عفدلو

رضوان حسين 

عفدولو رجلٌ ممتلئ الجسم، قصير الطول، يصعب تحديد عمره، فهو لا يعترف أبداً بعمره الحقيقيّ؛ يجيبُ دائماً بشكلً تقريبيٍّ حسب عمر المتواجدين في المجلس، يلبسُ بالمناسبات ثوباً أبيضاً تحت بدلةٍ عربيةٍ، خفتان وجاكيت، ويضع على رأسه عقال وكوفية بيضاء. يبدو كلًّ شيءٍ فيه حائراً، خجلاً؛ غيرُ متأكد في مشيته وهيئته غير موزونة. حتى تاريخه عفدلو لم يخرج من محيط قريته، إلا نادراً، وذلك إلى المدنية القريبة (القامشلي)؛ بالسنة مرة أثناء الموسم -فترة الحصاد- ليبيع محصوله من الحبوب، وفي بعض الأعياد لشراء ملابسٍ لأطفاله، وأحياناً يأخذه الحجي محمد ليحمل عنه مشترياته، وبالمقابل يطعميه الكباب. أيضاً في الماضي خلال الخدمة العسكرية التي خدمها بفئة الخدمات الثابتة؛ ذلك لوجود اصبع صغير زائد في يده اليسرى، في محيط مدينة درعا، وكان حينها حاجباً لأحد الضباط الصغار.
مشواره اليومي يبدأ صباحاً، من البيت الى مضافة عمه حجي محمد، ويدور الحديث الاعتياديّ:
– السلام عليكم عمي الحجي .
– وعليكم السلام، تاخرت اليوم على عمك، اذهب واجلب لنا الفطور.
كان الحج محمد واسع الثراء، وله الكثير من الأراضي الزراعية، وكان بارعاً في التجارة، وفي السنين الاخيرة تقاعد جزئياً، وقد كلّف أولاده وسلّمهم التجارة. ولكنّه مازال يعرف كلّ صغيرة وكبيرة، ويراقب اولاده في تجاراتهم .  
عندما يتكلم عفدلو، هو خبير بكلّ الأمور بالطب بالزراعة بالهندسة وخاصةً بالأمور العسكرية، يبدأ حديثة وسط  الرجال والشباب، ويدعي أنّه لا يحبّ النقاش إلا مع أصحاب الشهادات العليا، ويقول: ” لا أدري ماذا يعلمونهم في الجامعات، الله وكيلكم انهم جهلة، جهلة كورو، لا يعرفون شيء.” يتحسر دائماً لأنّه لم يستطيع تكملة دراسته لظروف والده الصعبة، فهو يعيل والديه، وأخواته، منذ كان عمره سبع سنوات.
يحبّ عفدلو أن يقص ما جرى معه أثناء أداء الواجب الوطني كما يقول، مثلاً، من قصصه المفضلة: “كنا جالسين في القطعة، سألني الضابط ما رأيك يا ابو باسل ان نقوم بجولة تفتيشية  على الخط الأمامي، وعند وصولنا حلق سرب من الطائرات المعادية المتجهة إلى الشام، قلت لرامي المدفعية “زيييح” واستلمت المدفع، ومع اول رشقة أسقطت طائرة قائد السرب، وبعدها عادت باقي الطائرات إلى حيث أتت خائبة وخائفة، قال لي الضابط: “عفاك يا ابوباسل”. 
يقول الحج محمد: “كم من المضحك أن تستمع إلى الكذب، لكن بالطبع، عندما تعرف الحقيقة، ومن الضروري أن لا تقاطع الشخص الذي بذل مجهودا كبيرا في حياكة الكذبة.”.
يقول أحد الشباب مقاطعاً عفدلو: 
– أبو باسل لكن لم نسمع بأي هجوم، وإسقاط طائرات منذ حرب تشرين!.
– هوهو، انت شاب غرّ لاتعرف السياسة، وهز رأسه مستهزئًا بالجالسين. 
الشيء الآخرالذي يُعرف به عفدلو هو قصصه مع الدّرك الخياّلة، وذلك لأنّ الجيب الوحيد القديم للمخفر تحت تصرف رئيس المخفر، الذي يأخذ كل مستحقات البنزين، لذا الدرك يستخدمون الخيل كثيراً، وأبوباسل لهم بالمرصاد دائماً، يستقبلهم من مطلع القرية، ويسرع الخطوات معهم إلى المضافة، ويبقى متلهفاً لسماع أي أمرٍ أو طلبٍمن الدرك. ودائماً الجواب:”حاضر سيدي”. أما “نعم” فيستخدمها لإظهار معرفته في اللغة العربية عوضاً عن “حاضر سيدي”. 
ومن رواياته لأصحابه: ” قلت للشرطي لا يا أبو وائل، أنت غلطان، ابن فلان موجود، وجاهز لاستلام الاستدعاء للجيش، ولكن والده رجل كبير، ياريت تتركه لبعد الموسم، والله رد الشرطي، وقال: تكرم يا ابوباسل !”. 
في يومٍ خريفيٍّ غائم ٍهطلت بعض زخات المطر، أما الغيوم كانت تتلبدّ في السماء، رأى عفدلو خياّلين من بعيد، ركض الى بداية القرية، واستقبلهم . 
– أهلاً وسهلاً سيدي.
– هل الحج محمد بالمضافة؟
– نعم سيدي.
التفت الشرطي لصاحبه: -الله يستر من المطر.
– نعم سيدي.
– دبر شعير للخيل عبدالله.
– حاضر سيدي.
وعندما توقفوا أمام المضافة وارتجل الشرطة، أمسك عفدلو بلجام الخيل وكرّر عدة مرة حاضر سيدي، نعم سيدي. ترك الشرطة خيولهم، ودخلوا المضافة، اما عفدلو ركض إلى البيت، وجلب الشعير للخيل، وبقى يحرسهم رغم زيادة زخات المطر.
أحد الأحصنة كان هائجاً، وصهيله كان عالياً، وبعد ضراطة احد الخيول بصوت عالي، ردّ أبو باسل بنفس شدة الصوت: “نعم سيدي”.
17.04.2023

