على هامش يوم الكتاب العالمي (24 أبريل).. لمن يكتب الكتّاب كلّ هذه الكتب؟

فراس حج محمد| فلسطين

سؤال يُلحّ عليّ اليوم كلما تجولت في مكتبة عامّة أو خاصة، أو متجر لبيع الكتب أو البسطات المعنية بالكتب المقرصنة وغير الشرعية، مئات العناوين، وملايين الأفكار، متى سيجد الإنسان وقتا لكل هذا الكم الهائل من الصفحات ليُقرأ، أعتقد أن هناك ملايين الكتب في العالم منشورة ولم يقرأها سوى مؤلفيها أو الناشرون، حتى الناشرون لم يقرؤوا كل الكتب التي نشروها، أكّد لي ذلك أصدقاء ناشرون لا يكذبون، قد يقرؤون منها وليس كلها. على الكتّاب أن يكفّوا عن الكتابة. وعليهم أن يقرؤوا كل ما كُتب من كتبٍ أولا. هل من جديد باقٍ في عقول الكتّاب الحاليين والمحتملين، حتى هذه المقالة، لا بد من أن أحدهم في مكان ما وزمان ما قد سبقني وكتبها. فلا يفرح أحد ويدعي أسبقيته وأحقيته بأي فكرة أو أي موضوع.
يا ألله كم أكون محبطا من منظر الكتب كلما رأيتها تتصافّ على الرفوف وتتراصّ نزقة تشعر بالملل! كثيراً ما أشعر بعدم الجدوى من الكتابة، نكتب ولا قرّاء، ما الفائدة؟ هل يفيد في ذلك أن نعزي أنفسنا بالقول “يكفينا قارئ واحد” كما تقول ملهمتي لي دائماً؟ بالتأكيد لا يكفينا. كم نويت أن أشتري مجموعة من الكتب أختارها وأتراجع عن ذلك من شدة ما يصيبني من الإحباط. يزيد من هذا الإحباط زيارتي عدة مكتبات في اليوم الواحد، لاسيما المكتبات العظيمة. آلاف من الكتب في كل المواضيع. يتحشرج السؤال في حنجرتي، وتتلبد سحابته أمام عيني، لمن تطبع هذه الكتب؟ من سيشتريها؟ من سيقرؤها؟ ماذا فيها من أفكار؟ كل ما يفكر فيه الناس مكتوب، الأفكار العظيمة مكتوبة والتافهة أيضاً، كل ما يخطر في البال مكتوبٌ مكتوبٌ، مكتوب. 
يا ألله كم هي خسارة فادحة أن تكتب في فكرة مسبوقة، وتعيد صياغتها. الجاحظ شخص رؤيوي عندما قال الأفكار مطروحة في الطريق، ولو شاهد الانفجار في عالم الكتب اليوم لقال أيضا إن الأساليب مطروحة في الكتب. كم هو متعب البحث عن فكرة طازجة وأسلوب غير مستعمل. هل يوجد فعلا أسلوب كتابي غير مستعمل؟ أشكّ في ذلك كل الشكّ، بل إنني على يقين أن كل الأساليب منتهكة، وأصبحت قوالب بالية، بدءا من وحداتها الصغرى وانتهاء بالتركيبة الكلية للنصوص. غدت مهمة الكتّاب الاجترار والتكرار.
لا شك في أن هناك الكثيرين من الذين يشبهونني من الكتّاب، أنا ضائع بينهم، عليّ أن أجد نفسي بينهم، عليّ أن أقرأ كل ما كُتب لأعرف أشباهي لأقتلهم فيّ. هذه هي مهمتي ككاتب أولا أن أغرّب نفسي عن أشباهها، يا لتلك العملية كم هي صعبة، وصعبة للغاية بل إنها مستحيلة. عليّ أن أقرأ كل كتب العالم، بكل لغات هذا العالم. يا ألله! وهل من وقت لكل تلك الكتب؟ مرعبة هذه الفكرة ومحبطة أيضاً.
مع الوقت، توالدت لديّ فكرة مهمة أن الفكرة الجيدة هي “الفكرة غير المسبوقة”، وأن الأسلوب الجيد هو “الأسلوب غير المنتهك”. هل يمكن أن يكون هناك أفكار وأساليب غير مسبوقة وغير منتهكة؟ هل بقيت أفكار عذراء لم ينتهكها الكتاب حول العالم ولم يكتبوها وبما لا يحصى من الأساليب؟ أنا أعرف أن الكُتّاب- وأنا واحد منهم- يتغاضون عن هذه الحقيقة؛ لأنهم لا يريدون أن يقرؤوا، فالقراءة متعبة وشاقة، وقد تتحوّل إلى مرض أو هوس. إذاً، الكتابة هي الأسهل! وأقرب سبيل للغرق في وهم المعرفة هو الكتابة، وليس القراءة. هكذا يقول الواقع المقلوب.
في تأمل عالم الكتابة، سنكتشف جميعاً أننا “أغبياء” فعلا، وندفن رؤوسنا في الرمل، ليس من حل إلا التمادي في هذا الغباء المطلق. أن تكتب شيئا جديداً هو أكبر أوهام الكتابة حضوراً. لو كنت صاحب سلطة لمنعت إصدار أي كتاب جديد لمائة عام قادم. ولعملت على تبويب الكتب جميعها في العالم، وإن وجد ساعتئذ كتاب لم يكتب مثله، فليكن! ولكن هل سيقتنع الكتّاب “العظماء” بأفكاري، إنهم سيرمونني عن قوس واحدة ويشتمونني على الرغم من أنهم لن يضيفوا جديدا حتى في شتمي، من المؤكد أن آخرين قبلهم قد فعلوها في هذا العالم وشتموا آخرين غيري بالألفاظ والأساليب نفسها وبكمية الحقد ذاتها، وبالإيماءات والإشارات عينها.
من قال: إن الكتابة إبداع؟ إنها في ظل هذا الكم الهائل من جنون الكتابة عمل عبثي وكارثي وليست إبداعا مطلقاً، رضي من رضي وسخط من سخط. الله جل قدره، وهو العقل الكليّ لهذا الكون، لم يكتب إلا كتابا واحدا، ونسخ كل الكتب السابقة، فالله لم يرد أن يعترف الناس له إلا بكتاب واحد فقط، بعد أن ألغى كتبه السابقة وطلب من الناس إهمالها وعدم الاهتمام بها. لقد سبق الكتّابُ ربَّهم، في كثرة ما يكتبون. وهذا ما يجعلهم يتمادون في الغباء. لا تظنوا أنني لست من هؤلاء، بل إنني أشد منهم غباءً، لأنني أعرف هذه الحقيقة، وها أنا أكتب دافناً رأسيَ في الرمل، مدّعياً أنني آتٍ بجديد كلّما مارست الكتابة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…

فواز عبدي

في شقة صغيرة في مدينة دورتموند، جلس دارا أمام شاشة الكومبيوتر يتصفح أرشيفاً رقمياً عن معرض دمشق الدولي. لم يكن يبحث عن شيء محدد. فقط كانت لديه رغبة عارمة في أن يربط بين ذاكرته الممزقة وبلدٍ لم يعد يعرفه إلا من صور باهتة وأخبار تأتي من بعيد محمّلة دائماً برائحة من آثار الحروب، وأحاديث…

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…