سيرة الغبار

إدريس سالم

لم أفهم أبي يوماً؛

ذلك الثقب الأسود في مجرّة العائلة، الكائن الذي لم يفكَّ شيفرته أحد، يسكن في فجوة سحيقة بين الصرخة والسكوت. كان يزرع العِناد المسموم في أوردتنا، يبذر ألغاماً موقوتة، ويحقن قراراتنا المصيرية بمصل التردّد، حتى غدونا نمشي على أطراف أصابعنا في حقل من الخوف.

لم أفهم أبي يوماً؛

إنه طاووس جريح، إذا مسّه المرض، استدعى نوحَ المدينة قاطبة، وطلب من المآذن أن تبتهلَ لجسده، بينما هو يكفر بالدواء، ويشتم الهواء، ويرى في الأقراص الملوّنة أبالسة مجهرية تتربّص به. يرفض المشفى كأنه يرفض القيد، ثم يخرج ليعارك العتمة على رصيف بارد، يضرب الحائط بكفّيه، ضرباتٍ إيقاعية تهزّ أركان الوجود، لا ندري أهي طقوس انتقامٍ منّا، أم هي محاولة يائسة لهدم جدار ذاته المتصلّبة. لم يثقْ بنا يوماً، كان يرى في ألمنا لأجله مؤامرة، وفي دمعنا خلف ظهره خيانة.

لم أفهم أبي يوماً؛

مائدته كانت مسرحاً لسريالية الموت البطيء؛ يغمد الخبز في المشروبات الغازية كأنها نبيذ جنائزي، ويغمس التفّاح في السكّر ليعيد اختراع طعم جديد للغواية، يلتهم المعجّنات بشراهة انتحارية، رغم أمعائه التي استقالت من وظيفتها منذ أزل. وفي زاوية ذلك المشهد، تقف أمّي كتمثالٍ من ملح لم يُذِبْه مطرُ الظلم لخمسة عقود. كلّما دخّنت أمامي، نبضتِ الأسئلة في رأسي كمطارق:

أيّ نوع من الأحجار الكريمة أنتِ يا أمّي؟

كيف عبرْتِ نفق الكرباج الأسود حين أجبركِ – أمام عينيّ الطفوليتين – على التهام دخان أربعين سيجارة في نصف ساعة من الجحيم؟

هل كان حبّاً، أم هو انصهار الضحية في جلّادها حتى استحال الفكاك؟

أتساءل في كلّ مرّة يخرج فيها الدخان من رئتيكِ: هل هو زفير الهزيمة، أم بخار الروح التي رفضت أن تنكسر؟

لم أفهم أبي يوماً؛

كان يشنّ الحرب على كلّ ما هو أخضر؛ يزدري الجرجير والسبانخ، يطرد رائحة البابونج والنعناع من مداراته، ويعادي الماء مثل عدوّ لدود. ومع ذلك، كان يخبّئ في سراديبه العميقة حناناً متجمّداً، حناناً لا تراه العين ولا تلمسه الكلمات. لم يقل: «أحبّك يا بُني»  يوماً، كانت جافّة ملامحه كصحراء، وشحيحة وعوده كسراب، حتى صرت أفتّش في جيناتي عن ملامحه متسائلاً بذهول: «أهو أبي، أم هو ظلّ غريب استوطن بيتنا؟».

لكنه، وبطريقة لا يفهمها إلا التراب، يظلّ هو الوطن الذي لا نملك حقّ الهجرة منه. يستدرجني من شتاتي إلى ترانيم الأرض، فأراه في صمود الصنوبر رغم يباسه، وفي سلام الزيتون رغم طعمه المرّ. هو الفصل الذي يجمع النقيضين؛ ريح تقتلع الأشجار، ومطر يحيي العظام الرميم، هو الأرض التي نلعن قسوتها، لكننا لا نعرف كيف نتنفّس خارج حدود غبارها. هو أبي الذي لم أفهمه يوماً، ولكنه الممرّ الإجباري الوحيد لكي أكون أنا.

أتركه الآن في سراديبه، حنوناً كقنبلةٍ لم تنفجر، وقاسياً كغيمةٍ بخلت بمطرها لتصون كبرياءها. سأقبل أن أكون امتداداً لظلّه الغريب، ونبضاً في عروقه التي خاصمتِ النقاء لتشرب الشوك؛ فلا حاجة لي لفهم البحر لكي أغرق فيه، ولا حاجة لي لفكّ شيفرة الأب لكي أحمل ملامحه. سأظلّ هكذا، أحبّ فيه ما أكره، وأكره فيه ما أحب، حتى يجمعنا التراب الذي وحده يملك سرّ المصالحة الأخيرة بين السجين وسجّانه، وبين الابن والوطن الذي لا يرحم.

 

مدينة مرسين

19 آذار، 2026م

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شهدت الأوساط الثقافية الكوردية والعربية في المهجر صدور كتاب فكري وحواري مميز يحمل عنوان «مطاردة المعنى.. من العود الأبدي إلى اللاوعي الجمعي»، للكاتب والشاعر الكوردي السوري إدريس سالم.

وصدر هذا العمل عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب في هولندا، ليكون رافداً جديداً للمكتبة الفلسفية والنقدية الكوردية والعربية، ومحاولة جادة لمقاربة الواقع الثقافي برؤى مغايرة وأدوات…

علي شمدين

مع صدور الترجمة العربية لكتاب «رحلات في كردستان» لمؤلفيه «السير هنري راولنسون وجون جورج تايلور»، والتي ترجمها الأستاذ «رضوان شيخو» مؤخراً من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، ينتابنا شعور عميق بالفخر والاعتزاز مرتين، مرة لأننا نرى حزبنا الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا وهو يضم كل هذه الأقلام اللامعة التي تطوعت، رغم ظروف القهر والاستبداد،…

محمود أوسو

 
يا وطناً كانت خرائطه ألواناً
صارت دماً على أطراف القلم
يا شاماً كانت بيوتها مواويل
صارت صدىً لصرخةٍ لم تُفهم
 
من حلب إلى الحسكة،
من جبل العرب إلى القامشلو
الرصاص يلبس أسماء الله
والحقد يرتدي عباءةً ضيقة
ويقول: هذا ديني، وهذه سنتي
 
يقتلون المسيحي لأنه يحمل صليباً صغيراً
والعلوي لأن اسمه في سجلّ قديم
والدرزي لأن جبلَه لا ينحني
والكردي لأن لغته وجعٌ آخر
وفي دير الزور،…

محي الدين حاجي

ابني العزيز……..

أراقبك وأنت تتحدث لغتهم بطلاقة، فأشعر بالفخر والخوف معاً. فخرٌ لأنك ملكت سلاحاً لم أملكه، وخوفٌ من أن تبتلع هذه اللغة حروفي التي علمتك إياها وأنت صغير. أنا لا أريدك أن تعيش في الماضي كما أفعل، لكنني أخشى أن يأتي يومٌ تسألني فيه عن ‘الوطن’ فلا تجد في قلبك سوى صدىً باهت.

أبي……..

أنا…