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

بوكيه زمين

عن الكردية: جان دوست

على سطح منزلٍ من الطين،
وتحت سماء زرقاء،
كنتُ أعد النجوم،
ممعنة في البدر
وكنتَ معي،
كانتْ هدهداتٌ
تتناهى إلى سمعي،
كأغاني العشاق،
كانتِ الهدهداتُ تثير رائحةَ الرشاد، والسمسق،
رائحة من الطِّيب الذي نأيتَ عنه
وضعتْ في يدي اليسرى
نرجساً وأقحواناً
زينتْ جدائلي
بزهور الخجخجوك.
***
قوس قزح يواجهنا،
تتناثر آمالُنا منه،
فجأة احترقتْ نظرةٌ تحت أهدابكَ،
وسقطت من عيني دمعةٌ متاوهةٌ،
غبتَ عني،
غمر السيلُ
البستانَ الذي نما تحت نهدي الأيسر،
تركنا…

خوشناف سليمان

الدبكة عند الكرد ترفاً فنياً. ام فقرة ترفيهية تسبق الطعام أو تعقب الاحتفالات. ام هي واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية التصاقاً بالوجود الكردي نفسه. فمن النادر أن نجد شعباً حافظ على الرقص الجماعي بهذا العمق و بهذا الحضور المتواصل في مختلف مراحل الحياة كما فعل الكرد. و كأن الجسد الكردي تعلم منذ أزمنة بعيدة….

إبراهيم محمود

 

في التاريخ الذي لا يغفل عنا

التاريخ الذي يُكتَب، وإن كان ينتسب إلى ما قبله، ليُصبِح هو نفسه، من اللحظة التي تُسطّر كلمته، داخلاً في خانة الماضي، لا يعني ما كان، ولمن كان في الصميم في شيء ماضياً. لأن أيّاً من هؤلاء، وهو ميْت غير قادر على قراءته أو مناقشته، وإن كان عجينتَه وخميرته، كما…

صدر حديثاً عن دار TASQ للنشر كتاب “يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين” للكاتب إبراهيم اليوسف، في عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي، أحد أبرز مؤسسي الأغنية الكردية الحديثة، وأحد أهم رموز الفلكلور الكردي في كردستان سوريا.

يتناول الكتاب حياة يوسف جلبي ومسيرته الفنية والإنسانية، منذ ولادته عام 1927 في قرية جبلكراو التابعة لمنطقة نصيبين، مروراً بانتقاله إلى الجزيرة السورية…