل الأسطة منشوراً قصيراً في صفحته على الفيسبوك حول رواية “تمويه” للكاتبة عدنية شبلي، أتى فيه على لغة الرواية، والصحيح أنه قدّم ملحوظات مهمة حول لغة الرواية، وأبدى اهتماماً بالغاً بهذه اللغة، وحق له ذلك؛ فاللغة عماد أي عمل أدبي أكان سرديا أم شعرياً، بل إن العمل الأدبي هو اقتراج…

صبحي دقوري

كولن هنري ولسون Colin Henry Wilson كاتب ومفكر وروائي إنكليزي، وُلد في ليستر بإنكلترا في 26 حزيران/يونيو 1931، وتوفي في كورنوال في 5 كانون الأول/ديسمبر 2013. كتب في الفلسفة، الأدب، التصوف، علم الجريمة، علم النفس، الموسيقى، والظواهر الخارقة، حتى صار واحدًا من أغزر كتّاب بريطانيا في القرن العشرين. تذكر موسوعة بريتانيكا أنه ألّف أكثر…

أعلنت منشورات رامينا في لندن صدور رواية «نموت دائماً متأخّرين» للكاتبة السورية لينا رضا، في عمل روائي جديد يقترب من أكثر المناطق هشاشة في التجربة الإنسانية، عبر سرد نفسي وتأملي يتناول المرض، المنفى، العزلة، وأسئلة الموت والنجاة، ضمن فضاء روائي يضع شخصياته على تخوم القرار الأخير.

وتنطلق الرواية من مركز علاجيّ غربيّ يستقبل مرضى ومتقدّمين بطلبات…

صبحي دقوري

ليس الاختلاف نقصاً في نظام العالم، ولا عيباً في بنية الحياة، ولا شذوذاً عن قاعدة الخلق، بل هو القاعدة الخفية التي يقوم عليها كل شيء. فما من حركة في الطبيعة إلا وفي أصلها فرق، وما من ولادة إلا ووراءها تباين، وما من فكرة جديدة إلا وقد خرجت من احتكاك فكرتين، وما من مجتمع…