من صور النقّاد في الأذهان

فراس حج محمد| فلسطين 

من نوادر معرض فلسطين الدولي للكتاب الثاني عشر ما قالته طالبة في إحدى المدارس الخاصة خلال حديثها عن النقّاد. قالت عندما عرّف بي إليها صديقي سعادة السفير منجد صالح بأنني ناقد. بدا عليها الاستغراب والاندهاش، كأنها لم تصدّق، واندفعت تقول إنها كانت تتخيّل النقّاد أشخاصاً كباراً في السن، ظهورهم مَحْنِيّة، ويمتلكون أنوفاً مدلاة أمامهم.
صورة كاريكاتورية مضحكة، لكنها مثيرة للاهتمام، إذ كيف كوّنت هذه الطالبة المتحمسة الممتلئة نشاطا وحيوية ونصوصا هذه الصورة عن النقّاد.
أقف أمامها بكامل قامتي العرجاء، ونحولي الشديد، وأنفي الصغير، على الأقل أصغر مما تخيلت. وبآخر ما تبقى من شبابي الواقف على أعتاب الخمسين خريفا بارداً. بدوت وأن كل شيء فيّ يخالف صورة النقّاد المتخيّلة في رأسها الخصب.
بل لست وحدي من يخالف هذه الصورة المتخيّلة، كثير من أصدقائي النقّاد من ذوي الهيئات الجسمية الجميلة؛ فهم طوال، معتدلو القامات، يتمتّعون بشباب نضر، متأنّقون في لباسهم، وأنوفهم صغيرة متناسقة مع جمال وجوههم، وهم في الحقيقة أجمل منّي في الهيأة واللغة.
المهم في الموقف كله ليست الصورة، واقعيةً أو متخيّلة، إنما لماذا وجدت هذه الصورة في ذهن طالبة ما زالت على مقاعد المدرسة؟
ألهذه الدرجة يكره الكتّاب النقّاد منذ اشتغالهم الأول بالكتابة؟ هذه الطالبة تحمل دفترها، وتلقي على أسماع الكتّاب في فضاء المعرض شيئاً مما كتبته، ربما كنت الثالث ممن استمع إليها، أظن أنها لم تكن تبحث عن ناقد، لأن الناقد غول ربما فكرت أنه سيغتالها وهي بعد صغيرة، فبحثت عن الكتّاب فهم أقدر على استيعاب جنون نصوصها. ربما هذا ما كانت تفكّر فيه.
كيف سترى هذه الكاتبة المحتملة النقّاد عندما تكبر، وتنضج، وتنشر كتبها، مع ما تمتلكه من قوة في شخصيتها وشجاعتها الأدبية، ووعيها المتقدم كثيرا عن قريناتها اللواتي يسخرن منها في المدرسة، وهي تجابههن بقوة الكلام وقوة المواجهة، هذه “الرهف”- واسمها رهف- هذه الطالبة تناضل بالكتابة الشرسة لتقلم أنياب المتحلّقين حولها. هي مشروع ناقد محتمل أكثر من كونها مشروع كاتبة تتحدى العالم بالنص، ففيها ذلك المزاج الحاد الذي يصبغ شخصيات النقّاد بلغتهم “الفجة” أو لعلها شخصيتي ولغتي أنا وحدي كما وصفتني بذلك كاتبة أخرى، لا ترى فيما أكتبه من نقد وأدب سوى شيء لا يستحق الاهتمام، فهو إما شخصنة بلغة فجة أو كلام بذيء ليس أكثر!
ربما صورة هذه الطالبة صورة رمزية للقبح الذي يطبع صورتي في ذهن هذه المرأة بصورة أكثر دلالة على القبح الراسخ في لغة النقد، صورة حاضرة كذلك في ذهن كل الذين اكتووا بنيران الحقيقة، على الرغم من أنني لم أصب هذه الكاتبة بسوء بكل ما كتبته عنها. لقد حملتها لغتي “الفجة” إلى مكان لم يحملها إليه أي ناقد جميل الهيأة عميق اللغة ممن تنحاز إليهم وتدافع عنهم بشغف غريب. إنما هي أقدار النقّاد فعليهم أن يحتملوا الحقيقة أيضاً.
كنت أرغب أن تنتهي الأمور عند هذا الحد، لكنها في العمق أكبر من مشكلة، وأعقد من معضلة رياضية. فالكل يريدك مادحاً أو لعوباُ، لذلك فصورة النقّاد في ذهن الكتّاب طبيعية أن تكون هي صورة الغول غير الأنيق وغير اللبق ذو اللغة “الفجّة” التي تخبط فتهشم رؤوس الكتاب وتفتح فيها جروحاً لن تبرأ أبداً أبداً، كما لم يبرأ النقّاد أو أنا على الأقل من جروح النقد الحادة التي جعلتني مقولباً في صورة الناقد الذي لا يعجبه شيء، فجّ اللغة والأسلوب، ويشخصن الكتابة، وعليه فصورة الطالبة الكاريكاتورية القبيحة للنقاد هي ذاتها بشكل معنوي ما قالته تلك الكاتبة ولكن بصورة أكثر إيلاماً.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ا. د. قاسم المندلاوي

الفنان الراحل قادر ديلان موسيقار ومغن وملحن وكاتب اغان، وعازف على آلتي الكمان والفلوت، وقد تخصص في الموسيقى الشعبية الكوردية الكلاسيكية ذات الطابع الغربي. ويعد من ابرز رواد الموسيقى الكوردية الحديثة، اذ ينسب اليه تأسيس الاوركسترا الكوردية الوطنية، كما يعتبر اول موسيقار كوردي مزج بين الموسيقى الغربية والموسيقى الكوردية الشرقية…

مروة بريم

لوَّحت إنجي أويرباخر ذات الأعوام السّبعة بيدها، ظننتُ أنَّها تلويحة وداع من صغيرة، بلغَ بها الّلهو حدَّ الجنون ورفع الأدرينالين إلى مستويات خيالية، فاشتاقت لذراعين عطوفين تعيدان إليها التّوازن والسَّكن، أوشكتُ أن أُشيحَ بوجهي وأتركها لشأنها، لكنّ وميضاً لافتاً انبعثَ من عينيها قبض على قلبي بقوَّة، وأثار شريحة مولعة بالأشياء الفريدة تحتلُّ ناصيتي، وتمنح…

آناهیتا حمو. باريس

آريا ورسالة الإنسانية إلى العالم
في هذا الصباح الباريسي الجميل، أشرقت أخبار الأمل والفرح في القلوب. فقد وصلت رسالة سلام من حفيدةٍ للمنفى، تلك الشابة التي نشأت بعيداً عن مدينتها الأم قامشلو، لكنها حملت وطنها في قلبها أينما ذهبت. لم تسمح للمنفى أن يتحوّل إلى جدارٍ من العزلة أو الضعف، بل جعلت منه طاقةً…

صبحي دقوري

تمهيد: كاتب جاء من الهامش فصنع مركزًا

في حياة الأدب أسماء تأتي من العواصم، تحيط بها الصحف والمجلات والمقاهي والجامعات، وأسماء أخرى تأتي من الأطراف البعيدة، من مدنٍ كأنها تقف على حافة الخريطة، فإذا بها تقلب معنى المركز والهامش معًا. وسليم بركات من هذا النوع الثاني.

جاء من الشمال السوري، من القامشلي، من تلك الأرض الكردية…