العمامة رمز للهوية الكوردية

كونى ره ش

  انعكست طبيعة كوردستان بتضاريسها الجبلية والسهلية التي يعيشها الكورد بألوانها وسحرها في لباسهم وزيهم، ويميزهم عن باقي سكان الشرق الاوسط، فالجبال والتلال والسهول لا بد أن يكون لها ملابسها المختلفة والمستوحاة من الطبيعة، وهذا ما نراه في الزي الكوردي.. نعم، الملابس هي واحدة من أبرز العوامل الثقافية البصرية في أي مجتمع، ومن ملابس الأفراد يمكن للمرء أن يحدد ثقافتهم والعمامة الكوردية هي واحدة من اهم هذه العوامل البصرية..
   كان لبس العمامة الكوردية (الكوم والكولوز)، لدى الكورد رمز للهوية الكوردية، او كما يقال (تيجان الكورد).. اتذكر، قبل عقود من الزمن، كان معظم اهالي قريتنا (دودا)، يعتمرون العمامة الكوردية على الرأس، هذه العمامة التي يقال لها بالكوردية (كوم وكولوز). والعمامة تسمى (كولوز)، هو ما يلف على طاقية صوفية تسمى (كوم)، عدة لفات سواء كان تحتها طاقية أم لا.. والعمائم الكوردية تتنوع من حيث الألوان والربط من منطقة إلى أخرى ومن عشيرة إلى أخرى.. ومن الذين التقيت بهم وهم يعتمرون الكوم والكولوز العديد من اهالي قريتي ونزير آغا الأومري وحسين آغا اسعد ومحمد جميل سيدا وجميل آغا حاجو ووكريفي محمد عليكا وغيرهم.. والعديد من رجالات عشيرة أومريان في حي قدور بك.. مع الاسف الشديد افل نجم العمائم الكوردية في برية ماردين وما حولها..
  وبصدد عمامة كريفي محمد عليكا الذي كان احد شخصيات عشيرة بوبلانا، وهو من مواليد عام 1922 قرية (قصرا/ سرجخان)، توفي يوم 19/5/2004 في قريته (تل كيف)، كان آخر من يعتمر العمامة الكوردية (كوم وكولوز)، في القامشلي بل وفي الجزيرة. في إحدى المرات، بينما كان ذاهباً من قريته (تل كيف)، الى مدينة عامودا لبعض اعماله، شاهده مدير ناحية عامودا (يوسف طحطوح)، في إحدى شوارعها.. فطلب من رجاله ان يحضروا إليه هذا الرجل المعتمر العمامة الكوردية -إذ كان يرى في كل من يعتمر العمامة الكوردية برزانياً.. يريد دولة كوردية- بعد ان احضروه إليه، طلب منه ان لا يشاهده مرة اخرى في عامودا وهو معتمراً العمامة الكوردية.. بل عليه ان يضع بدلاً عنها العمامة العربية (الشماغ والعقال). فرد عليه كريفي محمد عليكا؛ لم اعد اقدم الى عامودا.. بمعنى لن اخلع عمامتي الكوردية.. وبقي محافظاً على كوم وكولوزه الكوردي لغاية وفاته عام 2004م. 
  عبر تاريخ مدينة عامودا الحديث، دأبت الحكومات السورية بدمشق، على تعيين مدراءها من العنصريين العرب، الذين كانوا يحاربون الوجود الكوردي، وبشكل خاص كانوا من ابناء مدينة دير الزور او درعا.. يومها كان مديرها يوسف طحطوح الديري، الذي كان يحارب الوجود الكوردي، اكثر من كل الذين سبقوه.. وفي عام 1958م، اوقف مدير ناحية الدرباسية، احد المواطنين لأنه لبس العمامة الكوردية على رأسه، و هدده إن لبسها مرة ثانية..
في خريف 1963م، بعد عودة قوات السورية بقيادة فهد الشاعر من محاربة قائد الثورة الكوردية مصطفى البارزاني ومرور سياراتهم بشوارع القامشلي، دهسوا السيد محمود بكي احد شخصيات عشيرة بوبلانا, كونه كان يلبس عمامة مثل عمامة البيشمركة، وبقي اعرجا حتى وفاته. 
  وهنا يحضرني كلمات اغنية (شرفو وره كمى خوه..)، هذه الاغنية التي قيلت في اعراس ولاية ماردين، كرد فعل على منع السلطات الكمالية ارتداء العمامة الكوردية في عام 1928م. وللتذكير، في عام 1930م، بعد اجهاض ثورة آرارات، نشرت جريدة (مليت) التركية صورة رمزية لضريح، على شاهدة الضريح عمامة كوردية ومكتوب على الشاهدة: (هذا ضريح كوردستان الخيالي).
  لاحقاً، حرصت حكومة إقليم كوردستان العراق على تحديد يوم العاشر من كل آذار/ مارس مناسبة لارتداء الملابس الكوردية التقليدية في المدارس والدوائر الرسمية، من أجل إحياء التراث الكوردي.
 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصالةً عن نفسي، ونيابةً عن إخوتي وأخواتي، وجميع آل السعيد في الوطن والمهجر،

أتقدم بأسمى آيات الشكر والتقدير، وأصدق مشاعر العرفان والامتنان، إلى كل من وقف إلى جانبنا، وساندنا في محنتنا خلال فترة مرض والدنا المرحوم عبدي محمد السعيد (بافي محمد) في مشافي إقليم كوردستان، من أهل وأصدقاء وأحبّة، وكان لمواقفهم الإنسانية النبيلة بالغ الأثر في…

أصدرت منشورات رامينا في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وگَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة…

ا. د. قاسم المندلاوي

انتهت مشاركة المنتخب العراقي في نهائيات كأس العالم 2026 بخروج مبكر، شأنه شأن معظم المنتخبات العربية والآسيوية ، باستثناء منتخبات مصر والمغرب، واليابان وأستراليا. ولم تقدم هذه المنتخبات المستوى الذي كانت تطمح إليه جماهيرها ، رغم ما أُنفق على إعدادها من إمكانات مالية وبشرية ، الأمر الذي أدى إلى خيبة…

حنان عبد القادر

يُشكل ديوان «في الطريق إلى نفسي» للشاعر لقمان محمود محطة تراجيدية ووجودية تختزل ثنائية الجرح والهوية في مسيرته الشعرية؛ فهو ليس مجرد ديوان يضم قصائد متفرقة، بل هو بيان وجداني يبين فيه الشاعر مرارة المنفى، ويتوزع الديوان على عتبات نصية وشعرية تتخذ طابع المكاشفة الذاتية، حيث يتقاطع الخاص مع العام، ويبحث الشاعر من…