نحيب على الطريق

ريبر هبون
لم تغب عنه عينا أمه المبلولتان بالدمع، يتذكر كل شيء بدقة وجودة عالية، يتذكر طبق الحساء الساخن الذي سكبه والده مجو على رأس أمه المسكينة 
يتذكر جيداً وهو طفل في العاشرة كيف مد يده لصحن التمر، وإذ بوالده يهم بصفعه بقسوة، فلم يستطع تناول الطعام عند غروب الشمس وحلول الافطار ابان ضرب المدفع الرمضاني، لا يغيب عنه وجه أمه، ملامحها، بسمتها المصطنعة بوجه الأولاد لتشعرهم أن كل شيء على مايرام، يتذكر جيداً ذلك الثقب في حائط الغرفة الوحيدة والذي أحدثه أهل زوجها للتلصص وسماع ما يحكى، فقد تشكو شاها لأمها ظلم حماتها وتكالب بناتها عليها شتماً وسخرية. 
ًذلك الثقب الذي قاموا بتوسيعه ليسع فوهة الأذن وليأتي الصوت واضحا.
: مشاهد متراصفة في ذهنه كالكتب على الرفوف، أشياء يتذكرها تعود لعشرة سنين أو أكثر، تشعره بقتامة النور رغم ضوءه المنبثق، زيف يكمن في الضوء، كذب يكمن في الصدق شك يتغوط في اليقين، رذيلة تمارس اللواط مع الفضيلة، ُيتم يستولي عليه كأن أعماقه مملكة سبايا، كأن كوابيس الماضي حبال مشانق
.تضغط على عنقه وتلوي رقبته. 
لقد وصل للنمسا ،بعد معاناة شهر كامل على الطريق ،نباح الكلاب الحدودية مابين صربيا وهنغاريا يفترس أذنيه ،كأن وصوله لبر الأمان خبر كاذب ،يغلق عينيه، يدخل لعالم هو جزء منه، حائط يثقل صدره، الثقب الذي  تموضع بداخله،شوق عنيد لأمه يستوطن محجري عينيه، وأب تعرى من أبوته تعامل معه وأخويه وأخته الوحيدة بفظاظة، كأنه راع يسوس خرافاً للذبح، أو جنرال حانق
. على كتيبة من العساكر الأغرار
 أخرجتهم الحرب الطاحنة من أماكنهم، اليتم خدش دواخل الأطفال، صب قتامه عليهم، يتذكر جوان ملامح أمه وهي في غرفة الإنعاش،الطبيب مستاء من  بقاء شاها في المشفى ، 
ان موتها سريري، وبإمكانكم أن تخرجوها لتموت في بيتها، لقد تمكن السرطان-
! منها تماماً، ستلفظ أنفاسها قريبا كان الله في العون. 
لم يكترث مجو  بما قاله الطبيب 
تسمر جوان وخالته جين التي جاءت متأخرة لأختها لتراها وهي على هذه الحال
: البائسة. ـقالت لمجو عند مخرج المشفى
 كل ما يجري لأختي بسبب إهمالك، إخفاؤك عنا لمرضها وهل في ذلك من عار كي تتكتم عنه لأشهر عديدة، لو عرفنا ذلك لكنا على الأقل ساعدناك، أو قمنا بتدابير تحول دون تفاقم حالتها
وماالذي كنا سنفعله أو ستفعلونه ،إنه أمر الله وقضاءه.- 
نظرت جين لأولاد اختها المساكين نظرة وجع وإشفاق 
طفلاها يلعبان معاً  ولا يدريان مايحدث، أما جوان ابنها البكر فلم تكن الدموع
. تفارق وجنتيه
 خرجوا بجثتها من المشفى ووضعوها في الفان، الكل خرجوا بوجوه مكفهرة، عابسة كأول أربعينة الشتاء، جوان بوجه أصفر يحاكي وجه أمه الميتة لتوها، 
خرج مع الخالة والأولاد والأب والجثة معاً من دمشق إلى منبج ،ظل البكاء والنحيب غير المتقطع كأغنية تلك المسافات الطويلة، كان الوقت يحاكي هول الحزن وقساوة الحياة باتجاه المدينة ،،حدث ذلك في 2010
حين كانت الحياة برمتها في البلاد عبارة عن موتى أحياء يتقاسمون وقتهم مع الجثث، طيلة ساعات الرحلة باتجاه مسقط الرأس حيث المدفن
 عند وصولهم كانت وجوه المستقبلين أشبه بعلب سردين فارغة في كيس قمامة مفتوح كل اللاتي شاركوا في دفن شاها حية قبل مماتهاـحماتها وبناتها 
كانوا في الصف الأول من جمهرة المودعين لها.،شخصت قلوبهم تحاكي الموت 
كأنهم حبسوا بدواخلهم شاهدات قبور تنتظر تدوين أسماء جديدة عليها
 مجو اعتلى المركبة برفقة زوجته الجثة فراح يوقف سيلان انفه بمنديله اثر
. دموع صامتة تنهال من عينيه
لم تمض أيام قليلة على ذلك الموت حتى سارع في الزواج من صبية عانس تعيش في احدى القرى الكوبانية 
راحت تلك الزوجة الجديدة تتعامل مع أبناءه الصغار كأنهم أسرى نازيين وقعوا بيد الروس ،أو غلمان استرقهم الرومان من تراقيا 
أما مجو  فراح يضاجع وينجب منها، لا شيء يراوده غير ذلك 
فالحياة ستمضي كيفما اتفق، والأطفال يعيشون ما كتبه لهم الله ،فهو يرى وهو يقسم النصيب ،فللمفترس نصيب من فريسته ،وللفريسة حصة حياة قبل أن تنتقل
. لمعدة المفترس
 جوان لا تتوقف مخيلته عن استجرار ذلك الماضي الذي يحاكي هزائم الشعوب المنكوبة ،لايدري لماذا يخفض رأسه كلما حاولت دمعة أن تنزل من أفق عينيه 
لقد أخذ من والدته ملامحها وهدوءها ـوأخذ عناداً وروح أب رحيم وعادل في تعامله مع أخوته ،ها هو قد وصل النمسا ،بعد كفاح شاق مع أب كالحياة أثناء الحرب لا يرحم ،أمنيته أن ينجح في لم شمل أخوته المتبقين من رائحة أمه التي
: من بين الغروب ،تلوح له من بعيد وتقول له باسمة 
. أنت على الطريق الصحيح بني.-

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…